الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " كَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَرْضَخُوا، لِقَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِأَنْسِبَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272] «فَرَخَّصَ لَهُمْ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ أَنْسِبَاءُ وَقَرَابَةٌ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَيُرِيدُونَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ﴾ [البقرة: 272] " الْآيَةَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا، مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: أَنَتَصَدَّقُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ﴾ [البقرة: 272] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272] قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَرَابَةٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ فَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ﴾ [البقرة: 272] " الْآيَةَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272] أَمَّا ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ﴾ [البقرة: 272] «فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَبَيْنَ أَهْلِهَا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ»
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272] قَالَ: «هُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ، فَمَا لَكَ وَلِهَذَا تُؤْذِيهِ وَتَمُنُّ عَلَيْهِ؟ إِنَّمَا نَفَقَتُكَ لِنَفْسِكَ وَابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَجْزِيكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273] أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] فَبَيَانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ عَنْ سَبِيلِ النَّفَقَةِ وَوَجْهِهَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرَ فَلِأَنْفُسِكُمْ، تُنْفِقُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي الْفُقَرَاءِ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْضِعِ اللَّامِ فِي فَلِأَنْفُسِكُمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: 272] يَعْنِي بِهِ: وَمَا تَتَصَدَّقُوا بِهِ مِنْ مَالَ فَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا اعْتَرَضَ فِي الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272] ، فَأَدْخَلَ الْفَاءَ الَّتِي هِيَ جَوَابُ الْجَزَاءِ فِيهِ تُرِكَتْ إِعَادَتُهَا فِي قَوْلِهِ
: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [البقرة: 273] ، إِذْ كَانَ الْكَلَامُ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرَ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272] " أَمَّا ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ﴾ [البقرة: 272] «فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَبَيَّنَ أَهْلَهَا» ، فَقَالَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] " وَقِيلَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ عَامَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] «مُهَاجِرِي قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَوْلُهُ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] الْآيَةَ، قَالَ: «هُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] قَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: الَّذِينَ جَعَلَهُمْ جِهَادُهُمْ عَدُوَّهُمْ يَحْصُرُونَ أَنْفُسَهُمْ فَيَحْبِسُونَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَارِ تَصْيِيرُ الرَّجُلِ الْمُحْصَرِ بِمَرَضِهِ أَوْ فَاقَتِهِ أَوْ جِهَادِهِ عَدُوَّهُ، وَغَيْرَ
ذَلِكَ مِنْ عِلَلِهِ إِلَى حَالَةٍ يَحْبِسُ نَفْسَهُ فِيهَا عَنِ التَّصَرُّفِ فِي أَسْبَابِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] قَالَ: «حَصَرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْغَزْوِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] قَالَ: " كَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا كُفْرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَخْرُجَ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ إِذَا خَرَجَ خَرَجَ فِي كُفْرٍ، وَقِيلَ: كَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَكَانُوا لَا يَتَوَجَّهُونَ جِهَةً إِلَّا لَهُمْ فِيهَا عَدُوٌّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] الْآيَةَ؛ كَانُوا هَاهُنَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: الَّذِينَ أَحْصَرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَمَنَعُوهُمُ التَّصَرُّفَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] «حَصَرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمَدِينَةِ» وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ لَكَانَ الْكَلَامُ: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ حُصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ ﴿أُحْصِرُوا﴾ [البقرة: 273] ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِي صَيَّرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ إِلَى الْحَالِ الَّتِي حَبَسُوا وَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْفُسَهُمْ، لَا أَنَّ الْعَدُوَّ هُمْ كَانُوا الْحَابِسِيهِمْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ حَبَسَهُ الْعَدُوُّ: حَصَرَهُ الْعَدُوُّ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الْمُحْبَسُ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ قِيلَ: أَحْصَرَهُ خَوْفُ الْعَدُوِّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 273] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: لَا يَسْتَطِيعُونَ تَقَلُّبًا فِي الْأَرْضِ، وَسَفَرًا فِي الْبِلَادِ، ابْتِغَاءَ الْمَعَاشِ وَطَلَبَ الْمَكَاسِبِ، فَيَسْتَغْنُوا عَنِ الصَّدَقَاتِ رَهْبَةَ الْعَدُوِّ، وَخَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 273] «حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْعَدُوٍّ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تِجَارَةً»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 273] «يَعْنِي التِّجَارَةَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 273] «كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] يَعْنِي بِذَلِكَ: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ بِأَمْرِهِمْ وَحَالِهِمْ أَغْنِيَاءَ مِنْ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَتَرْكِهِمُ التَّعَرُّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ صَبْرًا مِنْهُمْ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ
كَمَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ [البقرة: 273] يَقُولُ: «يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ بِأَمْرِهِمْ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ»
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] مِنْ تَرْكِ مَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَهُوَ التَّفَعُّلُ مِنَ الْعِفَّةِ عَنِ الشَّيْءِ، وَالْعِفَّةُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ: فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْعَسْقِ يَعْنِي بَرِئَ وَتَجَنَّبَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: 273] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: تَعْرِفُهُمْ يَا مُحَمَّدُ بِسِيمَاهُمْ، يَعْنِي بِعَلَامَتِهِمْ وَآثَارِهِمْ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] هَذِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: «بِسِيمَائِهِمْ» فَيَمُدُّهَا، وَأَمَّا ثَقِيفٌ وَبَعْضُ أَسَدٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ:
«بِسِيمِيَائِهِمْ» ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السِّيمَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهَا لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ وُصِفَتْ صِفَتُهُمْ وَأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: 273] قَالَ: «التَّخَشُّعُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثٍ، قَالَ: كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: «هُوَ التَّخَشُّعُ» وَقَالَ آخَرُونَ يَعْنِي بِذَلِكَ: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَا الْفَقْرِ وَجَهْدِ الْحَاجَةِ فِي وُجُوهِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: 273] «بِسِيمَا الْفَقْرِ عَلَيْهِمْ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: 273] يَقُولُ: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمُ الْجَهْدَ مِنَ الْحَاجَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَعْرِفُهُمْ بِرَثَاثَةِ ثِيَابِهِمْ، وَقَالُوا: الْجُوعُ خَفِيُّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: 273] قَالَ: «السِّيمَا رَثَاثَةُ ثِيَابِهِمْ، وَالْجُوعُ خَفِيُّ عَلَى النَّاسِ، وَلَمْ تَسْتَطِعِ الثِّيَابُ الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ بِعَلَامَاتِهِمْ وَآثَارِ الْحَاجَةِ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُ تِلْكَ الْعَلَامَاتِ وَالْآثَارِ مِنْهُمْ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْعِيَانِ، فَيَعْرِفُهُمْ وَأَصْحَابُهُ بِهَا، كَمَا يُدْرَكُ الْمَرِيضُ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَرِيضٌ بِالْمُعَايَنَةِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ السِّيمَا كَانَتْ تَخَشُّعًا مِنْهُمْ، وَأَنْ تَكُونَ كَانَتْ أَثَرَ الْحَاجَةِ وَالضُّرِّ، وَأَنْ تَكُونَ كَانَتْ رَثَاثَةَ الثِّيَابِ، وَأَنْ تَكُونَ كَانَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تُدْرَكُ عَلَامَاتُ الْحَاجَةِ وَآثَارُ الضُّرِّ فِي الْإِنْسَانِ، وَيُعْلَمُ أَنَّهَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالضُّرِّ بِالْمُعَايَنَةِ دُونَ الْوَصْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ يَصِيرُ بِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ مَرَضِهِ مِنَ الْمَرَضِ نَظَرُ آثَارِ الْمَجْهُودِ مِنَ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ، وَقَدْ يَلْبَسُ الْغَنِيُّ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ الثِّيَابَ الرَّثَّةَ، فَيَتَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ الْحَاجَةِ، فَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ بِالصِّفَةِ عَلَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِهِ مُخْتَلٌّ ذُو فَاقَةٍ، وَإِنَّمَا يَدْرِي ذَلِكَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ بِسِيمَاهُ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ نَظِيرَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مَرِيضٌ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ دُونَ وَصْفِهِ بِصِفَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] يُقَالُ: قَدْ أَلْحَفَ السَّائِلُ
فِي مَسْأَلَتِهِ إِذَا أَلَحَّ فَهُوَ يُلْحِفُ فِيهَا إِلْحَافًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَسْأَلُونَ النَّاسَ غَيْرَ إِلْحَافٍ؟ قِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ تَعَفُّفٍ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ شَأْنِهِمْ لَمْ تَكُنْ صِفَتُهُمُ التَّعَفُّفَ، وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عِلْمِ مَعْرِفَتِهِمِ بِالْأَدِلَّةِ وَالْعَلَامَةِ حَاجَةٌ، وَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ الظَّاهِرَةُ تُنْبِئُ عَنْ حَالِهِمْ وَأَمْرِهِمْ
وَفِي الْخَبَرِ الَّذِي: حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ حِصْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَعْوَزْنَا مَرَّةٌ فَقِيلَ لِي: لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتَهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ مُعْنِقًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا وَاجَهَنِي بِهِ: «مِنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ سَأَلَنَا لَمْ نَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا نَجِدُهُ» ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، فَقُلْتُ: أَلَا اسْتَعَفَّ فَيُعِفَّنِي اللَّهُ، فَرَجَعْتُ فَمَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ حَاجَةٍ حَتَّى مَالَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا فَغَرَّقَتْنَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ التَّعَفُّفَ مَعْنًى يَنْفِي مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ مِنَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالتَّعَفُّفِ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالْمَسْأَلَةِ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] وَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ؟ قِيلَ لَهُ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالتَّعَفُّفِ وَعَرَّفَ عِبَادَهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ مَسْأَلَةٍ بِحَالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعْرَفُونَ بِالسِّيمَا، زَادَ عِبَادَهُ إِبَانَةً لَأَمْرِهِمْ، وَحُسْنِ ثَنَاءٍ عَلَيْهِمْ بِنَفْيِ الشَّرَهِ وَالضَّرَاعَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمُلِحِّينَ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُمْ، وَقَالَ: كَانَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَلَمَّا رَأَيْتُ مِثْلَ فُلَانٍ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَهُ مِثْلَهُ أَحَدًا وَلَا نَظِيرًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْإِلْحَافِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] قَالَ: «لَا يُلْحِفُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] قَالَ: «هُوَ الَّذِي يُلِحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَلِيمَ الْغَنِيَّ الْمُتَعَفِّفَ، وَيَبْغَضُ الْغَنِيَّ الْفَاحِشَ الْبَذِيَّ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ» قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ فَإِذَا شِئْتَ رَأَيْتَهُ فِي قِيلَ وَقَالَ يَوْمَهُ أَجْمَعَ وَصَدْرَ لَيْلَتِهِ، حَتَّى يُلْقَى جِيفَةً عَلَى فِرَاشِهِ، لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مِنْ نَهَارِهِ وَلَا لَيْلَتِهِ نَصِيبًا، وَإِذَا شِئْتَ رَأَيْتَهُ ذَا مَالٍ فِي شَهْوَتِهِ وَلَذَّاتِهِ وَمَلَاعِبِهِ، وَيُعْدِلُهُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ، فَذَلِكَ إِضَاعَةُ الْمَالِ، وَإِذَا شِئْتَ رَأَيْتَهُ بَاسِطًا ذِرَاعَيْهِ، يَسْأَلُ النَّاسَ فِي كَفَّيْهِ، فَإِذَا أُعْطِيَ أَفْرَطَ فِي مَدْحِهِمْ، وَإِنْ مُنِعَ أَفْرَطَ فِي ذَمِّهِمْ»