الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: 184] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَلَّ دَيْنِهِمْ، وَوَقْتَ حَجِّهِمْ، وَعِدَّةَ نِسَائِهِمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ " سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189] يَعْلَمُونَ بِهَا حَلَّ دَيْنِهِمْ، وَعِدَّةَ نِسَائِهِمْ، وَوَقْتَ حَجِّهِمْ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍ، عَنْ عَلِيٍّ، " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189] قَالَ «هِيَ مَوَاقِيتُ الشَّهْرِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَقَبَضَ إِبْهَامَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ: يَسْأَلُونَكَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْأَهِلَّةِ، وَمِحَاقِهَا، وَسِرَارِهَا، وَتَمَامِهَا، وَاسْتِوَائِهَا، وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِهَا بِزِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ، وَمِحَاقٍ، وَاسْتِسْرَارٍ، وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ دَائِمَةٌ أَبَدًا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةٍ، وَلَا نُقْصَانٍ، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ خَالَفَ بَيْنَ ذَلِكَ رَبُّكُمْ لِتَصْيِيرِهِ الْأَهِلَّةَ الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْ أَمْرِهَا وَمَخَالَفَةِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِيمَا خَالَفَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَوَاقِيتُ لَكُمْ وَلِغَيْرِكُمٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فِي مَعَايِشِهِمْ، تَرْقُبُونَ بِزِيَادَتِهَا، وَنُقْصَانِهَا، وَمَحَاقِهَا، وَاسْتِسْرَارِهَا، وَإِهْلَالِكُمْ
إِيَّاهَا أَوْقَاتَ حَلِّ دُيُونِكُمْ، وَانْقِضَاءَ مُدَّةِ إِجَارَةِ مَنِ اسْتَأْجَرْتُمُوهُ، وَتَصَرُّمَ عِدَّةِ نِسَائِكُمْ، وَوَقْتَ صَوْمِكُمْ، وَإِفْطَارِكُمْ، فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلِلْحَجِّ، يَقُولُ: وَجَعَلَهَا أَيْضًا مِيقَاتًا لِحَجِّكُمْ تَعْرِفُونَ بِهَا وَقْتَ مَنَاسِكِكُمْ، وَحَجِّكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ إِذَا أَحْرَمُوا بُيُوتَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، يَقُولُ " كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا وَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا.
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] "
حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ " كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَحْرَمُوا أَتَوْا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَمْ يَأْتُوا مِنْ
أَبْوَابِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] . . الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ، " أَنَّ نَاسًا، كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا حَائِطًا مِنْ بَابِهِ، وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهَا، أَوْ بَيْتًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ دَارًا.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ، فَجَاءَ فَتَسَوَّرَ الْحَائِطَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَابِ الدَّارِ أَوْ قَالَ مِنْ بَابِ الْبَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ رِفَاعَةُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ خَرَجْتَ مِنْهُ، فَخَرَجْتُ مِنْهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي رَجُلٌ أَحْمَسُ» ، فَقَالَ: إِنْ تَكُنْ رَجُلًا أَحْمَسَ فَإِنَّ دِينَنَا وَاحِدٌ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] يَقُولُ «لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ كَوَّاتٍ فِي ظُهُورِ الْبُيُوتِ، وَأَبْوَابٍ فِي جُنُوبِهَا تَجْعَلُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.
فَنُهُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهَا وَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِهَا» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ " كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَدَخَلُوا مِنْ ظُهُورِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 189] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾ [البقرة: 189] بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا قَالَ " كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ نَقَبَ كَوَّةً فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ فَجَعَلَ سُلَّمًا فَجَعَلَ يَدْخُلُ مِنْهَا.
قَالَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فَأَتَى الْبَابَ لِيَدْخُلَ، فَدَخَلَ مِنْهُ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَدْخُلَ مِنَ الْكُوَّةِ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا شَأْنُكَ؟» فَقَالَ: إِنِّي أَحْمَسُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَحْمَسُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ " كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ فَتَبْدُو لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَيَرْجِعُ وَلَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَابِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ الْجِدَارُ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ يَقُومُ فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ فَتَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِهِ.
حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ، فَدَخَلَ حُجْرَةً، فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَحْمَسُ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتِ الْحُمْسُ لَا يُبَالُونَ ذَلِكَ.
فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: وَأَنَا أَحْمَسُ، يَقُولُ: وَأَنَا عَلَى دِينِكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ [البقرة: 189] الْآيَةَ كُلَّهَا.
قَالَ قَتَادَةُ «كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَهَلَّ أَحَدُهُمْ بِحَجٍّ، أَوْ عَمْرَةٍ لَا يَدْخُلُ دَارًا مِنْ بَابِهَا إِلَّا أَنَّ يَتَسَوَّرَ حَائِطًا تَسَوُّرًا، وَأَسْلَمُوا وَهُمْ كَذَلِكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ مَا تَسْمَعُونَ، وَنَهَاهُمْ عَنْ صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ صَنِيعُهُمْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ، قَوْلِهِ " ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] فَإِنَّ نَاسًا مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لَمْ يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ مِنْ أَبْوَابِهَا كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي أَدْبَارِهَا، فَلَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةَ الْوَدَاعِ أَقْبَلَ يَمْشِي وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أُولَئِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ.
فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَابَ الْبَيْتِ احْتَبَسَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ وَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْمَسُ يَقُولُ: إِنِّي مُحْرِمٌ وَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يُسَمَّوْنَ الْحُمْسُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَيْضًا أَحْمَسُ فَادْخُلْ» فَدَخَلَ الرَّجُلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189] " وَإِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانُوا إِذَا خَافَ أَحَدُهُمْ مِنْ عَدُوِّهِ شَيْئًا أَحْرَمَ فَأَمِنَ، فَإِذَا أَحْرَمَ لَمْ يَلِجْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ وَاتَّخَذَ نَقْبًا مِنْ ظَهْرِ بَيْتِهِ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ مُحْرِمٌ كَذَلِكَ، وَأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يُسَمُّونَ الْبُسْتَانَ: الْحَشَّ.
وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بُسْتَانًا، فَدَخَلَهُ مِنْ بَابِهِ، وَدَخَلَ مَعَهُ ذَلِكَ الْمُحْرِمُ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ: يَا فُلَانُ إِنَّكَ مُحْرِمٌ وَقَدْ دَخَلْتُ فَقَالَ: «أَنَا أَحْمَسُ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مُحْرِمًا فَأَنَا مُحْرِمٌ، وَإِنَّ كُنْتَ أَحْمَسَ فَأَنَا أَحْمَسُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَأَحَلَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189] قَالَ " كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ يَتَسَوَّرُوهَا، فَكَانَ إِذَا أَحْرَمَ أَحَدُهُمْ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا أَنْ يَتَسَوَّرَهُ مِنْ قِبَلِ ظَهْرِهِ.
وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَثَرِهِ مِمَّنْ قَدْ أَحْرَمَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِمَ دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ وَقَدِ أَحْرَمْتَ؟» فَقَالَ: رَأَيْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَحْمَسُ» وَقُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ تُدْعَى الْحُمْسَ؛ فَلَمَّا أَنْ قَالَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنَّ دِينِي دِينُكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] . . الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189] قَالَ «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَيَرَوْنَهُ بِرًّا، فَقَالَ» الْبِرُّ، ثُمَّ نَعَتَ الْبِرَّ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا "
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ «كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَأْتُونَ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا يَتَبَرَّرُونَ بِذَلِكَ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَلَيْسَ الْبِرُّ أَيُّهَا النَّاسُ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِنُّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ فَخَافَهُ، وَتَجَنَّبَ مَحَارِمَهُ، وَأَطَاعَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا، فَأَمَّا إِتْيَانُ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا فَلَا بِرَّ لِلَّهِ فِيهِ، فَأْتُوهَا مِنْ حَيْثِ
شِئْتُمْ مِنْ أَبْوَابِهَا وَغَيْرِ أَبْوَابِهَا، مَا لَمْ تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ إِتْيَانِهَا مِنْ أَبْوَابِهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَكُمُ اعْتِقَادُهُ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فَاحْذَرُوهُ، وَارْهَبُوهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ لِتُفْلِحُوا فَتَنْجَحُوا فِي طَلَبَاتِكُمْ لَدَيْهِ وَتُدْرِكُوا بِهِ الْبَقَاءَ فِي جَنَّاتِهِ، وَالْخُلُودَ فِي نَعِيمِهِ.
