تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 8-19

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾

صفحات 8-19
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: يُؤْتِي اللَّهُ الْإِصَابَةَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَنْ يُؤْتَ الْإِصَابَةَ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحِكْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ الْقُرْآنُ وَالْفِقْهُ بِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ

ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] «يَعْنِي الْمَعْرِفَةَ بِالْقُرْآنِ، نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخِّرِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَأَمْثَالِهِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] قَالَ: " الْحِكْمَةُ: الْقُرْآنُ، وَالْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] " وَالْحِكْمَةُ: الْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهِلَالِيُّ، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] قَالَ: «الْكِتَابَ وَالْفَهْمَ فِيهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ.
.﴾ [البقرة: 269] الْآيَةَ، قَالَ: «لَيْسَتْ بِالنُّبُوَّةِ، وَلَكِنَّهُ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْحِكْمَةِ الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قَالَ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 269] قَالَ: «الْإِصَابَةَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] قَالَ: «يُؤْتِي إِصَابَتَهُ مَنْ يَشَاءُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] قَالَ: «الْكِتَابُ يُؤْتِي إِصَابَتَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْعِلْمُ بِالدِّينِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] «الْعَقْلُ فِي الدِّينِ» ، وَقَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الْحِكْمَةُ: الْعَقْلُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: وَمَا الْحِكْمَةُ؟ قَالَ: «الْمَعْرِفَةُ بِالدِّينِ، وَالْفِقْهُ فِيهِ، وَالِاتِّبَاعُ لَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْحِكْمَةُ: الْفَهْمُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " الْحِكْمَةُ: هِيَ الْفَهْمُ " وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الْخَشْيَةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 269] الْآيَةَ، قَالَ: " الْحِكْمَةُ: الْخَشْيَةُ؛ لِأَنَّ رَأْسَ كُلِّ شَيْءٍ خَشْيَةُ اللَّهِ "، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ النُّبُوَّةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 269] الْآيَةَ، قَالَ: «الْحِكْمَةُ هِيَ النُّبُوَّةُ» وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْحِكْمَةِ، وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحُكْمِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَأَنَّهَا الْإِصَابَةُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا الْقَائِلُونَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ دَاخِلًا فِيمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فَهْمٍ بِهَا وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُصِيبُ عَنْ فَهْمٍ مِنْهُ بِمَوَاضِعِ الصَّوَابِ فِي أُمُورِهِ فَهَمًا خَاشِيًا لِلَّهِ فَقِيهًا عَالِمًا، وَكَانَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ أَقْسَامِهِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسَدَّدُونَ مُفَهَّمُونَ، وَمُوَفَّقُونَ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَالنُّبُوَّةُ بَعْضُ مَعَانِي الْحِكْمَةِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: يُؤْتِي اللَّهُ إِصَابَةَ الصَّوَابِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللَّهُ ذَلِكَ فَقَدْ آتَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا يَتَّعِظُ بِمَا وَعَظَ بِهِ رَبُّهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي وَعَظَ فِيهَا الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ بِمَا وَعَظَ بِهِ غَيْرَهُمْ فِيهَا، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ آيِ كِتَابِهِ،

فَيَذْكُرُ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ فِيهَا، فَيَنْزَجِرُ عَمَّا زَجَرَهُ عَنْهُ رَبُّهُ، وَيُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ، يَعْنِي: إِلَّا أُولُو الْعُقُولِ الَّذِينَ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَأُخْبِرَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّ الْمَوَاعِظَ غَيْرُ نَافِعَةٍ إِلَّا أُولِي الْحِجَا وَالْحُلُومِ، وَأَنَّ الذِّكْرَى غَيْرُ نَاهِيَةٍ إِلَّا أَهْلَ النُّهَى وَالْعُقُولِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: 270] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَأَيُّ نَفَقَةٍ أَنْفَقْتُمْ، يَعْنِي أَيَّ صَدَقَةٍ تَصَدَّقْتُمْ، أَوْ أَيَّ نَذْرٍ نَذَرْتُمْ؛ يَعْنِي بِالنَّذْرِ: مَا أَوْجَبُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ تَبَرُّرًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَتَقَرُّبًا بِهِ إِلَيْهِ،

مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَمَلِ خَيْرٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270] أَيْ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَكِنَّهُ يُحْصِيهُ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ جَمِيعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْكُمْ وَصَدَقَتُهُ وَنَذْرُهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ نَفْسِهِ، جَازَاهُ بِالَّذِي وَعْدَهُ مِنَ التَّضْعِيفِ؛ وَمَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ وَصَدَقَتُهُ رِيَاءَ النَّاسِ وَنَذْرُهُ لِلشَّيْطَانِ جَازَاهُ بِالَّذِي أَوْعَدَهُ مِنَ الْعِقَابِ وَأَلِيمِ الْعَذَابِ،

كَالَّذِي: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270] «وَيُحْصِيهِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

ثُمَّ أَوْعَدَ جَلَّ ثناؤُهُ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ رِيَاءً وَنُذُورُهُ طَاعَةً لِلشَّيْطَانِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: 270] يَعْنِي: وَمَا لِمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ رِيَاءَ النَّاسِ وَفِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَانَتْ نُذُورُهُ لِلشَّيْطَانِ وَفِي طَاعَتِهِ، ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: 270] وَهُمْ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَمَا الْأَشْرَافُ جَمْعَ شَرِيفٍ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: 270] مَنْ يُنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عِقَابَهُ يَوْمَئِذٍ بِقُوَّةِ وَشِدَّةِ بَطْشٍ وَلَا بِفِدْيَةٍ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الظَّالِمَ هُوَ الْوَاضِعُ لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ الْمُنْفِقَ رِيَاءَ النَّاسِ، وَالنَّاذِرَ فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ ظَالِمًا، لِوَضْعِهِ إِنْفَاقَ مَالِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَنَذْرِهِ فِي غَيْرِ مَالِهِ وَضَعَهُ فِيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ ظُلْمَهُ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270] وَلَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ النَّذْرَ وَالنَّفَقَةَ؟ قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270] لِأَنَّهُ أَرَادَ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا أَنْفَقْتُمْ أَوْ نَذَرْتُمْ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْكِنَايَةَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 271] إِنْ تُعْلِنُوا الصَّدَقَاتِ فَتُعْطُوهَا مَنْ تَصَدَّقْتُمْ بِهَا عَلَيْهِ، ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] يَقُولُ: فَنِعْمَ الشَّيْءُ هِيَ ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: 271] يَقُولُ: وَإِنْ تَسْتُرُوهَا فَلَمْ تُعْلِنُوهَا ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: 271] يَعْنِي:

وَتُعْطُوهَا الْفُقَرَاءَ فِي السِّرِّ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] يَقُولُ: فَإِخْفَاؤُكُمْ إِيَّاهَا خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِعْلَانِهَا، وَذَلِكَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] «كُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً، وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] قَالَ: «كُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً، وَالصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ أَفْضَلُ» ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] «فَجَعَلَ اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلَانِيَتَهَا بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَجَعَلَ صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلَانِيَتَهَا أَفْضَلَ مِنْ سِرَّهَا يُقَالُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا»

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: ثنا

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] قَالَ: يَقُولُ: «هُوَ سِوَى الزَّكَاةِ» وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا فُقَرَاءَهُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، قَالُوا: وَأَمَّا مَا أَعْطَى فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَإِخْفَاؤُهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلَانِيَتِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، يَقُولُ: " إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى "

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: «كَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يَأْمُرُ بِقَسْمِ الزَّكَاةِ فِي السِّرِّ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحِبُّ أَنْ تُعْطَى فِي الْعَلَانِيَةِ، يَعْنِي الزَّكَاةَ وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ زَكَاةٍ وَاجِبَةٍ،

فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْفَرَائِضِ قَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْفَضْلَ فِي إِعْلَانِهِ وَإِظْهَارِهِ سِوَى الزَّكَاةِ الَّتِي ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا مَعَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَحُكْمُهَا فِي أَنَّ الْفَضْلَ فِي أَدَائِهَا عَلَانِيَةً حُكْمُ سَائِرِ الْفَرَائِضِ غَيْرِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ.
فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: (وَتُكَفِّرُ عَنْكُمْ) بِالتَّاءِ، وَمَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَتُكَفِّرُ الصَّدَقَاتُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ [البقرة: 271] بِالْيَاءِ بِمَعْنَى: وَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْكُمْ

بِصَدَقَاتِكُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْدُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ) بِالنُّونِ وَجَزْمِ الْحَرْفِ، يَعْنِي: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، بِمَعْنَى مُجَازَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُخْفِي الصَّدَقَةِ بِتَكْفِيرِ بَعْضِ سَيِّئَاتِهِ بِصَدَقَتِهِ الَّتِي أَخْفَاهَا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ) بِالنُّونِ وَجَزْمِ الْحَرْفِ، عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُجَازَى الْمُخْفِي صَدَقَتَهُ مِنَ التَّطَوُّعِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ مِنْ صَدَقَتِهِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُجْزُومٌ عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] لِأَنَّ الْفَاءَ هُنَالِكَ حَلَّتْ مَحَلَّ جَوَابِ الْجَزَاءِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ اخْتَرْتَ الْجَزْمَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ، وَتَرَكْتَ

اخْتِيَارَ نَسَقِهِ عَلَى مَا بَعْدَ الْفَاءِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَفْصَحَ مِنَ الْكَلَامِ فِي النَّسَقِ عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ الرَّفْعُ، وَإِنَّمَا الْجَزْمُ تَجْوِيزٌ؟ قِيلَ: اخْتَرْنَا ذَلِكَ لِيُؤْذِنَ بِجَزْمِهِ أَنَّ التَّكْفِيرَ أَعْنِي تَكْفِيرَ اللَّهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمُصَّدِّقِ لَا مَحَالَةَ دَاخِلٌ فِيمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُصَّدِّقَ أَنْ يُجَازِيَهُ بِهِ عَلَى صَدَقَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا جُزِمَ مُؤْذِنٌ بِمَا قُلْنَا لَا مَحَالَةَ، وَلَوْ رُفِعَ كَانَ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَا وَعْدَهُ اللَّهُ أَنْ يُجَازِيَهُ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا أَنَّهَ يُكَفِّرُ مِنْ سَيِّئَاتِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى غَيْرِ الْمُجَازَاةِ لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ الْجَزَاءِ اسْتِئْنَافٌ، فَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْخَبَرِ الْمُسْتَأْنَفِ فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْجَزَاءِ، وَلِذَلِكَ مِنَ الْعِلَّةِ اخْتَرْنَا جَزْمَ (نُكَفِّرْ) عَطْفًا بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] وَقِرَاءَتَهُ بِالنُّونِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ دُخُولِ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271] ؟ قِيلَ: وَجْهُ دُخُولِهَا فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى: ونُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ مَا نَشَاءُ تَكْفِيرَهُ مِنْهَا دُونَ جَمِيعِهَا؛ لِيَكُونَ الْعِبَادُ عَلَى وَجَلٍ مِنَ اللَّهِ فَلَا يَتَّكِلُوا عَلَى وَعْدِهِ مَا وَعَدَ عَلَى الصَّدَقَاتِ الَّتِي يُخْفِيهَا الْمُتَصَدِّقُ فَيَجْتَرِئُوا عَلَى حُدُودِهِ وَمَعَاصِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى «مِنَ» الْإِسْقَاطَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَيَتَأَوَّلُ مَعْنَى ذَلِكَ: وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ فِي صَدَقَاتِكُمْ مِنْ إِخْفَائِهَا وَإِعْلَانَ وَإِسْرَارٍ بِهَا وَإِجْهَارٍ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ﴿خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234] يَعْنِي بِذَلِكَ: ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ بِجَمِيعِهِ مُحِيطٌ، وَلِكُلِّهِ مُحْصٍ

عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُمْ ثَوَابَ جَمِيعِهِ وَجَزَاءَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: لَيْسَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هُدَى الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَتَمْنَعُهُمْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ،

وَلَا تُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ حَاجَةً مِنْهُمْ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيُوَفِّقُهُمْ لَهُ، فَلَا تَمْنَعْهُمُ الصَّدَقَةَ

كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 272] «فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لَقَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272] "

جارٍ التحميل