الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: 31] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: 31] تَائِبِينَ رَاجِعِينَ إِلَى اللَّهِ مُقْبِلِينَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: 31] قَالَ: الْمُنِيبُ إِلَى اللَّهِ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ، الَّذِي أَنَابَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ، وَرَجَعَ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
كَانَ الْقَوْمُ كُفَّارًا، فَنَزَعُوا وَرَجَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ ". وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ يَا مُحَمَّدُ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: 31] إِلَى اللَّهِ؛ فَالْمُنِيبُونَ حَالٌ مِنَ الْكَافِ الَّتِي فِي وَجْهِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ حَالًا مِنْهَا، وَالْكَافُ كِنَايَةٌ عَنْ وَاحِدٍ، وَالْمُنِيبُونَ صِفَةٌ لِجَمَاعَةٍ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْكَافِ كِنَايَةُ اسْمِهِ مِنَ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرٌ
مِنْهُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ لِلدَّيْنِ حَنِيفًا لِلَّهِ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: 72] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَخَافُوا اللَّهَ وَرَاقِبُوهُ أَنْ تُفَرِّطُوا فِي طَاعَتِهِ، وَتَرْكَبُوا مَعْصِيَتَهُ ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 31] يَقُولُ: وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِتَضْيِيعِكُمْ فَرَائِضَهُ وَرُكُوبِكُمْ مَعَاصِيهِ، وَخِلَافِكُمُ الدِّينَ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: 32] يَقُولُ: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَهُمْ وَخَالَفُوهُ فَفَارَقُوهُ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] يَقُولُ: وَكَانُوا أَحْزَابًا فِرَقًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ: هَؤُلَاءِ يَهُودُ ". فَلَوْ وَجَّهَ قَوْلَهُ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم: 32] إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 31] وَأَنَّ مَعْنَاهُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] أَحْزَابًا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32] كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] يَقُولُ: كُلُّ طَائِفَةٍ وَفِرْقَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمُ الْحَقَّ، فَأَحْدَثُوا الْبِدَعَ الَّتِي أَحْدَثُوا بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.
يَقُولُ: بِمَا هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ مِنَ الْمَذْهَبِ، فَرِحُونَ: مَسْرُورُونَ، يَحْسَبُونَ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا مَسَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ضُرٌّ، فَأَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ وَجُدُوبٌ وَقُحُوطٌ ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: 33] يَقُولُ: أَخْلَصُوا لِرَبِّهِمُ
التَّوْحِيدَ، وَأَفْرَدُوهُ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، وَاسْتَغَاثُوا بِهِ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، تَائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْ شِرْكِهِمْ وَكْفُرِهِمْ ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [الروم: 33] يَقُولُ: ثُمَّ إِذَا كَشَفَ رَبُّهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الضُّرَّ وَفَرَّجَهُ عَنْهُمْ وَأَصَابَهُمْ بِرَخَاءٍ وَخِصْبٍ وَسَعَةٍ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 77] يَقُولُ: إِذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: 190] يَقُولُ: يَعْبُدُونَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْهُمْ كَفَرُوا بِهِ، لِيَكْفُرُوا بِمَا أَعْطَيْنَاهُمْ، يَقُولُ: إِذَا هُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، كَيْ يَكْفُرُوا: أَيْ يَجْحَدُوا النِّعْمَةَ الَّتِي أَنْعَمْتُهَا
عَلَيْهِمْ بِكَشْفِيَ عَنْهُمُ الضُّرَّ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَإِبْدَالِيَ ذَلِكَ لَهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالْخِصْبِ وَالْعَافِيَةِ، وَذَلِكَ الرَّخَاءُ وَالسَّعَةُ هُوَ الَّذِي آتَاهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ، الَّذِي قَالَ: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [النحل: 55] وَقَوْلُهُ ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ [النحل: 55] يَقُولُ: فَتَمَتَّعُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ بِالَّذِي آتَيْنَاكُمْ مِنَ الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ فِي هَذِهِ