وَقَدْ
بَيَّنَّا مَعْنَى الْفَلَاحِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ.
وَقَالُوا: أُمِرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِبَرَاءَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] قَالَ «هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ مُنْ يُقَاتِلُهُ وَيَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتَّى نَزَلَتْ بَرَاءَةُ» وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ «الْمَدِينَةَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ: قَدْ نُسِخَ هَذَا، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] وَهَذِهِ النَّاسِخَةُ، وَقَرَأَ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] إِلَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ لَمْ يُنْسَخْ، وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالذَّرَارِيِّ.
قَالُوا: وَالنَّهْي عَنْ قَتْلِهِمْ ثَابِتٌ حُكْمُهُ الْيَوْمَ.
قَالُوا: فَلَا شَيْءَ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ، قَالَ " كَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يَنْصُبْ لَكَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ " ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرُوا بِقِتَالِ الْكُفَّارِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] يَقُولُ «لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ، وَلَا الصِّبْيَانَ، وَلَا الشَّيْخَ الْكَبِيرَ، وَلَا مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَكَفَّ يَدَهُ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ»
حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ " إِنِّي وَجَدْتُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] أَيْ لَا تُقَاتِلْ مَنْ لَا يُقَاتِلُكَ، يَعْنِي النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ، وَالرُّهْبَانَ " وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِيَ نَسْخَ آيَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ تَحَكُّمٌ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ.
وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى مَعْنَى النَّسْخِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي مِنْ قَبْلِهِ يُثْبِتُ صِحَّةَ النَّسْخِ بِمَا قَدْ أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذِهِ الْمَوْضِعِ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: وَقَاتِلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسَبِيلُهُ: طَرِيقُهُ الَّذِي أَوْضَحَهُ وَدِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ.
يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَاتِلُوا فِي طَاعَتِي، وَعَلَى مَا شَرَعْتُ لَكُمْ مِنْ دِينِي، وَادْعُوا إِلَيْهِ مَنْ وَلَّى عَنْهُ، وَاسْتَكْبَرَ بِالْأَيْدِي، وَالْأَلْسُنِ، حَتَّى يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي، أَوْ يُعْطُوكُمُ الْجِزْيَةَ صِغَارًا إِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ.
وَأَمَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقِتَالِ مَنْ كَانَ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ مُقَاتَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَذَرَارِيِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَمْوَالٌ وَخُوِّلَ لَهُمْ إِذَا غَلَبَ الْمُقَاتِلُونَ مِنْهُمْ فَقَهَرُوا، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْكَفَّ عَمَّنْ كَفَّ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ، وَالْكَافِّينَ عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ صِغَارًا.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا مَنْ أَعْطَاكُمُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ " وَالْمَجُوسِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ حُدُودَهُ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 191]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاقْتُلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ أَصَبْتُمْ مُقَاتِلَهُمْ وَأَمْكَنَكُمْ قَتْلَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] وَمَعْنَى الثَّقَفَةِ بِالْأَمْرِ: الْحَذْقُ بِهِ وَالْبَصَرُ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَثَقِفٌ لَقِفٌ إِذَا كَانَ جَيِّدَ الْحَذَرِ فِي الْقِتَالِ بَصِيرًا بِمَوَاقِعِ الْقَتْلِ.
وَأَمَّا التَّثْقَيفُ فَمَعْنًى غَيْرِ هَذَا وَهُوَ التَّقْوِيمُ؛ فَمَعْنَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] اقْتُلُوهُمْ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمِ وَأَبْصَرْتُمْ مُقَاتِلَهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثِ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَقَدِ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِكُمْ وَدِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى أَنَّ أَصْلَ الْفِتْنَةِ الِابْتِلَاءُ، وَالِاخْتِبَارُ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَابْتِلَاءُ الْمُؤْمِنِ فِي دِينِهِ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ فَيَصِيرُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدِ إِسْلَامِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِ وَأَضَرُّ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ مُقِيمًا عَلَى دِينِهِ مُتَمَسِّكًا عَلَيْهِ مُحِقًّا فِيهِ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] قَالَ «ارْتِدَادُ الْمُؤْمِنِ إِلَى الْوَثَنِ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] يَقُولُ «الشِّرْكُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] يَقُولُ «الشِّرْكُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ»