تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 454-459

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

صفحات 454-459
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] : «كَذَبُوا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ عَمَّا يَكْذِبُونَ، أَمَّا الْعَرَبُ فَجَعَلُوا لَهُ الْبَنَاتِ، وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الْغِلْمَانِ، وَأَمَّا الْيَهُودُ فَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا، وَلَقَدْ عَلِمْتِ الْجِنَّةُ أَنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: «خَرَصُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] يَقُولُ: " قَطَعُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، قَالَتِ الْعَرَبُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: الْمَسِيحُ وَعُزَيْرٌ ابْنَا اللَّهِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: " خَرَقُوا: كَذَبُوا، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ بَنُونَ وَلَا بَنَاتٍ، قَالَتِ النَّصَارَى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، فَكُلٌّ خَرَقُوا الْكَذِبَ.
وَخَرَقُوا: اخْتَرَقُوا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: «قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ» . ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ [الأنعام: 100] ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " خَرَقُوا: كَذَبُوا "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: «وَصَفُوا لَهُ»

حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: " تَفْسِيرُهَا: وَكَذَبُوا " فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ الْجِنَّ وَشُرَكَاءَ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِهِمْ بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا مُعِينٍ وَلَا ظَهِيرٍ.
﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [الأنعام: 100] يَقُولُ: وَتَخَرَّصُوا لِلَّهِ كَذِبًا، فَافْتَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِحَقِيقَةِ مَا يَقُولُونَ، وَلَكِنْ جَهْلًا بِاللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ إِلَهًا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ وَلَا صَاحِبَةٌ، وَلَا أَنْ يَشْرِكَهُ فِي خَلْقِهِ شَرِيكٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَنَزَّهَ اللَّهُ وَعَلَا فَارْتَفَعَ عَنِ الَّذِي يَصِفُهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ادِّعَائِهِمْ لَهُ شُرَكَاءَ مِنَ الْجِنِّ، وَاخْتِرَاقِهِمْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَتِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ خَلْقِهِ الَّذِينَ يَكُونُ مِنْهُمُ

الْجِمَاعُ الَّذِي يَحْدُثُ عَنْهُ الْأَوْلَادُ، وَالَّذِينَ تَضْطَرُّهُمْ لِضَعْفِهِمُ الشَّهَوَاتُ إِلَى اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ لِقَضَاءِ اللَّذَّاتِ، وَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْعَاجِزِ فَيَضْطَرُّهُ شَيْءٌ إِلَى شَيْءٍ، وَلَا بِالضَّعِيفِ الْمُحْتَاجِ فَتَدْعُوهُ حَاجَتُهُ إِلَى النِّسَاءِ إِلَى اتِّخَاذِ صَاحِبَةٍ لِقَضَاءِ لَذَّةٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿تَعَالَى﴾ [النحل: 3] : تَفَاعَلَ مِنَ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ.
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100] : أَنَّهُ يَكْذِبُونَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100] : «عَمَّا يَكْذِبُونَ» وَأَحْسَبُ أَنَّ قَتَادَةَ عَنَى بِتَأْوِيلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ فِي وَصْفِهِمُ اللَّهَ بِمَا كَانُوا يَصِفُونَهُ مِنِ ادِّعَائِهِمْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، لَا أَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْوَصْفِ إِلَى الْكَذِبِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ بِهِ لَهُ الْجِنَّ شُرَكَاءَ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ : يَعْنِي مُبْتَدِعُهَا وَمُحْدِثُهَا

وَمُوجِدُهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ

كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: «هُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ خَلْقَهُمَا جَلَّ جَلَالُهُ فَخَلَقَهُمَا وَلَمْ تَكُونَا شَيْئًا قَبْلَهُ» ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101] ، وَالْوَلَدُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الذِّكْرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ صَاحِبَةٌ فَيَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي

خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
يَقُولُ: فَإِذَا كَانَ لَا شَيْءَ إِلَّا اللَّهُ خَلَقَهُ، فَأَنَّى يَكُونُ لِلَّهِ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ فَيَكُونُ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ؟

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 101] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا خَالِقَ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا تَدْعُونَ أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ، مَلَكًا كَانَ الَّذِي تَدْعُونَهُ رَبًّا وَتَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ جِنِيًّا أَوْ إِنْسِيًّا.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[البقرة: 29] يَقُولُ: وَاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا خَلَقَ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، عَالِمٌ بِعَدَدِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ وَأَعْمَالِ مَنْ دَعَوْتُمُوهُ رَبًّا أَوْ لِلَّهِ وَلَدًا، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، هُوَ اللَّهُ رَبُّكُمْ أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ، وَالْجَاعِلُونَ لَهُ الْجِنَّ شُرَكَاءَ، وَآلِهَتَكُمُ الَّتِي لَا تَمْلِكُ نَفْعًا

وَلَا ضَرًّا، وَلَا تَفْعَلُ خَيْرًا وَلَا شَرًّا.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] : وَهَذَا تَكْذِيبٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْجِنَّ شُرَكَاءُ اللَّهِ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: أَيُّهَا الْجَاهِلُونُ، إِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ وَالْعِبَادَةُ إِلَّا الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِبَادَتُكُمْ وَعِبَادَةُ جَمِيعِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا لَهُ خَالِصَةً بِغَيْرِ شَرِيكٍ تُشْرِكُونَهُ فِيهَا، فَإِنَّهُ خَالِقُ كُلِّ

شَيْءٍ وَبَارِئُهُ وَصَانِعُهُ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَصْنُوعِ أَنْ يُفْرِدَ صَانِعَهُ بِالْعِبَادَةِ.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: 51] يَقُولُ: فَذِلُّوا لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْخِدْمَةِ، وَاخْضَعُوا لَهُ بِذَلِكَ.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102] يَقُولُ: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ رَقِيبٌ وَحَفِيظٌ يَقُومُ بِأَرْزَاقِ جَمِيعِهِ وَأَقْوَاتِهِ وَسِيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ بِقُدْرَتِهِ

جارٍ التحميل