الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: «نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَبَنِي حَارِثَةَ مِنَ الْأَوْسِ، وَرَأْسُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] «فَهُوَ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] " وَالطَّائِفَتَانِ: بَنُو سَلَمَةَ مِنْ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو حَارِثَةَ بْنِ النَّبِيتِ مِنَ الْأَوْسِ، وَهُمَا الْجَنَاحَانِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] الْآيَةَ، قَالَ: «هُمَا طَائِفَتَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ هَمَّا أَنْ يَفْشَلَا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، وَهَزَمَ عَدُوَّهُمْ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] قَالَ: «هُمْ بَنُو سَلَمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ وَمَا نُحِبُّ أَنْ لَوَ لَمْ تَكُنْ هَمَّتَا» لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: 122] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو،
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] قَالَ: «هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ» وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] فَإِنَّهُ يَعْنِي: هَمَّا أَنْ يَضْعُفَا وَيَجْبُنَا عَنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِمَا، يُقَالُ مِنْهُ: فَشِلَ فُلَانٌ عَنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِ يَفْشَلُ فَشَلًا
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْفَشَلُ: الْجُبْنُ " وَكَانَ هَمُّهُمَا الَّذِي هَمَّا بِهِ مِنَ الْفَشَلِ الِانْصِرَافَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ حِينَ انْصَرَفَ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِمَنْ مَعَهُ، جُبْنًا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا نِفَاقٍ؛ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ مِمَّا هَمُّوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَجْهِهِ الَّذِي مَضَى لَهُ، وَتَرَكُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعَهُ، فَأَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمَا بِثُبُوتِهِمَا عَلَى الْحَقِّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَلِيُّهُمَا وَنَاصِرُهُمَا عَلَى أَعْدَائِهِمَا مِنَ الْكُفَّارِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: 122] " أَيِ الدَّافِعُ عَنْهُمَا مَا هُمَا بِهِ مِنْ فَشَلِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَنْ ضَعْفٍ وَوَهَنٍ أَصَابَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ أَصَابَهُمَا فِي دِينِهِمَا، فَتَوَلَّى دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمَا بِرَحْمَتِهِ وَعَائِدَتِهِ، حَتَّى سَلِمَتَا مِنْ
وَهَنِهِمَا وَضَعْفِهِمَا، وَلَحِقَتَا بِنَبِيِّهِمَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يَقُولُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122] أَيْ مَنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ وَهْنٌ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَيَّ وَلْيَسْتَعِنْ بِي أُعِنْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَأَدْفَعْ عَنْهُ، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ وَأُقَوِّيَهُ عَلَى نِيَّتِهِ " وَذُكِرَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقْرَأُ: «وَاللَّهُ وَلِيُّهُمْ» وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتَا فِي لَفْظِ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُمَا فِي مَعْنَى جِمَاعٍ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمَيْنِ وَالْحِزْبَيْنِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا، لَا يَضُرَّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، وَيَنْصُرْكُمْ رَبُّكُمْ، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: 123] عَلَى أَعْدَائِكُمْ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ [البقرة: 22] يَوْمَئِذٍ ﴿أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123] يَعْنِي قَلِيلُونَ، فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى
أَظْهَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّكُمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ، وَأَنْتُمْ الْيَوْمَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْكُمْ حِينَئِذٍ، فَإِنْ تَصْبِرُوا لِأَمْرِ اللَّهِ يَنْصُرْكُمْ كَمَا نَصَرَكُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاتَّقُوا رَبَّكُمْ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52] يَقُولُ: لِتَشْكُرُوهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، وَإِظْهَارِ دِينِكُمْ، وَلِمَا هَدَاكُمْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي ضَلَّ عَنْهُ مُخَالِفُوكُمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123] يَقُولُ: وَأَنْتُمْ أَقَلُّ عَدَدًا، وَأَضْعَفُ قُوَّةً ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] أَيْ فَاتَّقُونِ، فَإِنَّهُ شُكْرُ نِعْمَتِي " وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمِّيَ بَدْرٌ بَدْرًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَاءً لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا، فَسُمِّيَ بِاسْمِ صَاحِبِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «كَانَتْ بَدْرٌ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، فَسُمِّيَتْ بِهِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: 123] قَالَ: «كَانَتْ بَدْرٌ بِئْرًا لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، فَسُمِّيَتْ بِهِ» وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا: ذَلِكَ اسْمٌ سُمِّيَتْ بِهِ الْبُقْعَةُ كَمَا سُمِّيَ سَائِرُ الْبُلْدَانِ بِأَسْمَائِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَرْثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: ثنا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " إِنَّمَا سُمِّيَ بَدْرًا لِأَنَّهُ كَانَ مَاءً لِرَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، وَقَالَ الْحَرْثُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، فَأَنْكَرَاهُ،
وَقَالَا: فَلِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الصَّفْرَاءُ؟ وَلِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الْحَمْرَاءُ؟ وَلِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ رَابِغٌ؟ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ اسْمُ الْمَوْضِعِ " قَالَ: " وَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ الْغِفَارِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ شُيُوخَنَا مِنْ بَنِي غِفَارٍ يَقُولُونَ: هُوَ مَاؤُنَا وَمَنْزِلُنَا، وَمَا مَلَكَهُ أَحَدٌ قَطُّ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، وَمَا هُوَ مِنْ بِلَادِ جُهَيْنَةَ إِنَّمَا هِيَ بِلَادُ غِفَارٍ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَهَذَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا "
حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ: «بَدْرٌ مَاءٌ عَنْ يَمِينِ طَرِيقِ مَكَّةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123] فَإِنَّهُ جَمْعُ ذَلِيلٍ، كَمَا الْأَعِزَّةُ جَمْعُ عَزِيزٍ، وَالْأَلِبَّةُ جَمْعُ لَبِيبٍ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَذِلَّةً لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، وَعَدُوُّهُمْ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى، فَجَعَلَهُمْ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ أَذِلَّةً.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] " وَبَدْرٌ: مَاءٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، الْتَقَى عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ أَوَّلَ قِتَالٍ قَاتَلَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: «أَنْتُمْ الْيَوْمَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ يَوْمَ لَقِيَ جَالُوتَ» : فَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ أَلْفٌ أَوْ رَاهَقُوا ذَلِكَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] قَالَ: " يَقُولُ: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ قَلِيلٌ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ بَضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثُمِائَةٍ " حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، نَحْوَ قَوْلِ قَتَادَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123] «أَقَلُّ عَدَدًا وَأَضْعَفُ قُوَّةً» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ كَالَّذِي قَدْ بَيَّنْتُ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] «أَيْ فَاتَّقُونِي، فَإِنَّهُ شُكْرُ نِعَمِي»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123] إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
بِكَ مِنْ أَصْحَابِكَ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124] وَذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حَرْبَهُمْ، فِي أَيِّ يَوْمٍ وُعِدُوا ذَلِكَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ إِنْ أَتَاهُمُ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْرِهِمْ، فَلَمْ يَأْتُوهُمْ، وَلَمْ يُمَدُّوا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَ الْمُسْلِمُونِ، أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيَّ، يُمِدُّ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةَ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125] قَالَ: «فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ فَرَجَعَ، وَلَمْ يُمِدَّهُمْ بِالْخَمْسَةِ»
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: 125] : يَعْنِي كُرْزًا وَأَصْحَابَهُ، ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125] قَالَ: فَبَلَغَ كُرْزًا وَأَصْحَابَهُ الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّهُمْ، وَلَمْ تَنْزِلِ الْخَمْسَةُ، وَأُمِدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ، فَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبَّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: 124] الْآيَةَ كُلَّهَا، قَالَ: «هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «حَدَّثَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيَّ يُرِيدُ أَنْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ» قَالَ: " فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [آل عمران: 124] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125] قَالَ: فَبَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُمِدَّ أَصْحَابَهُ، وَلَمْ يُمَدُّوا بِالْخَمْسَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ هَذَا الْوَعْدُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَصَبَرَ الْمُؤْمِنُونَ وَاتَّقَوُا اللَّهَ، فَأَمَدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ عَلَى مَا وَعَدَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ مَالِكَ بْنَ رَبِيعَةَ بَعْدَ مَا أُصِيبَ بَصَرُهُ يَقُولُ: «لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِي بَصَرِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ إِذْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: «لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْيَوْمَ بِبَدْرٍ، وَمَعِي بَصَرِي، لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثني رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: " أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ، فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ.
قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ، إِذْ دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، قَالَ: فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ، فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلِكَ، ثُمَّ تَمَاسَكْتُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَثني الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ، مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ، وَكَانَ، شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ: «إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ إِذْ وَقَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي»
حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: ثني حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمْتُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ.
وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ عَدُوُّ اللَّهِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَذَلِكَ صَنَعُوا لَمْ يَتَخَلَّفْ رَجُلٌ إِلَّا بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلًا، فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَبَتَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَوَجَدْنَا فِي
أَنْفُسِنَا قُوَّةً وَعَوْنَةً، قَالَ: وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الْقِدَاحَ أَنْحِتُهَا فِي حُجْرَةِ زَمْزَمَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَجَالِسٌ فِيهَا أَنْحِتُ الْقِدَاحَ، وَعِنْدِي أُمُّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الْخَبَرِ، إِذْ أَقْبَلَ الْفَاسِقُ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَرٍّ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ، فَكَانَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِي، فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ إِذْ قَالَ النَّاسُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَدْ قَدِمَ، قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أَخِي، فَعِنْدَكَ الْخَبَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النَّاسِ؟ قَالَ لَا شَيْءَ وَاللَّهِ إِنْ كَانَ إِلَّا أَنْ لَقِينَاهُمْ، فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافِنَا يَقْتُلُونَنَا وَيَأْسِرُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا وَايْمِ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا يَلِيقُ لَهَا شَيْءٌ، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْتُ طُنُبَ الْحُجْرَةِ بِيَدِي ثُمَّ قُلْتُ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثني الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ أَبَا الْيَسَرِ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي سَلَمَةَ، وَكَانَ أَبُو الْيَسَرِ رَجُلًا مَجْمُوعًا، وَكَانَ
الْعَبَّاسُ رَجُلًا جَسِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الْيَسَرِ: «كَيْفَ أَسَرْتَ الْعَبَّاسَ أَبَا الْيَسَرِ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، هَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124] «أُمِدُّوا بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ» ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125] «وَذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، بِنَحْوِهِ