تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 431-443

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: 184] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ

صفحات 431-443
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَصُومَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَوْمَهُنَّ لِمُتْعَتِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ مِنْ أَوَّلِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ وَاسْتِمْتَاعِهِ بِالْإِحْلَالِ إِلَى حَجِّهِ إِلَى انْقِضَاءِ آخِرِ عَمَلِ حَجِّهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى سِوَى يَوْمِ النَّحْرِ , فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ صَوْمُهُ ابْتَدَأَ صَوْمَهُنَّ قَبْلَهُ أَوْ تَرَكَ صَوْمَهُنَّ فَأَخَّرَهُ حَتَّى انْقِضَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَهُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ لِقَائِلِ ذَلِكَ قَبْلُ , فَإِنْ صَامَهُنَّ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ صَوْمُهُ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْمِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لِمُتْعَتِهِ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ إِنَّمَا أَوْجَبَ الصَّوْمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا مِمَّنِ اسْتَمْتَعَ بِعُمْرَتِهِ إِلَى حَجِّهِ , فَالْمُعْتَمِرُ قَبْلَ إِحْلَالِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ وَقَبْلَ دُخُولِهِ فِي حَجِّهِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ اسْمَ مُتَمَتِّعٍ بِعُمْرَتِهِ إِلَى حَجِّهِ , وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ: مُعْتَمِرٌ، حَتَّى يَدْخُلَ بَعْدَ إِحْلَالِهِ فِي الْحَجِّ قَبْلَ شُخُوصِهِ عَنْ مَكَّةَ , فَإِذَا دَخَلَ فِي الْحَجِّ مُحْرِمًا بِهِ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمُقَامِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ حَلَالًا حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا.
فَإِذَا اسْتَحَقَّ اسْمَ مُتَمَتِّعٍ لَزِمَهُ الْهَدْيُ , وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الصَّوْمُ بِعَدَمِهِ الْهَدْيَ إِنْ عَدَمَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ.
فَأَمَّا إِنْ صَامَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْحَجُّ , فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ صَامَ صَوْمًا يَنْوِي بِهِ قَضَاءً عَمَّا عَسَى أَنْ

يَلْزَمَهُ أَوْ لَا يَلْزَمَهُ , فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ رَجُلٍ مُعْسِرٍ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَنْوِي بِصَوْمِهِنَّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ لِيَمِينٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا وَيَحْنَثَ فِيهَا , وَذَلِكَ مَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ مِنْ كَفَّارَةٍ إِنْ حَلَفَ بِهَا بَعْدَ الصَّوْمِ فَحَنِثَ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ صَوْمَ الْمُعْتَمِرِ بَعْدَ إِحْلَالِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ قَبْلَهُ وَقَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْحَجِّ مُجْزِئٌ عَنْهُ مِنَ الصَّوْمِ الَّذِي أَوْجَبُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ تَمَتَّعَ بِعُمْرَتِهِ إِلَى الْحَجِّ , نَظِيرُ مَا أَجْزَأَ الْحَالِفُ بِيَمِينٍ إِذَا كَفَّرَ عَنْهَا قَبْلَ حِنْثِهِ فِيهَا بَعْدَ حَلِفِهِ بِهَا فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً ; لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ لِلْيَمِينِ تَحْلِيلًا هُوَ غَيْرُ تَكْفِيرٍ , فَالْفَاعِلُ فِيهَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَفِّرُ بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا مُحَلِّلٌ غَيْرُ مُكَفِّرٍ.
وَالْمُتَمَتِّعُ إِذَا صَامَ قَبْلَ تَمَتُّعِهِ صَائِمٌ تَكْفِيرًا لِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلِمَا يَلْزَمُهُ , وَهُوَ كَالْمُكَفِّرِ عَنْ قَتْلِ صَيْدٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَبْلَ قَتْلِهِ , وَعَنْ تَطَيُّبٍ قَبْلَ تَطَيُّبِهِ.
وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْمُعْتَمِرِ الصَّوْمَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ , قِيلَ لَهُ: مَا قُلْتَ فِيمَنْ كَفَّرَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجَمَرَاتِ أَيَّامَ مِنًى يَوْمَ عَرَفَةَ , وَهُوَ يَنْوِي تَرْكَ الْجَمَرَاتِ , ثُمَّ أَقَامَ بِمِنًى أَيَّامَ مِنًى حَتَّى انْقَضَتْ تَارِكًا رَمْيَ الْجَمَرَاتِ , هَلْ يُجْزِيهِ تَكْفِيرُهُ ذَلِكَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ , سُئِلَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ فِي تَضْيِيعِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ أَوْ فِي فِعْلِهِ كَفَّارَةً , فَإِنْ سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ

قَادَ قَوْلَهُ , وَسُئِلَ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي الْعَازِمِ عَلَى أَنْ يُجَامِعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ , وَهُوَ مُقِيمٌ صَحِيحٌ إِذَا كَفَّرَ قَبْلَ دُخُولِ الشَّهْرِ , وَدَخَلَ الشَّهْرُ فَفَعَلَ مَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ هَلْ تُجْزِيهِ كَفَّارَتُهُ الَّتِي كَفَّرَ عَنِ الْوَاجِبِ مِنْ وَطْئِهِ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ يُسْأَلُ عَمَّنْ أَرَادَ أَنْ يُظَاهِرَ مِنِ امْرَأَتِهِ , فَإِنْ قَادَ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ.
وَإِنْ أَبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّائِمِ لِمُتْعَتِهِ قَبْلَ تَمَتُّعِهِ وَقَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ , ثُمَّ عُكِسَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ , فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي حَجِّهِ وَصِيَامِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَمِصْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَصُومُهُنَّ فِي

الْحَجِّ إِلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى مِصْرِهِ وأَهْلِهِ؟ قِيلَ: بَلْ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ بِعَدَمِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي لِمُتْعَتِهِ , وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ رَأْفَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ رَخَّصَ لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , كَمَا رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ،

الْمَرِيضِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْإِفْطَارَ وَقَضَاءَ عِدَّةِ مَا أَفْطَرَ مِنَ الْأَيَّامِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمُتَمَتِّعُ فَصَامَ الْأَيَّامَ السَّبْعَةَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ , أَوْ صَامَهُنَّ بِمَكَّةَ , كَانَ مُؤَدِّيًا مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّوْمِ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ، أَوْ مَرَضِهِ , مُخْتَارًا لِلْعُسْرِ عَلَى الْيَسَرِ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَتْ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «هِيَ رُخْصَةٌ إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «هُنَّ رُخْصَةٌ إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ , وَإِنْ شَاءَ صَامَهَا بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ , وَإِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا شَرِيكٌ , عَنْ مَنْصُورٍ ,

عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ صُمِ السَّبْعَةَ فِي الطَّرِيقِ , وَإِنْ شِئْتَ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ قَطَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «يَصُومُ السَّبْعَةَ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فِي الطَّرِيقِ , وَإِنْ شِئْتَ بَعْدَمَا تَقْدَمُ إِلَى أَهْلِكَ» فَإِنْ قَالَ: وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ، وَأَمْصَارِكُمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ؟ قِيلَ: إِجْمَاعُ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا دُونَ غَيْرِهِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «إِذَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] : «إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ» حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: إِلَى أَهْلِكَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَصِيَامُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَالسَّبْعَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْهَدْيِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: كَامِلَةٌ مِنَ الْهَدْيِ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنْ عَبَّادٍ , عَنِ الْحَسَنِ , مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: كَمَلَتْ لَكُمْ أَجْرُ مَنْ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَتَمَتَّعْ تَمَتُّعَكُمْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ , وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] تِلْكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَأَكْمِلُوا صَوْمَهَا لَا تَقْصُرُوا عَنْهَا , لِأَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صَوْمَهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] تَوْكِيدٌ لِلْكَلَامِ , كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ:

سَمِعْتُهُ بِأُذُنَيَّ، وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ , وَكَمَا قَالَ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 26] ، وَلَا يَكُونُ الْخَرُّ إِلَّا مِنْ فَوْقٍ , فَأَمَّا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى سَعَةِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قَالَ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] وَقَدْ ذَكَرَ سَبْعَةً وَثَلَاثَةً , لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ وَلَيْسَ يُخْبِرُ عَنْ عِدَّتِهَا , وَقَالُوا: أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: كَامِلَةٌ إِنَّمَا هُوَ وَافِيَةٌ؟ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ عَلَيْكُمْ فَرَضْنَا إِكْمَالَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ , ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عَلَيْكُمْ إِكْمَالُ صَوْمِهَا لِمُتْعَتِكُمْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.
فَأَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ , وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] أَيِ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] «يَعْنِي الْمُتْعَةَ أَنَّهَا لِأَهْلِ الْآفَاقِ , وَلَا تَصْلُحُ لِأَهْلِ مَكَّةَ»

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: «أَنَّ هَذَا، لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ أَيْسَرَ مِنْ أَنْ يَحُجَّ أَحَدُهُمْ مَرَّةً، وَيَعْتَمِرُ أُخْرَى , فَتُجْمَعُ حِجَّتُهُ، وَعُمْرَتُهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ» ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ مَعْنِيُّونَ بِهِ , وَأَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهُمْ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرَمِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: «أَهْلُ الْحَرَمِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: أَهْلُ الْحَرَمِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ , وَالْجَمَاعَةُ عَلَيْهِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ: " يَا أَهْلَ مَكَّةَ، إِنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَكُمْ، أُحِلَّتْ لِأَهْلِ الْآفَاقِ وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ , إِنَّمَا يَقْطَعُ أَحَدُكُمْ وَادِيًا، أَوْ قَالَ: يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ وَادِيًا ثُمَّ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا اللَّيْثُ، قَالَ: ثني يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، " أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَغْزُونَ، وَيَتَّجِرُونَ , فَيَقْدَمُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّونَ , وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمُ الْهَدْيُ، وَلَا الصِّيَامُ ; أُرْخِصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] "

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «أَهْلُ الْحَرَمِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " الْمُتْعَةُ لِلنَّاسِ , إِلَّا لِأَهْلِ مَكَّةَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مِنَ الْحَرَمِ , وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] " قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلُ قَوْلِ طَاوُسٍ

وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرَمِ وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: " ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: مَنْ كَانَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ " حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «مَنْ كَانَ أَهْلُهُ مِنْ دُونِ الْمَوَاقِيتِ , فَهُوَ كَأَهْلِ مَكَّةَ لَا يَتَمَتَّعُ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرَمِ , وَمَنْ قَرُبَ مَنْزِلُهُ مِنْهُ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «عَرَفَةُ , وَمَرُّ , وَعُرَنَةُ , وَضَجَنَانُ , وَالرَّجِيعُ , وَنَخْلَتَانِ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، وَالْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «عَرَفَةُ، وَمَرُّ , وَعُرَنَةُ , وَضَجَنَانُ , وَالرَّجِيعُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: «الْيَوْمُ وَالْيَوْمَيْنِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يَقُولُ: «مَنْ كَانَ أَهْلُهُ عَلَى يَوْمٍ أَوْ نَحْوِهِ تَمَتَّعَ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: " أَنَّهُ جَعَلَ أَهْلَ عَرَفَةَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] "

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «أَهْلُ مَكَّةَ، وَفَجٌّ، وَذِي طَوِيٍّ , وَمَا يَلِي ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ مَكَّةَ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ

الْحَرَامِ مَنْ هُوَ حَوْلَهُ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ مَا لَا تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَوَاتُ ; لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الشَّاهِدُ لَهُ بِنَفْسِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى غَائِبًا إِلَّا مَنْ كَانَ مُسَافِرًا شَاخِصًا عَنْ وَطَنِهِ , وَكَانَ الْمُسَافِرُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا إِلَّا بِشُخُوصِهِ عَنْ وَطَنِهِ إِلَى مَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ , وَكَانَ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ غَائِبٍ عَنْ وَطَنِهِ، وَمَنْزِلِهِ , كَانَ كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَا تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِنْ غَيْرِ حَاضِرِيهِ إِذْ كَانَ الْغَائِبُ عَنْهُ هُوَ مَنْ وَصَفْنَا صِفَتَهُ.
وَإِنَّمَا لَمْ تَكُنِ الْمُتْعَةُ لِمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ التَّمَتُّعَ إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مُرْتَفِقًا فِي تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَى الْمَنْزِلِ وَالْوَطَنِ بِالْمُقَامِ بِالْحَرَمِ حَتَّى يُنْشِئَ مِنْهُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ , وَكَانَ الْمُعْتَمِرُ مَتَى قَضَى عُمْرَتَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى وَطَنِهِ , أَوْ شَخَصَ عَنِ الْحَرَمِ إِلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ , ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ , بَطَلَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَمْتِعًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَمْتَعْ بِالْمَرْفَقِ الَّذِي جُعِلَ لِلْمُسْتَمْتَعِ مِنْ تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ بِالْمُقَامِ فِي الْحَرَمِ , وَكَانَ الْمَكِّيُّ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَرْتَفِقُ بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَتَى قَضَى عُمْرَتَهُ أَقَامَ فِي وَطَنِهِ بِالْحَرَمِ , فَهُوَ غَيْرُ مُرْتَفِقٍ بِشَيْءٍ مِمَّا يَرْتَفِقُ بِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالْإِحْلَالِ مِنْ عُمْرَتِهِ إِلَى حَجِّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 196]

جارٍ التحميل