تفسير الطبري = جامع البيانالْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[البقرة: 53]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 53] وَاذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ.
وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ: التَّوْرَاةَ، وَبِالْفُرْقَانِ: الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53] قَالَ: فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53] قَالَ: الْكِتَابُ: هُوَ الْفُرْقَانُ، فُرْقَانُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: " ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53] قَالَ: الْكِتَابُ: هُوَ الْفُرْقَانُ، فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْفُرْقَانُ: جِمَاعُ اسْمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ "

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53] فَقَالَ: أَمَّا الْفُرْقَانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41] فَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، يَوْمَ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْقَضَاءُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
قَالَ: فَكَذَلِكَ أَعْطَى اللَّهُ مُوسَى الْفُرْقَانَ، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَسَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَنْجَاهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ بِالنَّصْرِ، فَكَمَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَالْمُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ جَعَلَهُ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ، مِنْ أَنَّ الْفُرْقَانَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ آتَاهُ مُوسَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ نَعْتٌ لِلتَّوْرَاةِ وَصِفَةٌ لَهَا.
فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ حِينَئِذٍ: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ الَّتِي كَتَبْنَاهَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ، وَفَرَّقْنَا بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
فَيَكُونُ الْكِتَابُ نَعْتًا لِلتَّوْرَاةِ أُقِيمَ مَقَامَهَا اسْتِغْنَاءً بِهِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَانِ، إِذْ كَانَ مِنْ نَعْتِهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْكِتَابِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ أَوْلَى بِالْآيَةِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا غَيْرَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ ذِكْرُ الْكِتَابِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْفُرْقَانِ الْفَصْلُ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَإِلْحَاقُهُ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ بِصِفَةِ مَا وَلِيَهُ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِصِفَةِ مَا بَعُدَ مِنْهُ

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53] فنَظِيرُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52] وَمَعْنَاهُ لِتَهْتَدُوا.
وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لِتَهْتَدُوا بِهَا وَتَتَّبِعُوا الْحَقَّ الَّذِي فِيهَا لِأَنِّي جَعَلْتُهَا كَذَلِكَ هُدًى لِمَنِ اهْتَدَى بِهَا وَاتَّبَعَ مَا فِيهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ

أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَاذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ.
وَظُلْمُهُمْ إِيَّاهَا كَانَ فِعْلَهُمْ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِهَا مِمَّا أَوْجَبَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ كُلُّ فَاعِلٍ فِعْلًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ بِإِيجَابِهِ الْعُقُوبَةَ لَهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلُوهُ فَظَلَمُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنِ ارْتِدَادِهِمْ بِاتِّخَاذِهُمُ الْعِجْلَ رَبًّا بَعْدَ فِرَاقِ مُوسَى إِيَّاهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ ذَنْبِهِمْ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ مِنْ رِدَّتِهِمْ بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمِ لِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَكِبُوهُ قَتْلُهُمْ أَنْفُسَهُمْ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَةِ: الْأَوْبَةُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إِلَى مَا يَرْضَاهُ مِنْ طَاعَتِهِ.
فَاسْتَجَابَ الْقَوْمُ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ التَّوْبَةِ مِمَّا رَكِبُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ

كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: عَمَدُوا إِلَى الْخَنَاجِرِ، فَجَعَلَ يَطْعُنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا "

حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدًا، قَالَا: «قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالْخَنَاجِرِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَا يَحِنُّ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَتَكَشَّفَ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنْ حَسْبِي قَدِ اكْتَفَيْتُ، فَذَلِكَ حِينَ أَلْوَى بِثَوْبِهِ»

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: فَاحْتَبَى الَّذِينَ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ فَجَلَسُوا، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَى الْعِجْلِ وَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ وَأَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
فَانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَجْلُوا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ "

وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: 86] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: 87] ﴿أَلْقَى﴾ [الأعراف: 150] مُوسَى

﴿الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: 150] ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قُولِي﴾ [طه: 94] فَتَرَكَ هَارُونَ وَمَالَ إِلَى السَّامِرِيِّ، فَ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: 95] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: 97] ثُمَّ أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ، ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالْمِبْرَدِ، ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ، فَلَمْ يَبْقَ بَحْرٌ يَجْرِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى: اشْرَبُوا مِنْهُ.
فَشَرِبُوا، فَمَنْ كَانَ يُحِبُّهُ خَرَجَ عَلَى شَارِبَيْهِ الذَّهَبُ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93] فَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ جَاءَ مُوسَى، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 149] فَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا بِالْحَالِ الَّتِي كَرِهُوا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: فَصَفُّوا صَفَّيْنِ ثُمَّ اجْتَلَدُوا بِالسُّيُوفِ.
فَاجْتَلَدَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَالَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهْ بِالسُّيُوفِ، فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا، حَتَّى كَثُرَ الْقَتْلُ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَحَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ: رَبَّنَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، رَبَّنَا الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ.
فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضَعُوا السِّلَاحَ، وَتَابَ عَلَيْهِمْ.
فَكَانَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا، وَمَنْ بَقِيَ كَانَ مُكَفَّرًا عَنْهُ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: كَانَ مُوسَى أَمَرَ قَوْمَهُ، عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ أَبَاهُ وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] الْآيَةُ.
قَالَ: فَصَارُوا صَفَّيْنِ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَبَلَغَ الْقَتْلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: قَدْ تِيبَ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ "

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: " لَمَّا أُمِرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ أَنْفُسِهَا بَرَزُوا وَمَعَهُمْ مُوسَى، فَتَضَارَبُوا بِالسُّيُوفِ، وَتَطَاعَنُوا بِالْخَنَاجِرِ، وَمُوسَى رَافِعٌ يَدَيْهِ.
حَتَّى إِذَا فَتَرَ أَتَاهُ بَعْضُهُمْ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لَنَا.
وَأَخَذُوا بِعَضُدَيْهِ يَشُدُّونَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ قَبَضَ أَيْدِي بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ،

فَأَلْقُوا السِّلَاحَ.
وَحَزَنَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ لِلَّذِي كَانَ مِنَ الْقَتْلِ فِيهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى مُوسَى: لَا يَحْزُنْكَ، أَمَّا مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَحَيٌّ عِنْدِي يُرْزَقُ، وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتُهُ.
فَسُرَّ بِذَلِكَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: قَامُوا صَفَّيْنِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا.
قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ شَهَادَةً لِلْمَقْتُولِ وَتَوْبَةً لِلْحَيِّ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: «قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، مَا يَتَوَقَّى الرَّجُلُ أَخَاهَ وَلَا أَبَاهُ وَلَا ابْنَهُ وَلَا أَحَدًا حَتَّى نَزَلَتِ التَّوْبَةُ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَغَ قَتْلَاهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمُ الْقَتْلَ، وَتَابَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَامُوا صَفَّيْنِ، فَاقْتَتَلُوا بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْقَتْلَ لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهَادَةً، وَكَانَتْ تَوْبَةً لِمَنْ بَقِيَ.
وَكَانَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ نَاسًا مِنْهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْعِجْلَ بَاطِلٌ فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا مَخَافَةَ الْقِتَالِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، وَأَحْرَقَ الْعِجْلَ وَذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ؛ خَرَجَ إِلَى رَبِّهِ بِمَنِ اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، ثُمَّ بُعِثُوا.
سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ التَّوْبَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ.
قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَأَمَرَ مُوسَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَبَدَ الْعِجْلَ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ عَبَدَهُ، فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ وَأَصْلَتَ عَلَيْهِمُ الْقَوْمُ السُّيُوفَ، فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ، وَبَكَى مُوسَى وَبَهَشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَطْلُبُونَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ، فَتَابَ عَلَيْهِمْ وَعَفَا عَنْهُمْ، وَأَمَرَ مُوسَى أَنْ تُرْفَعَ عَنْهُمُ السُّيُوفُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا قَدِ اعْتَزَلُوا مَعَ هَارُونَ الْعِجْلَ لَمْ يَعْبُدُوهْ.
فَقَالَ لَهُمْ

مُوسَى: انْطَلِقُوا إِلَى مَوْعِدِ رَبِّكُمْ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى أَمَا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: بَلَى ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 54] الْآيَةُ.
فَاخْتَرَطُوا السُّيُوفَ وَالْجِرَزَةَ وَالْخَنَاجِرَ وَالسَّكَاكِينَ.
قَالَ: وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً، قَالَ: فَجَعَلُوا يَتَلَامَسُونَ بِالْأَيْدِي، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَالَ: وَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ فَيَقْتُلُهُ وَلَا يَدْرِي، وَيَتَنَادَوْنَ فِيهَا: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَبَرَ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّهَ رِضَاهُ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: 33] قَالَ: فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ، وَتِيبَ عَلَى أَحْيَائِهِمْ.
وَقَرَأَ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54] " فَالَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ الْأَخْبَارَ الَّتِي رُوِّينَاهَا كَانَ تَوْبَةَ الْقَوْمِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي أَتَوْهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ مَعَ نَدَمِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ

جارٍ التحميل