تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 399-411

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: 184] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ

صفحات 399-411
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

اللَّهَ لَمْ يَحْصُرْهُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا , فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْدُوهَا إِلَى غَيْرِهَا , بَلْ جَعَلَ إِلَيْهِ فِعْلَ أَيَّ الثَّلَاثِ شَاءَ.
وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: مَا قُلْتَ فِي الْمُكَفِّرِ عَنْ يَمِينِهِ، أَمُخَيَّرٌ إِذَا كَانَ مُوسِرًا فِي أَنْ يُكَفِّرَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا , خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ , وَإِنْ قَالَ: بَلَى , سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُفْتَدِي مِنْ حَلْقِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ أَذًى بِهِ , ثُمَّ لَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
عَلَى أَنَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْحِجَّةِ , فَفِي ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّتِهِ بِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الزَّاعِمُونَ أَنَّ كَفَّارَةَ الْحَلْقِ قَبْلَ الْحَلْقِ , فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنِ الْكَفَّارَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ، قَبْلَ التَّمَتُّعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا قَبْلَهُ قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ عَنِ الْيَمِينِ قَبْلَ الْيَمِينِ.
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِ الْأُمَّةِ.
وَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، قِيلَ: وَمَا الْوَجْهُ الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْحَلْقِ قَبْلَ الْحَلْقِ، وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ قَبْلَ التَّمَتُّعِ، وَلَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ قَبْلَ الْيَمِينِ؟ وَهَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ عَكَسَ عَلَيْكُمُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ فَأَوْجَبَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَأَبْطَلَ أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْحَلْقِ كَفَّارَةً لَهُ إِلَّا بَعْدَ الْحَلْقِ، فَرْقٌ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
فَإِنِ اعْتَلَّ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْلَ الْيَمِينِ أَنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ قَبْلَ الْحَلِفِ بِإِجْمَاعِ

الْأُمَّةِ , قِيلَ لَهُ: فَرُدَّ الْأُخْرَى قِيَاسًا عَلَيْهَا إِذْ كَانَ فِيهَا اخْتِلَافٌ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْحَالِقِ رَأْسَهُ مِنْ أَذًى مِنَ الصِّيَامِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ , وَمِنَ الْإِطْعَامِ عَشْرَةُ مَسَاكِينَ ; فَمُخَالِفُونَ نَصَّ الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ مَنْ أَصَابَ صَيْدًا فَاخْتَارَ الْإِطْعَامَ أَوِ الصِّيَامَ , أَتُسَوُّونَ بَيْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ بِقَتْلِهِ الصَّيْدِ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ مِنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ , أَمْ تُفَرِّقُونَ بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ افْتِرَاقِ الْمَقْتُولِ مِنَ الصَّيْدِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ سَوَّوْا بَيْنَ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَتَلَ بَقَرَةً وَحْشِيَّةً وَبَيْنَ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَتَلَ وَلَدَ ظَبْيَةٍ مِنَ الْإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالُوهُ لِقَوْلِ الْأُمَّةِ مُخَالِفٌ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ نُخَالِفُ بَيْنَ ذَلِكَ , فَنُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمُصَابِ مِنَ الطَّعَامِ، وَالصِّيَامِ.
قِيلَ: فَكَيْفَ رَدَدْتُمُ الْوَاجِبَ عَلَى الْحَالِقِ رَأْسَهُ مِنْ أَذًى مِنَ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مِنَ الصَّوْمِ , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ غَيْرُ مُخَيَّرٍ بَيْنَ الصِّيَامِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالْهَدْيِ , وَلَا هُوَ مُتْلِفٌ شَيْئًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ الْكَفَّارَةُ , وَإِنَّمَا هُوَ تَارِكٌ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ , وَتَرَكْتُمْ رَدَّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتْلِفٌ بِحَلْقِ رَأْسِهِ مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ إِتْلَافِهِ , وَمُخَيَّرٌ بَيْنَ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ , نَظِيرَ مُصِيبِ الصَّيْدِ , الَّذِي هُوَ بِإِصَابَتِهِ إِيَّاهُ لَهُ مُتْلِفٌ وَمُخَيَّرٌ فِي تَكْفِيرِهِ بَيْنَ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ؟ وَهَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ خَالَفَكُمْ فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ الْحَالِقَ قِيَاسًا لِمُصِيبِ الصَّيْدِ , وَجَمَعَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا

لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْمَعَانِي الَّتِي وَصَفْنَا , وَخَالَفَ بَيْنَ حُكْمِهِ وَحُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ أَمْرِهِمَا فِيمَا وَصَفْنَا فَرْقٌ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ؟ فَلَنْ يَقُولُوا فِي ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ , مَعَ أَنَّ اتِّفَاقَ الْحِجَّةِ عَلَى تَخْطِئَةِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ هَذَا كِفَايَةٌ عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى فَسَادِهِ بِغَيْرِهِ , فَكَيْفَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ بِالْفَسَادِ شَاهِدٌ؟ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَنْسُكَ نُسُكَ الْحَلْقِ، وَيُطْعِمَ فِدْيَتَهُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: النُّسُكُ، وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ لَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَبِمَكَّةَ , وَمَا سِوَى ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَ»

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ، ثنا فُضَيْلٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحَجِّ فَبِمَكَّةَ , إِلَّا الصَّوْمَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً، عَنِ النُّسُكِ، قَالَ: «النُّسُكُ بِمَكَّةَ لَا بُدَّ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا هَارُونُ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «الصَّدَقَةُ، وَالنُّسُكُ فِي الْفِدْيَةِ بِمَكَّةَ , وَالصِّيَامُ حَيْثُ شِئْتَ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: ثنا لَيْثٌ , عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: « مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ فَبِمَكَّةَ , وَمَا كَانَ مِنْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «النُّسُكُ بِمَكَّةَ، أَوْ بِمِنًى»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «النُّسُكُ بِمَكَّةَ، أَوْ بِمِنًى , وَالطَّعَامُ بِمَكَّةَ» وَقَالَ آخَرُونَ: النُّسُكُ فِي الْحَلْقِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالصَّوْمِ حَيْثُ شَاءَ الْمُفْتَدِي.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَسْمَاءَ، مَوْلَى ابْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: " حَجَّ عُثْمَانُ، وَمَعَهُ عَلِيٌّ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ , فَارْتَحَلَ عُثْمَانُ قَالَ أَبُو أَسْمَاءَ، وكُنْتُ مَعَ ابْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ نَائِمٍ وَنَاقَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا النَّائِمُ، فَاسْتَيْقَظَ , فَإِذَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ.
قَالَ: فَحَمَلَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى أَتَى بِهِ السُّقْيَا.
قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ , فَجَاءَ وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ.
قَالَ: فَمَرَّضْنَاهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً.
قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحُسَيْنِ: مَا الَّذِي تَجِدُ؟ قَالَ: فَأَوْمَأَ إِلَى رَأْسِهِ.
قَالَ: «فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَحَلَقَ رَأْسَهُ , ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَنَحَرَهَا»

حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْمَخْزُومِيِّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَا أَسْمَاءَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ، " أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ يُرِيدُ مَكَّةَ مَعَ عُثْمَانَ , حَتَّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ السُّقْيَا، وَالْعَرْجِ اشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ , فَأَصْبَحَ فِي مَقِيلِهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ بِالْأَمْسِ.
قَالَ أَبُو أَسْمَاءَ: فَصَحِبْتُهُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , فَإِذَا رَاحِلَةُ حُسَيْنٍ قَائِمَةٌ وَحُسَيْنٌ مُضْطَجِعٌ , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: إِنَّ هَذِهِ لَرَاحِلَةُ حُسَيْنٍ.
فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ لَهُ: أَيُّهَا النَّائِمُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ نَائِمٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ وَجَدَهُ يَشْتَكِي , فَحَمَلَهُ إِلَى السُّقْيَا , ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَدِمَ إِلَيْهِ إِلَى السُّقْيَا فَمَرَّضَهُ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا قِيلَ لَهُ: هَذَا حُسَيْنٌ يُشِيرُ إِلَى رَأْسِهِ , فَدَعَا عَلِيٌّ بِجَزُورٍ فَنَحَرَهَا , ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: «أَقْبَلَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، مَعَ عُثْمَانَ، حَرَامًا , حَسِبْتُ أَنَّهُ اشْتَكَى بِالسُّقْيَا.
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ , فَجَاءَ هُوَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ , فَمَرَّضُوهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً , فَأَشَارَ حُسَيْنٌ إِلَى رَأْسِهِ , فَحَلَقَهُ وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا» قُلْتُ: فَرَجَعَ بِهِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَهَذَا الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ نَحْرِ عَلِيٍّ عَنِ الْحُسَيْنِ النَّاقَةَ قَبْلَ حَلْقِهِ رَأْسَهُ , ثُمَّ حَلْقِهِ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّحْرِ، إِنْ كَانَ عَلَى مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ يَزِيدَ، كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِحْلَالِ مِنَ الْحُسَيْنِ مِنْ إِحْرَامِهِ لِلْإِحْصَارِ عَنِ الْحَجِّ بِالْمَرَضِ الَّذِي أَصَابَهُ , وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ عَنْ هُشَيْمٍ مِنْ نَحْرِ عَلِيٍّ عَنْهُ النَّاقَةَ بَعْدَ حَلْقِهِ رَأْسَهُ، أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِدَاءِ مِنَ الْحَلْقِ , وَأَنْ يَكُونَ كَانَ يَرَى أَنَّ نُسُكَ