الدُّنْيَا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 135] إِذَا وَرَدْتُمْ عَلَى رَبِّكُمْ مَا تَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِهِ، وَعَظِيمِ عِقَابِهِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ: «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ، فَقَدْ تَمَتَّعُوا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِنَا الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ، كِتَابًا بِتَصْدِيقِ مَا يَقُولُونَ، وَبِحَقِيقَةِ مَا يَفْعَلُونَ ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 35] يَقُولُ: فَذَلِكَ الْكِتَابُ
يَنْطِقُ بِصِحَّةِ شِرْكِهِمْ؛ وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ بِمَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ كِتَابًا، وَلَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولًا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ افْتَعَلُوهُ وَاخْتَلَقُوهُ، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 35] يَقُولُ: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ كِتَابًا فَهُوَ يَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مِنَّا خِصْبٌ وَرَخَاءٌ، وَعَافِيَةٌ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ، فَرِحُوا بِذَلِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ مِنَّا شِدَّةٌ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ وَبَلَاءٍ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 95] يَقُولُ: بِمَا أَسْلَفُوا مِنْ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَرَكِبُوا مِنَ الْمَعَاصِي ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36] يَقُولُ: إِذَا هُمْ يَيْأَسُونَ مِنَ الْفَرَجِ؛ وَالْقُنُوطُ: هُوَ الْإِيَاسُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ حُمَيْدٍ الْأَرْقَطِ:
[البحر الرجز]
قَدْ وَجَدُوا الْحَجَّاجَ غَيْرَ قَانِطِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36] هُوَ جَوَابُ الْجَزَاءِ، لِأَنَّ «إِذَا» نَابَتْ عَنِ الْفِعْلِ بِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَجَدْتَهُمْ يَقْنَطُونَ، أَوْ تَجِدُهُمْ، أَوْ رَأَيْتَهُمْ، أَوْ تَرَاهُمْ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِذَا كَانَتْ «إِذَا» جَوَابًا لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ عِنْدَ الرَّخَاءِ يُصِيبُهُمْ وَالْخِصْبِ، وَيَيْأَسُونَ مِنَ الْفَرَجِ عِنْدَ شِدَّةٍ تَنَالُهُمْ، بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ الشِّدَّةَ وَالرَّخَاءَ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَيُوسِعُهُ عَلَيْهِ،
وَيَقْدِرُ عَلَى مَنْ أَرَادَ فَيُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 79] يَقُولُ: إِنَّ فِي بَسْطِهِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَسَطَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْرِهِ عَلَى مَنْ قَدَرَهُ عَلَيْهِ، وَمُخَالَفَتِهِ بَيْنَ مَنْ خَالَفَ بَيْنَهُ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، لَدِلَالَةً وَاضِحَةً لِمَنْ صَدَّقَ حِجَجَ اللَّهِ وَأَقَرَّ بِهَا إِذَا عَايَنَهَا وَرَآهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطِ يَا مُحَمَّدُ ذَا الْقَرَابَةِ مِنْكَ حَقَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: 38] قَالَ: هُوَ أَنْ تُوَفِّيَهُمْ حَقَّهُمْ إِنْ كَانَ عِنْدَ يُسْرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا، قُلْ لَهُمُ الْخَيْرَ "
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِيتَاءُ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمُ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ عِبَادَهُ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ اللَّهَ بِإِتْيَانِهِمْ ذَلِكَ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] يَقُولُ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُبْتَغِيًا وَجْهَ اللَّهِ بِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُنْجِحُونَ، الْمُدْرِكُونَ طِلْبَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، الْفَائِزُونَ
بِمَا ابْتَغَوْا وَالْتَمَسُوا بِإِيتَائِهِمْ إِيَّاهُمْ مَا آتَوْا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَعْطَيْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ عَطِيَّةٍ لِتَزْدَادَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِرُجُوعِ ثَوَابِهَا إِلَيْهِ، مِمَّنْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] يَقُولُ: فَلَا يَزْدَادُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُعْطِهِ مَنْ أَعْطَاهُ مُبْتَغِيًا بِهِ وَجْهَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: هُوَ مَا يُعْطِي النَّاسُ بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْعَطِيَّةَ، يُرِيدُ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، " ﴿مَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يُعْطِي الرَّجُلَ الْعَطِيَّةَ لِيُثِيبَهُ ". قَالَ: ثَنَا يَحْيَى قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: الرَّجُلُ يُعْطِي لِيُثَابَ عَلَيْهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: الْهَدَايَا ". حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هِيَ الْهَدَايَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: يُعْطِي مَالَهُ يَبْتَغِي أَفْضَلَ مِنْهُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يُهْدِي إِلَى الرَّجُلِ الْهَدِيَّةَ، لِيُثِيبَهُ أَفْضَلَ مِنْهَا»
قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: «هُوَ الرَّجُلُ يُعْطِي الْعَطِيَّةَ وَيُهْدِي الْهَدِيَّةَ لِيُثَابَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، لَيْسَ فِيهِ أَجْرٌ وَلَا وِزْرٌ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: مَا أَعْطَيْتَ مِنْ شَيْءٍ تُرِيدُ مَثَابَةَ الدُّنْيَا، وَمُجَازَاةَ النَّاسِ ذَاكَ الرِّبَا الَّذِي لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ، وَلَا يَجْزِي بِهِ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: 39] فَهُوَ مَا يُتَعَاطَى النَّاسُ بَيْنَهُمْ وَيَتَهَادَوْنَ، يُعْطِي الرَّجُلَ الْعَطِيَّةَ لِيُصِيبَ مِنْهُ أَفْضَلَ مِنْهَا، وَهَذَا لِلنَّاسِ عَامَّةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] فَهَذَا لِلنَّبِيِّ خَاصَّةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْطِي لَيُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا: الرَّجُلَ يُعْطِي مَالَهُ الرَّجُلَ لِيُعِينَهُ بِنَفْسِهِ، وَيَخْدُمَهُ وَيَعُودَ عَلَيْهِ نَفْعُهُ، لَا لِطَلَبِ أَجْرٍ مِنَ اللَّهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يُلْزِقُ بِالرَّجُلِ، فَيَخِفُّ لَهُ وَيَخْدُمُهُ، وَيُسَافِرُ مَعَهُ، فَيَحْمِلُ لَهُ رِبْحَ بَعْضِ مَالِهِ لِيَجْزِيَهُ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ الْتِمَاسَ عَوْنِهِ، وَلَمْ يُرِدْ وَجْهَ اللَّهِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ إِعْطَاءُ الرَّجُلِ مَالَهُ لِيُكَثِّرَ بِهِ مَالَ مَنْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ، لَا طَلَبَ
ثَوَابِ اللَّهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: لَأُمَوِّلَنَّكَ، فَيُعْطِيهِ، فَهَذَا لَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يُعْطِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لِيُثْرِيَ مَالَهُ "
قَالَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ، قَالَ: ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] قَالَ: كَانَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعْطِي أَحَدُهُمْ ذَا الْقَرَابَةِ الْمَالَ يُكَثِّرُ بِهِ مَالَهُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَحَلَالٌ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ ابن أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] هَذَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , هَذَا الرِّبَا الْحَلَالُ ". وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ: ﴿لِيَرْبُوَ﴾ [الروم: 39] بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَرْبُو، بِمَعْنَى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ ذَلِكَ الرِّبَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (لِتُرْبُو) ، بِالتَّاءِ مِنْ تُرْبُو , وَضَمِّهَا، بِمَعْنَى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِتُرْبُوا أَنْتُمْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ مَعَ تَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا، لِأَنَّ أَرْبَابَ الْمَالِ إِذَا أَرْبَوْا رَبَا الْمَالُ، وَإِذَا رَبَا الْمَالُ فَبِإِرْبَاءِ أَرْبَابِهِ إِيَّاهُ رَبَا.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ [الروم: 39] يَقُولُ: وَمَا أَعْطَيْتُمْ مِنْ صَدَقَةٍ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ﴾ [الروم: 39] يَعْنِي الَّذِينَ يَتَصَدَّقُونَ بِأَمْوَالِهِمْ مُلْتَمِسِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ﴿هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39] يَقُولُ: هُمُ الَّذِينَ لَهُمُ الضِّعْفُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَصْبَحَ الْقَوْمُ مُسْمِنِينَ مُعْطِشِينَ، إِذَا سَمُنَتْ إِبِلُهُمْ وَعَطِشَتْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِهِ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا.