الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الِآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَعْطَى اللَّهُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بَعْدَ مَقْتَلِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَعَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي أُمُورِهِمْ، وَاقْتِفَائِهِمْ مَنَاهِجَ
إِمَامِهِمْ، عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي اللَّهِ ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 145] يَعْنِي: جَزَاءَ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ النَّصْرُ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ اللَّهِ، وَالظَّفَرُ وَالْفَتْحُ عَلَيْهِمْ، وَالتَّمْكِينُ لَهُمْ فِي الْبِلَادِ؛ ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 148] يَعْنِي: وَخَيْرَ جَزَاءِ الْآخِرَةِ، عَلَى مَا أَسْلَفُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَذَلِكَ الْجَنَّةُ وَنَعِيمُهَا
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 147] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] «أَيْ وَاللَّهِ لَآتَاهُمُ اللَّهُ الْفَتْحَ وَالظُّهُورَ وَالتَّمْكِينَ وَالنَّصْرَ عَلَى عَدُوِّهِمْ فِي الدُّنْيَا» ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 148] يَقُولُ: «حُسْنُ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ هِيَ الْجَنَّةُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ [آل عمران: 147] ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 148] قَالَ: «النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ» ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 148] قَالَ: «رِضْوَانَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 148] «حُسْنَ الظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِمْ» ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 148] «الْجَنَّةَ، وَمَا أَعَدَّ فِيهَا» وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِإِحْسَانِهِمْ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفَ عَنْهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ حِينَ قُتِلَ نَبِيُّهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فِي وَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 149] ، يَعْنِي: الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّةَ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فِيمَا يَأْمُرُونَكُمْ بِهِ، وَفِيمَا يَنْهَوْنَكُمْ عَنْهُ، فَتَقْبَلُوا رَأْيَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَتَنْتَصِحُوهُمْ فِيمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَكُمْ فِيهِ
نَاصِحُونَ، ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 149] يَقُولُ: يَحْمِلُوكُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَبِرَسُولِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149] يَقُولُ: فَتَرْجِعُوا عَنْ إِيمَانِكُمْ وَدِينِكُمُ الَّذِي هَدَاكُمُ اللَّهُ لَهُ خَاسِرِينَ، يَعْنِي: هَالِكِينَ، قَدْ خَسِرْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَضَلَلْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ، وَذَهَبَتْ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتُكُمْ، يَنْهَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ أَنْ يُطِيعُوا أَهْلَ الْكُفْرِ فِي آرَائِهِمْ، وَيَنْتَصِحُوهُمْ فِي أَدْيَانِهِمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149] " أَيْ عَنْ دِينِكُمْ: فَتَذْهَبُ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتُكُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 149] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَقُولُ: «لَا تَنْتَصِحُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى دِينِكُمْ، وَلَا تُصَدِّقُوهُمْ بِشَيْءٍ فِي دِينِكُمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149] يَقُولُ: «إِنْ تُطِيعُوا أَبَا سُفْيَانَ يَرُدَّكُمْ كُفَّارًا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ اللَّهَ مُسَدِّدُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَمُنْقِذُكُمْ مِنْ طَاعَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: 150] لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 149] نَهْي لَهُمْ عَنْ طَاعَتِهِمْ، فَكَأَنَّهُ قَالَ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ، فَقَالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: 150] فَأَطِيعِوهُ دُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ نَصْرٍ، وَلِذَلِكَ رُفِعَ اسْمُ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ مَنْصُوبًا عَلَى مَعْنَى: بَلْ أَطِيعُوا اللَّهَ مَوْلَاكُمْ دُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَانَ وَجْهًا صَحِيحًا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: 150] وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150] لَا مَنْ فَرَرْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، فَبِاللَّهِ الَّذِي هُوَ نَاصِرُكُمْ وَمَوْلَاكُمْ فَاعْتَصِمُوا وَإِيَّاهُ فَاسْتَنْصِرُوا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَبْغِيكُمُ الْغَوَائِلَ وَيَرْصُدُكُمْ بِالْمَكَارِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: 150] " إِنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ صِدْقًا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150] أَيْ فَاعْتَصِمُوا بِهِ وَلَا تَسْتَنْصِرُوا بِغَيْرِهِ، وَلَا تَرْجِعُوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ مُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِكُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا
أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: سَيُلْقِيِ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ حَارَبَكُمْ بِأَحَدِ الرُّعْبِ، وَهُوَ الْجَزَعُ وَالْهَلَعُ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، يَعْنِي بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ وَعِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ، وَطَاعَتِهِمُ الشَّيْطَانَ الَّتِي لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ بِهَا حُجَّةً، وَهِيَ السُّلْطَانُ الَّتِي أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْهُ بِكُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَالْفَلَجِ عَلَيْهِمْ مَا اسْتَقَامُوا عَلَى عَهْدِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِطَاعَتِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِأَعْدَائِهِمْ بَعْدَ مَصِيرِهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 151] يَعْنِي: وَمَرْجِعُهُمُ الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النَّارُ ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151] يَقُولُ: وَبِئْسَ مُقَامُ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ مَا أَوْجَبَ لَهَا عِقَابُ اللَّهِ النَّارَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151] «إِنِّي سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الَّذِي بِهِ كُنْتُ أَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ، بِمَا أَشْرَكُوا بِي مَا لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ بِهِ حُجَّةً، أَيْ فَلَا تَظُنُّوا أَنَّ لَهُمُ عَاقِبَةَ نَصْرٍ، وَلَا ظُهُورًا عَلَيْكُمْ مَا اعْتَصَمْتُمْ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي، لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْكُمْ مِنْهُمْ بِذُنُوبٍ قَدَّمْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ، خَالَفْتُمْ بِهَا أَمْرِي، وَعَصَيْتُمْ فِيهَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا ارْتَحَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ، انْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ نَدِمُوا فَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ، إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشِّرِّيرُ تَرَكْتُمُوهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَانْهَزَمُوا، فَلَقُوا أَعْرَابِيًّا، فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَأَخْبِرْهُ بِمَا قَدْ جَمَعْنَا لَهُمْ فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطَلَبَهُمْ حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَبَا سُفْيَانَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَذَفَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الرُّعْبِ، فَقَالَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 151] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُحُدٍ وَعْدَهُ الَّذِي وَعَدَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْوَعْدُ الَّذِي كَانَ وَعَدَهُمْ عَلَى لِسَانِهِ بِأُحُدٍ قَوْلُهُ لِلرُّمَاةِ: «اثْبُتُوا مَكَانَكُمْ وَلَا تَبْرَحُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ هَزَمْنَاهُمْ، فَإِنَّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ» وَكَانَ وَعَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّصْرَ يَوْمَئِذٍ إِنِ انْتَهَوْا إِلَى أَمْرِهِ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا بَرَزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ، أَمَرَ الرُّمَاةَ، فَقَامُوا بِأَصْلِ الْجَبَلِ فِي وُجُوهِ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ هَزَمْنَاهُمْ، فَإِنَّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ» وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، ثُمَّ إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُثْمَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَامَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُنَا بِسُيُوفِكُمْ إِلَى النَّارِ، وَيُعَجِّلُكُمْ بِسُيُوفِنَا إِلَى الْجَنَّةِ، فَهَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يُعَجِّلُهُ اللَّهُ بِسَيْفِي إِلَى الْجَنَّةِ، أَوْ يُعَجِّلُنِي بِسَيْفِهِ إِلَى النَّارِ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى يُعَجِّلُكَ اللَّهُ بِسَيْفِي إِلَى النَّارِ، أَوْ يُعَجِّلُنِي بِسَيْفِكَ إِلَى الْجَنَّةِ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَسَقَطَ، فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَقَالَ: أُنْشِدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ يَا ابْنَ عَمِّ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ أَصْحَابُهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجْهِزَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَمِّي نَاشَدَنِي حِينَ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
ثُمَّ شَدَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَهَزَمَاهُمْ، وَحَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابُهُ، فَهَزَمُوا أَبَا سُفْيَانَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ حَمَلَ فَرَمَتْهُ الرُّمَاةُ، فَانْقَمَعَ؛ فَلَمَّا نَظَرَ الرُّمَاةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي جَوْفِ عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ يُنْهَبُونَهُ، بَادَرُوا الْغَنِيمَةَ، فَقَالْ بَعْضُهُمْ: لَا نَتْرُكُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ عَامَّتُهُمْ، فَلَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ؛ فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ قِلَّةَ الرُّمَاةِ، صَاحَ فِي خَيْلِهِ، ثُمَّ حَمَلَ فَقَتَلَ الرُّمَاةَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا
رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَنَّ خَيْلَهُمْ تُقَاتِلُ، تَنَادَوْا، فَشَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ "
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمِ أُحُدٍ وَلَقِينَا الْمُشْرِكِينَ، أَجْلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا بِإِزَاءِ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا» فَلَمَّا الْتَقَى الْقَوْمُ، هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ قَدْ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، وَبَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَهْلًا، أَمَا عَلِمْتُمْ مَا عَهِدَ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَبَوْا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صَرَفَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ، فَأُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ قَتِيلًا " حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] " فَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَقْبَلَ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ، حَتَّى نَزَلَ أُحُدًا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ، فَاجْتَمَعُوا، وَأَمَّرَ عَلَى
الْخَيْلِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللِّوَاءَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَخَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْحُسَّرِ، وَبَعَثَ حَمْزَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَمَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ، وَقَالَ: اسْتَقْبِلْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكُنْ بِإِزَائِهِ حَتَّى أُوذِنَكَ وَأَمَرَ بِخَيْلٍ أُخْرَى، فَكَانُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُوذِنَكُمْ وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَحْمِلُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الزُّبَيْرِ أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَهَزَمَهُ وَمَنْ مَعَهُ " كَمَا قَالَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] «وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْصُرَهُمْ، وَأَنَّهُ مَعَهُمْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَالْحُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَغَيْرَهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا عَنْ أُحُدٍ، ذَكَرَ أَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ حَدَّثَ بِبَعْضِهَا، وَأَنَّ حَدِيثَهُمُ اجْتَمَعَ فِيمَا سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ، فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ فِي عَدُوِّهِ الْوَادِي إِلَى الْجَبَلِ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ، وَقَالَ: «لَا تُقَاتِلُوا حَتَّى نَأْمُرَ بِالْقِتَالِ» ، وَقَدْ سَرَّحَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ وَالْكُرَاعَ فِي زُرُوعٍ كَانَتْ
بِالصَّمْغَةِ مِنْ قَنَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقِتَالِ: أَتُرْعَى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ وَلَمَّا نُضَارِبْ؟ وَصَفَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقِتَالِ، وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَتَصَافَّ قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ قَدْ جَنَّبُوهَا، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُعَلَّمٌ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَالرُّمَاةُ خَمْسُونَ رَجُلًا، وَقَالَ: «انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ» فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَمَيَتِ الْحَرْبُ، وَقَاتِلُ أَبُو دُجَانَةَ حَتَّى أَمْعَنَ فِي النَّاسِ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبَى طَالِبٍ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَصَرَهُ، وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ، فَحَسُّوهُمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى كَشَفُوهُمْ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ لَا شَكَّ فِيهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ: " وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ
هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ وَصَوَاحِبِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَازِمَ، مَا دُونَ إِحْدَاهُنَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، إِذْ مَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنَا الْقَوْمَ عَنْهُ، يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينَا مِنْ أَدْبَارِنَا، وَصَرَخَ صَارِخٌ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَانْكَفَأْنَا وَأَنْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ هَزَمْنَا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ، حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: 152] «أَيْ لَقَدْ وَفَّيْتُ لَكُمْ بِمَا وَعَدْتُكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّكُمْ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: 152] ، " وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ سَتُظْهَرُونَ فَلَا تَأْخُذُوا مَا أَصَبْتُمْ مِنْ غَنَائِمِهِمْ شَيْئًا حَتَّى تَفْرُغُوا» فَتَرَكُوا أَمْرَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَصَوْا، وَوَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ، وَنَسُوا عَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ، وَخَالَفُوا إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلَقَدْ وَفَّى اللَّهُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَعَدَكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّكُمْ بِأُحُدٍ، حِينَ تَحُسُّونَهُمْ، يَعْنِي: حِينَ تَقْتُلُونَهُمْ، يُقَالُ مِنْهُ: حَسَّهُ يَحُسُّهُ حَسًّا: إِذَا قَتَلَهُ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثني عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ: " الْحَسُّ: الْقَتْلُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ: «الْقَتْلُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ: «تَقْتُلُونَهُمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 152] «أَيْ قَتْلًا بِإِذْنِهِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: «إِذْ تَقْتُلُونَهُمْ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] «وَالْحَسُّ الْقَتْلُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: «تَقْتُلُونَهُمْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 152] بِالسُّيُوفِ: «أَيْ بِالْقَتْلِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] «يَعْنِي الْقَتْلَ»