الْفِدْيَةِ يُجْزِئُ نَحْرُهُ دُونَ مَكَّةَ، وَالْحَرَمِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْفِدْيَةُ حَيْثُ شِئْتَ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، " فِي الْفِدْيَةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَالصَّوْمِ، وَالدَّمِ: حَيْثُ شَاءَ " حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدَةُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ , فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَا كَانَ مِنْ دَمِ نُسُكٍ فَبِمَكَّةَ , وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ، وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ الْمُفْتَدِي.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ , وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ، وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ» وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ: الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ , الْقِيَاسُ عَلَى هَدْيِ جَزَاءِ الصَّيْدِ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ شَرَطَ فِي هَدْيِهِ بُلُوغَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] ، قَالُوا: فَكُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ فِدْيَةٍ فِي إِحْرَامٍ , فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي وُجُوبِ بُلُوغِهِ الْكَعْبَةَ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمُ

الْهَدْيِ كَانَ حُكْمُ الصَّدَقَةِ مِثْلَهُ , لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِطْعَامَ فِدْيَةٌ، وَجَزَاءٌ كَالدَّمِ , فَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ.
وَأَمَّا عِلَّةُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْمُفْتَدِيَ أَنْ يَنْسُكَ حَيْثُ شَاءَ وَيَتَصَدَّقَ وَيَصُومَ، أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الْحَالِقِ رَأْسَهُ مِنْ أَذًى هَدْيًا , وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ نُسُكًا، أَوْ إِطْعَامًا، أَوْ صِيَامًا , وَحَيْثُمَا نَسَكَ، أَوْ أَطْعَمَ، أَوْ صَامَ فَهُوَ نَاسِكٌ، وَمُطْعِمٌ، وَصَائِمٌ , وَإِذَا دَخَلَ فِي عِدَادِ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الِاسْمِ كَانَ مُؤَدِّيًا مَا كَلَّفَهُ اللَّهُ , لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ مِنْ إِلْزَامِ الْحَالِقِ رَأْسَهُ فِي نُسُكِهِ بُلُوغَ الْكَعْبَةِ لَشَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , كَمَا شَرَطَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ , وَفِي تَرْكِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّهُ حَيْثُ نَسَكَ أَوْ أَطْعَمَ أَجْزَأَ.
وَأَمَّا عِلَّةُ مَنْ قَالَ: النُّسُكُ بِمَكَّةَ، وَالصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ حَيْثُ شَاءَ , فَالنُّسُكُ دَمٌ كَدَمِ الْهَدْيِ , فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ هَدْيِ قَاتِلِ الصَّيْدِ.
وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَلَمْ يَشْتَرِطِ اللَّهُ فِيهِ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى أَهْلِ مَسْكَنَةِ مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ , كَمَا شَرَطَ فِي هَدْيِ الْجَزَاءِ بُلُوغَ الْكَعْبَةِ , فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ , إِذْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ لِأَهْلِ مَكَانٍ بِعَيْنِهِ , كَمَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْهَدْيِ لِسَاكِنِي الْحَرَمِ لِغَيْرِهِمْ , إِذْ كَانَ اللَّهُ قَدْ خَصَّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ , أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى حَالِقِ رَأْسِهِ مِنْ أَذًى مِنَ الْمُحْرِمِينَ فِدْيَةً مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ , وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِمَكَانٍ

دُونَ مَكَانٍ , بَلْ أَبْهَمَ ذَلِكَ وَأَطْلَقَهُ , فَفِي أَيِّ مَكَانٍ نَسَكَ، أَوْ أَطْعَمَ، أَوْ صَامَ فَيَجْزِي عَنِ الْمُفْتَدِي؛ وَذَلِكَ لَقِيَامِ الْحِجَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إِذْ حَرَّمَ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا فَلَمْ يَحْصُرْهُنَّ عَلَى أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُنَّ مَرْدُودَاتِ الْأَحْكَامِ عَلَى الرَّبَائِبِ الْمَحْصُورَاتِ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَةَ مِنْهُنَّ الْمَدْخُولُ بِأُمِّهَا , فَكَذَلِكَ كُلُّ مُبْهَمَةٍ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ جَائِزٍ رَدُّ حُكْمِهَا عَلَى الْمُفَسَّرَةِ قِيَاسًا , وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَحْكُمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِمَا احْتَمَلَهُ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِحَالَةِ حُكْمِ ظَاهِرِهِ إِلَى بَاطِنِهِ , فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ حِينَئِذٍ لِحُكْمِ الرَّسُولِ , إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبِينُ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ مُجْزِئٌ عَنِ الْحَالِقِ رَأْسَهُ مِنْ أَذًى حَيْثُ صَامَ مِنَ الْبِلَادِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ بِنُسُكِ الْفِدْيَةِ مِنَ الْحَلْقِ , وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُفْتَدِي الْأَكْلُ مِنْهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لِلْمُفْتَدِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ , وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " ثَلَاثٌ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُنَّ: جَزَاءُ الصَّيْدِ , وَجَزَاءُ النُّسُكِ , وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ وَهَارُونُ , عَنْ عَنْبَسَةَ , عَنْ سَالِمٍ , عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «لَا تَأْكُلْ مِنْ فِدْيَةٍ , وَلَا مِنْ جَزَاءٍ , وَلَا مِنْ نَذْرٍ , وَكُلْ مِنَ الْمُتْعَةِ , وَمِنَ الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، وَهَارُونُ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «جَزَاءُ الصَّيْدِ، وَالْفِدْيَةِ، وَالنَّذْرِ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا صَاحِبُهَا , وَيَأْكُلُ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَالتَّمَتُّعِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا هَارُونُ , عَنْ عَمْرٍو , عَنِ الْحَجَّاجِ , عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «لَا تَأْكُلْ مِنْ جَزَاءٍ , وَلَا مِنْ فِدْيَةٍ , وَتَصَدَّقْ بِهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: «لَا يَأْكُلُ مِنْ بَدَنَتِهِ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ حَرَامًا، وَالْكَفَّارَاتُ كَذَلِكَ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ، وَالْحَجَّاجُ، وَغَيْرُهُمَا , عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ , وَلَا مِنَ النَّذْرِ , وَلَا مِنَ الْفِدْيَةِ , وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: " لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْفِدْيَةِ.
وَقَالَ مَرَّةً: مِنْ هَدْيِ الْكَفَّارَةِ , وَلَا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ

عُمَرَ، قَالَ: «لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ , وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا هَارُونُ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «مِنَ الْفِدْيَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: «الشَّاةُ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، يَأْكُلُ مِنْهُ إِنْ شَاءَ , وَيَتَصَدَّقُ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ: ثني مَنْ، سَمِعَ الْحَسَنَ، يَقُولُ: «كُلْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , يَعْنِي مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالنَّذْرِ، وَالْفِدْيَةِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: ثنا الْأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْأَكْلِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَنَذْرِ الْمَسَاكِينِ» وَعِلَّةُ مَنْ حَظَرَ عَلَى الْمُفْتَدِي الْأَكْلَ مِنْ فِدْيَةِ حِلَاقِهِ، وَفِدْيَةِ مَا لَزِمَتْهُ مِنْهُ الْفِدْيَةُ , أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْحَالِقِ، وَالْمُتَطَيِّبِ وَمَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِمْ فِدْيَةً مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ , فَلَنْ يَخْلُوَ ذَلِكَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِطْعَامِ، وَالنُّسُكِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ , فَإِنْ كَانَ أَوْجَبَهُ لِغَيْرِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ , لِأَنَّ مَا لَزِمَهُ لِغَيْرِهِ فَلَا يُجْزِيهِ فِيهِ إِلَّا الْخُرُوجُ مِنْهُ إِلَى مَنْ وَجَبَ لَهُ، أَوْ يَكُونُ لَهُ وَحْدَهُ , وَمَا وَجَبَ لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي لُغَةٍ أَنْ يُقَالَ: وَجَبَ عَلَى فُلَانٍ لِنَفْسِهِ دِينَارٌ، أَوْ دِرْهَمٌ، أَوْ شَاةٌ , وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ , فَأَمَّا عَلَى نَفْسِهِ فَغَيْرُ مَفْهُومٍ وُجُوبُهُ.
أَوْ يَكُونُ وَجَبَ عَلَيْهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ , فَنَصِيبُهُ الَّذِي وَجَبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لِمَا وَصَفْنَا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ

كَذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ لِغَيْرِهِ، وَمَا هُوَ لِغَيْرِهِ بَعْضُ النُّسُكِ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْضَ النُّسُكِ لَا النُّسُكَ كُلَّهُ.
قَالُوا: وَفِي إِلْزَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ النُّسُكَ تَامًّا مَا يُبِينُ عَنْ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُفْتَدِي نُسُكًا , وَالنُّسُكُ فِي مَعَانِي الْأَضَاحِيِّ؛ وَذَلِكَ هُوَ ذَبْحُ مَا يَجْزِي فِي الْأَضَاحِيِّ مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ.
قَالُوا: وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِدَفْعِهِ إِلَى الْمَسَاكِينِ.
قَالُوا: فَإِذَا ذَبَحَ فَقَدْ نَسَكَ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ , وَلَهُ حِينَئِذٍ الْأَكْلُ مِنْهُ , وَالصَّدَقَةُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ , وَإِطْعَامُ مَا أَحَبَّ مِنْهُ مَنْ أَحَبَّ , كَمَا لَهُ ذَلِكَ فِي أُضْحِيَّتِهِ.
وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُفْتَدِي نُسُكًا إِنِ اخْتَارَ التَّكْفِيرَ بِالنُّسُكِ , وَلَنْ يَخْلُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَبْحَهُ دُونَ غَيْرِهِ , أَوْ ذَبْحَهُ وَالتَّصَدُّقَ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ذَبْحَهُ , فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ إِذَا ذَبَحَ نُسُكًا فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ , وَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَهُ وَلَمْ يُطْعِمْ مِسْكِينًا مِنْهُ شَيْئًا , وَذَلِكَ مَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَهُ , أَوْ يَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ذَبَحَهُ وَالصَّدَقَةَ بِهِ ; فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَكْلُ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ , كَمَا لَوْ لَزِمَتْهُ زَكَاةٌ فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا , بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهَا أَهْلَهَا الَّذِينَ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ.
فَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَلْزَمَهُ لِغَيْرِهِ , دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى حُكْمِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمَعْنَى النُّسُكِ: الذَّبْحُ لِلَّهِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ , يُقَالُ: نَسَكَ فُلَانٌ لِلَّهِ

نَسِيكَةً , بِمَعْنَى: ذَبَحَ لِلَّهِ ذَبِيحَةً يَنْسُكُهَا نُسُكًا

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " النُّسُكُ: أَنْ يَذْبَحَ، شَاةً "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَإِذَا بَرَأْتُمْ مِنْ مَرَضِكُمُ الَّذِي أَحْصَرَكُمْ عَنْ حَجِّكُمْ، أَوْ عُمْرَتِكُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَبَّارِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: " ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فَإِذَا بَرَأْتُمْ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ، يَقُولُ: «فَإِذَا أَمِنْتَ حِينَ تُحْصَرُ، إِذَا أَمِنْتَ مِنْ كَسْرِكَ مِنْ وَجَعِكَ , فَعَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ الْبَيْتَ فَيَكُونَ لَكَ مُتْعَةً , فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْتَ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِذَا أَمِنْتُمْ مِنْ خَوْفِكُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا خَائِفِينَ يَوْمَئِذٍ "

جارٍ التحميل