الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 118] قَالَ: قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَمَّا مَا قَتَلْتُمْ وَذَبَحْتُمْ فَتَأْكُلُونَهُ، وَأَمَّا مَا قَتَلَ رَبُّكُمْ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فِي أَكْلِ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، إِنَّكُمْ إِذَنْ لَمُشْرِكُونَ
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا قَتَلْتُمْ فَتَأْكُلُونَهُ، وَمَا قَتَلَ رَبُّكُمْ لَا تَأْكُلُونَهُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنَّ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ: أَمَّا مَا ذَبَحَ اللَّهُ لِلْمَيْتَةِ فَلَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا ذَبَحْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَهُوَ حَلَالٌ؟ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: " جَادَلَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي الذَّبِيحَةِ فَقَالُوا: أَمَّا مَا قَتَلْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَتَأْكُلُونَهُ، وَأَمَّا مَا قَتَلَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ؟ يَعْنُونَ: الْمَيْتَةَ.
فَكَانَتْ هَذِهِ مُجَادَلَتَهُمْ إِيَّاهُمْ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] الْآيَةَ، يَعْنِي: " عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ أَوْحَى إِلَى أَوْلِيَائِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَقَالَ لَهُمْ: خَاصِمُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَيْتَةِ فَقُولُوا: أَمَّا مَا ذَبَحْتُمْ وَقَتَلْتُمْ فَتَأْكُلُونَ، وَأَمَّا مَا قَتَلَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُهُ كَانَ شِرْكٌ قَطُّ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: أَنْ يَدْعُوَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، أَوْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَسَمِّي الذَّبَائِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] : " إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَيْفَ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَتَّبِعُونَ مَرْضَاةَ اللَّهِ، وَمَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ [الأنعام: 121] فَأَكَلْتُمُ الْمَيْتَةَ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: " كَانُوا يَقُولُونَ: مَا ذُكِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَا ذَبَحْتُمْ فَكُلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: يَقُولُ: يُوحِي الشَّيَاطِينُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ: تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ، وَلَا تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلْتُمْ يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الَّذِي مَاتَ لَمْ يُذْكَرِ اسْمٌ عَلَيْهِ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121] : " هَذَا فِي شَأْنِ الذَّبِيحَةِ، قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ، وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا تَذْبَحُونَ أَنْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا ذَبَحَ هُوَ لَكُمْ، وَكَيْفَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَعَبُدُونُهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] " وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: خَاصَمَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ وَكِيعٍ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَيَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: نَأْكُلُ مَا قَتَلْنَا، وَلَا نَأْكُلُ مَا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوا الْمُؤْمِنِينَ فِي تَحْرِيمِهِمْ أَكْلَ الْمَيْتَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ جِدَالِهِمْ إِيَّاهُمْ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُوحُونَ كَانُوا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ يُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْهُمْ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا شَيَاطِينَ الْجِنِّ أَوْحَوْا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْجِنْسَانِ كِلَاهُمَا تَعَاوَنَا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] ، بَلْ ذَلِكَ الْأَغْلَبُ مِنْ تَأْوِيلِهِ عِنْدِي، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، كَمَا جَعَلَ لِأَنْبِيَائِهِ مِنْ قَبْلِهِ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْمُزَيَّنَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ، ثُمَّ أَعْلَمُهُ أَنَّ أُولَئِكَ الشَّيَاطِينَ يُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ لِيُجَادِلُوهُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْمَيْتَةِ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَهْيِهِ عَنْ أَكْلِهِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ذَبَائِحُ كَانَتِ الْعَرَبُ تَذْبَحُهَا لِآلِهَتِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118] ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِذِكْرِ اسْمِهِ عَلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالذَّبْحِ.
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَمَا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: يَنْهَى عَنْ ذَبَائِحَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْأَوْثَانِ، كَانَتْ تَذْبَحُهَا الْعَرَبُ وَقُرَيْشٌ وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الْمَيْتَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: «الْمَيْتَةُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ كُلَّ ذَبِيحَةٍ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ، سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ لَهُ: أُتِيتُ بِطَيْرٍ كَذَا، فَمِنْهُ مَا ذُبِحَ، فَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا نُسِيَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَطَ الطَّيْرُ؟ فَقَالَ الْحَسَنُ: «كُلْهُ كُلَّهُ» ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، قَالَ: «كُلُوا مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: " كُنْتُ أَجْلِسُ إِلَيْهِ فِي حَلْقَةٍ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ هُوَ رَأْسُهُمْ، فَإِذَا جَاءَ سَائِلٌ فَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ وَيَسْكُتُونَ.
قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: رَجُلٌ ذَبَحَ فَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنَى بِذَلِكَ: مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ، وَمَا مَاتَ أَوْ ذَبَحَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ فَنَسِيَ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَّوَابِ لِشُذُوذِهِ وَخُرُوجِهِ عَمَّا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنْ تَحْلِيلِهِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى فَسَادِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى (لَطِيفُ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ) ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَإِنَّ أَكْلَ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَيْتَةِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لَفِسْقٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْفِسْقِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الْمَعْصِيَةُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا: وَإِنَّ أَكْلَ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وَإِثْمٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] قَالَ: " الْفِسْقُ: الْمَعْصِيَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: الْكُفْرُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] ، فَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ [الأنعام: 121] ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ.
وَأَمَّا إِيحَاؤُهُمْ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، فَهُوَ إِشَارَتُهُمْ إِلَى مَا أَشَارُوا لَهُمْ إِلَيْهِ، إِمَّا بِقَوْلٍ، وَإِمَّا بِرِسَالَةٍ، وَإِمَّا بِكِتَابٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى
الْوَحْيِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَدْ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا عِكْرِمَةُ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ، قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، زَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ اللَّيْلَةَ يَعْنِي الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَ، فَنَفَرْتُ فَقُلْتُ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُمَا وَحْيَانِ: وَحْيُ اللَّهِ، وَوَحْيُ الشَّيْطَانِ، فَوَحْيُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَوَحْيُ الشَّيَاطِينِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]
وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ: فَهُمُ النُّصَرَاءُ وَالظُّهَرَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121] لِيُخَاصِمُوكُمْ، بِالْمَعْنَى الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُ قَبْلُ