الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 127]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: 127] وَاذْكُرُوا إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ.
وَالْقَوَاعِدُ جَمْعُ قَاعِدَةٍ، يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ قَاعِدَةٌ، وَلِلْوَاحِدَةِ مِنْ قَوَاعِدِ النِّسَاءِ وَعَجَائِزِهِنَّ قَاعِدٌ، فَتُلْغَى هَاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهَا فَاعِلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَعَدْتُ عَنِ
الْحَيْضِ، وَلَا حَظَّ فِيهِ لِلذُّكُورَةِ، كَمَا يُقَالُ: امْرَأَةٌ طَاهِرٌ وَطَامِثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلذُّكُورِ.
وَلَوْ عَنَى بِهِ الْقُعُودَ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْقِيَامِ لَقِيلَ قَاعِدَةٌ، وَلَمْ يَجُزْ حِينَئِذٍ إِسْقَاطُ هَاءِ التَّأْنِيثِ.
وَقَوَاعِدُ الْبَيْتِ: إِسَاسُهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَوَاعِدِ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ مِنَ الْبَيْتِ، أَهُمَا أَحْدَثَا ذَلِكَ، أَمْ هِيَ قَوَاعِدُ كَانَتْ لَهُ قَبْلَهُمَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ بَنَاهُ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ دُرِسَ مَكَانُهُ وَتَعَفَّى أَثَرُهُ بَعْدَهُ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَبَنَاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " قَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ إِنِّي لَا أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ: بِخَطِيئَتِكَ، وَلَكِنِ اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ وَابْنِ لِي بَيْتًا، ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ.
فَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةٍ أَجْبُلٍ: مِنْ حِرَاءٍ، وَطُورِ زَيْتَا، وَطُورِ سِينَا، وَجَبَلِ لُبْنَانَ، وَالْجُودِيِّ، وَكَانَ رَبَضُهُ مِنْ حِرَاءٍ؛ فَكَانَ هَذَا بِنَاءَ آدَمَ حَتَّى بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بَعْدُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: 127] قَالَ: الْقَوَاعِدُ الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ اللَّهُ أَهْبَطَهُ لِآدَمَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، يَطُوفُ بِهِ كَمَا كَانَ يَطُوفُ بِعَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ، فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ قَوَاعِدَ ذَلِكَ الْبَيْتِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ: إِنِّي مُهْبِطٌ مَعَكَ أَوْ مَنْزِلٌ مَعَكَ بَيْتًا يُطَافُ حَوْلَهُ، كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي، وَيُصَلَّى عِنْدَهُ، كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي.
فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الطُّوفَانِ رُفِعَ، فَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ يَحُجُّونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَكَانَهُ، حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَأَعْلَمَهُ مَكَانَهُ، فَبَنَاهُ مِنْ خَمْسَةٍ أَجْبُلٍ: مِنْ حِرَاءٍ، وَثَبِيرٍ، وَلُبْنَانَ، وَجَبَلِ الطُّورِ، وَجَبَلِ الْخَمْرِ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: " لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ سَوَّارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: " لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ كَانَ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، يَسْمَعُ كَلَامَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَدُعَاءَهُمْ، يَأْنَسُ إِلَيْهِمْ، فَهَابَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى شَكَتْ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهَا وَفِي صَلَاتِهَا، فَخَفَضَهُ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَلَمَّا فَقَدَ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُمْ، اسْتَوْحَشَ حَتَّى شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهِ وَفِي صَلَاتِهِ، فَوُجِّهَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ مَوْضِعُ قَدَمِهِ قَرْيَةً وَخَطْوُهُ مَفَازَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ يَاقُوتَةَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، فَكَانَتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ يَطُوفُ بِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ الطُّوفَانَ، فَرُفِعَتْ تِلْكَ الْيَاقُوتَةُ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فَبَنَاهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: 26] "
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " وَضَعَ اللَّهُ الْبَيْتَ مَعَ آدَمَ حِينَ أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ مَهْبِطُهُ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَكَانَ رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَهَابُهُ، فَنَقَصَ إِلَى
سِتِّينَ ذِرَاعًا.
فَحَزِنَ آدَمُ إِذْ فَقَدَ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحَهُمْ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ إِنِّي قَدْ أَهَبْتُ إِلَيْكَ بَيْتًا تَطُوفُ بِهِ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي، وَتُصَلِّي عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي.
فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ آدَمُ فَخَرَجَ، وَمَدَّ لَهُ فِي خَطْوِهِ، فَكَانَ بَيْنَ كُلِّ خُطْوَتَيْنِ مَفَازَةٌ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمَفَاوِزُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَتَى آدَمُ الْبَيْتَ وَطَافَ بِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبَانَ: «أَنَّ الْبَيْتَ، أُهْبِطَ يَاقُوتَةً وَاحِدَةً أَوْ دُرَّةً وَاحِدَةً، حَتَّى إِذَا أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ رَفَعَهُ وَبَقِيَ أَسَاسُهُ، فَبَوَّأَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَبَنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ رَبْوَةً حَمْرَاءَ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ الْأَرْضِ عَلَا الْمَاءَ زَبْدَةٌ حَمْرَاءُ أَوْ بَيْضَاءُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسِهِ.
وَقَالُوا: عَلَى أَرْكَانِ أَرْبَعَةٍ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِثْلَ الزَّبْدَةِ الْبَيْضَاءِ، وَمِنْ تَحْتِهِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: " بَعَثَ اللَّهُ رِيَاحًا فَصَفَقَتِ الْمَاءَ، فَأَبْرَزَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ عَنْ حَشَفَةٍ كَأَنَّهَا الْقُبَّةُ، فَهَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا فَلِذَلِكَ هِيَ أُمُّ الْقُرَى.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ وَتَدَهَا بِالْجِبَالِ كَيْ لَا تُكْفَأَ بِمَيْدٍ، فَكَانَ أَوَّلُ جَبَلٍ أَبُو قُبَيْسٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وُضِعَ الْبَيْتُ عَلَى أَرْكَانِ الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: " وَجَدُوا بِمَكَّةَ حَجَرًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «إِنِّي أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ بَنَيْتُهُ يَوْمَ صَنَعْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتُهُ بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حَفًّا»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرُهُ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: " أَنَّ اللَّهَ لَمَّا بَوَّأَ إِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ، خَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ، وَإِسْمَاعِيلُ طِفْلٌ صَغِيرٌ يَرْضَعُ، وَحَمَلُوا - فِيمَا حَدَّثَنِي - عَلَى الْبُرَاقِ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ يَدُلُّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَمَعَالِمِ الْحَرَمِ.
فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: كَانَ لَا يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ إِلَّا قَالَ: أَبِهَذِهِ أُمِرْتُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: امْضِهْ.
حَتَّى قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، وَهِيَ إِذْ ذَاكَ عِضَاهُ سَلَمٍ وَسَمُرٍ يَرُبُّهَا أُنَاسٌ يُقَالُ لَهُمُ الْعَمَالِيقُ خَارِجَ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ مَدَرَةٌ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِجِبْرِيلَ: أَهَهُنَا أُمِرْتَ أَنْ أَضَعَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَعَمَدَ بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ فَأَنْزَلَهُمَا فِيهِ، وَأَمَرَ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37] "
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: قَالَ سَلَمَةُ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " وَيَزْعُمُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَتَى هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، حِينَ أَنْزَلَهُمَا إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ قَبْلَ
أَنْ يَرْفَعَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَأَشَارَ لَهُمَا إِلَى الْبَيْتِ، وَهُوَ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ مَدَرَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا: هَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْعَتِيقُ، وَاعْلَمِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ هُمَا يَرْفَعَانِهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ "
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَأَرْكَانُهُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَعْبٌ: " أَنَّ الْبَيْتَ، كَانَ غُثَاءَةً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهُ دُحِيَتِ الْأَرْضُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَقْبَلَ مِنْ أَرْمِينِيَةَ مَعَهُ السَّكِينَةُ، تَدَلُّهُ عَلَى تَبَوُّءِ الْبَيْتِ كَمَا تَتَبَوَّأُ الْعَنْكَبُوتُ بَيْتَهَا، قَالَ: فَرُفِعَتْ عَنْ أَحْجَارِ تُطِيقُهُ أَوْ لَا تُطِيقُهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا، قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: 127] ، قَالَ: كَانَ ذَاكَ بَعْدُ "
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوَاعِدَ بَيْتٍ كَانَ أَهْبَطَهُ مَعَ آدَمَ، فَجَعَلَهُ مَكَانَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ الْقُبَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَطَاءٌ مِمَّا أَنْشَأَهُ اللَّهُ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَاقُوتَةً أَوْ دُرَّةً أُهْبِطَا مِنَ السَّمَاءِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ آدَمُ بَنَاهُ ثُمَّ انْهَدَمَ حَتَّى رَفَعَ قَوَاعِدَهُ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ.
وَلَا عِلْمَ عِنْدَنَا بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، وَلَا هُوَ إِذْ لَمْ يَكُنْ بِهِ خَبَرٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِمَّا يُدَلُّ عَلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْمَقَايِيسِ فَيُمَثَّلُ بِغَيْرِهِ، وَيُسْتَنْبَطُ عِلْمُهُ مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مَا قُلْنَا.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127] يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127] وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ، قَالَ: " يَبْنِيَانِ وَهُمَا يَدْعُوانِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى بِهَا إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ، قَالَ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: 128] ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 129] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127] قَالَ: هُمَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] ، قَالَ: وَإِسْمَاعِيلُ يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِهِ وَالشَّيْخُ يَبْنِي " فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ قَائِلَيْنِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، وَإِذْ يَقُولُ إِسْمَاعِيلُ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا.
فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ إِسْمَاعِيلُ مَرْفُوعًا بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وَيَقُولُ حِينَئِذٍ خَبَرٌ لَهُ دُونَ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مِمَّنْ رَفَعَهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ جَمِيعًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ: " ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: 125] ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَقَامَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ وَأَخَذَا الْمَعَاوِلَ لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْتَ، فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهَا رِيحُ الْخجُوجِ، لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ.
فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَعَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَاتَّبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يَحْفِرَانِ حَتَّى وَضَعَا الْأَسَاسَ؛ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: 26] فَلَمَّا بَنَيَا الْقَوَاعِدَ فَبَلَغَا مَكَانَ الرُّكْنِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: يَا بُنَيَّ اطْلُبْ لِي حَجَرًا حَسَنًا أَضَعُهُ هَهُنَا، قَالَ: يَا أَبَتِ إِنِّي كَسْلَانٌ تَعِبٌ، قَالَ: عَلَيَّ بِذَلِكَ.
فَانْطَلَقَ فَطَلَبَ لَهُ حَجَرًا فَجَاءَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَرْضَهُ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِحَجَرٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا.
فَانْطَلَقَ فَطَلَبَ لَهُ حَجَرًا؛ وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْهِنْدِ، وَكَانَ أَبْيَضَ يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ مِثْلَ الثَّغَامَةِ، وَكَانَ آدَمُ هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ، فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عِنْدَ الرُّكْنِ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ مَنْ جَاءَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ.
فَبَنَيَاهُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ هُمَا رَفَعَا قَوَاعِدَ الْبَيْتِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " جَاءَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ.
فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ، قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا.
وَأَشَارَ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَالْكَعْبَةُ مُرْتَفِعَةٌ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] حَتَّى دَوَّرَ حَوْلَ الْبَيْتِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَثِيرَ بْنَ كَثِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " جَاءَ يَعْنِي إِبْرَاهِيمُ فَوَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يُصْلِحُ نَبْلًا مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ،
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ رَبَّكَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا.
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، قَالَ: إِذًا أَفْعَلُ، قَالَ: فَقَامَ مَعَهُ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ، قَامَ عَلَى حَجَرٍ فَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ؛ فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ الَّذِي رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ وَحْدَهُ وَإِسْمَاعِيلُ يَوْمَئِذٍ طِفْلٌ صَغِيرٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مَضْرِبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: " لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ، خَرَجَ مَعَهُ إِسْمَاعِيلُ وَهَاجَرُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ رَأَى عَلَى رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْغَمَامَةِ فِيهِ مِثْلُ الرَّأْسِ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ ابْنِ عَلَى ظِلِّي أَوْ عَلَى قَدْرِي وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ.
فَلَمَّا بَنَى خَرَجَ وَخَلَّفَ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ، فَقَالَتْ
هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَكِلُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ.
قَالَتِ: انْطَلِقْ فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّعُنَا، قَالَ: فَعَطِشَ إِسْمَاعِيلُ عَطَشًا شَدِيدًا، قَالَ: فَصَعِدَتْ هَاجَرُ الصَّفَا فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ: يَا إِسْمَاعِيلُ مُتْ حَيْثُ لَا أَرَاكَ.
فَأَتَتْهُ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ مِنَ الْعَطَشِ.
فَنَادَاهَا جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا هَاجَرُ أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: إِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا؟ قَالَتْ: وَكَلَنَا إِلَى اللَّهِ، قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ، قَالَ: فَفَحَصَ الْأَرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ.
فَقَالَ: دَعِيهِ فَإِنَّهَا رِوَاءٌ "
حَدَّثَنَا عُبَادَةُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ: أَنَّ رَجُلًا، قَامَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْبَيْتِ؟ أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: " لَا، وَلَكِنْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْبَرَكَةِ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ كَيْفَ بُنِيَ، إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ، قَالَ: فَضَاقَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ، وَلَهَا رَأْسَانِ، فَاتَّبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَتَطَوَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ
كَتَطَوِّي الْحَجَفَةِ، وَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ.
فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ وَبَقِيَ حَجَرٌ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ يَبْغِي شَيْئًا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا، ابْغِ حَجَرًا كَمَا آمُرُكَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ الْغُلَامُ يَلْتَمِسُ لَهُ حَجَرًا، فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ رَكَّبَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ مَنْ أَتَاكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ قَالَ: أَتَانِي بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَتَمَّاهُ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ سِمَاكٍ، سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو الْأَحْوَصِ كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ فَمَنْ قَالَ: رَفَعَ الْقَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ، أَوْ قَالَ: رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ.
فَالصَّوَابُ فِي قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127] يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127] .
وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِسْمَاعِيلَ خَاصَّةً دُونَ إِبْرَاهِيمَ، وَلِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً دُونَ إِسْمَاعِيلَ؛ لَوْلَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا.
وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ دُونَ إِسْمَاعِيلَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِسْمَاعِيلَ خَاصَّةً.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَأَنَّ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ جَمِيعًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ إِنْ كَانَا هُمَا بَنَيَاهَا وَرَفَعَاهَا فَهُوَ مَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ تَفَرَّدَ بِبِنَائِهَا، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ، فَهُمَا أَيْضًا رَفَعَاهَا؛ لِأَنَّ رَفْعَهَا كَانَ بِهِمَا مِنْ أَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ وَمِنَ الْآخَرِ نَقْلُ الْحِجَارَةِ إِلَيْهَا وَمَعُونَةُ وَضْعِ الْأَحْجَارِ مَوَاضِعَهَا.
وَلَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ مِنْ نِسْبَةِ الْبِنَاءِ إِلَى مَنْ كَانَ بِسَبَبِهِ الْبِنَاءُ وَمَعُونَتِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ إِسْمَاعِيلَ مَعْنِيٌّ بِالْخَبَرِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمَا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَكُنْ لَيَقُولَ ذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا رَجُلٌ كَامِلٌ، وَإِمَّا غُلَامٌ قَدْ فَهِمَ مَوَاضِعَ الضُّرِّ مِنَ النَّفْعِ، وَلَزِمَتْهُ فَرَائِضُ اللَّهِ وَأَحْكَامُهُ.
وَإِذَا كَانَ فِي حَالِ بِنَاءِ أَبِيهِ، مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ وَرَفْعِهِ قَوَاعِدَ بَيْتِ اللَّهِ