تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 424-435

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

صفحات 424-435
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[الأنعام: 96]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] : شَاقَّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ.
وَالْإِصْبَاحُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَصْبَحْنَا إِصْبَاحًا وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «إِضَاءَةُ الصُّبْحِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «إِضَاءَةُ الْفَجْرِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «فَالِقُ الصُّبْحِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] " يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ: ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءَ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، قَالَ: ثنا عَنْبَسَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ قَالَ: «فَالِقُ الصُّبْحِ»

حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ مَرَّةً بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «إِضَاءَةُ الصُّبْحِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «فَلَقَ الْإِصْبَاحَ عَنِ اللَّيْلِ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] يَقُولُ: «خَالِقُ النُّورِ، نُورَ النَّهَارِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: خَالِقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] بِفَتْحِ الْأَلِفِ كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى جَمْعِ صُبْحٍ، كَأَنَّهُ أَرَادَ صُبْحَ كُلِّ يَوْمٍ، فَجَعَلَهُ أَصْبَاحًا، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ.

وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا بِكَسْرِ الْأَلِفِ ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَرَفْضِ خِلَافِهِ

وَأَمَا قَوْلُهُ: (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) بِالْأَلِفِ، عَلَى لَفْظِ الِاسْمِ وَرَفَعَهُ عَطْفًا عَلَى (فَالِقُ) وَخَفْضِ (اللَّيْلِ) بِإِضَافَةِ (جَاعِلُ) إِلَيْهِ، وَنَصْبِ (الشَّمْسِ) وَ (الْقَمَرِ) عَطْفًا عَلَى

مَوْضِعِ (اللَّيْلِ) ، لِأَنَّ (اللَّيْلَ) وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، لِأَنَّهُ مَفْعُولُ (جَاعِلُ) ، وَحَسَنٌ عَطْفُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى اللَّيْلِ لَا عَلَى لَفْظِهِ، لِدُخُولِ قَوْلِهِ: ﴿سَكَنًا﴾ [الأنعام: 96] بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّيْلِ، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] قُعُودًا لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّابَ حَاجَةٍ ... عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرَا فَنَصَبَ الْحَاجَةَ الثَّانِيَةَ عَطْفًا بِهَا عَلَى مَعْنَى الْحَاجَةِ الْأُولَى، لَا عَلَى لَفْظِهَا، لِأَنَّ مَعْنَاهَا النَّصْبُ وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظِ خَفْضًا.
وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا مَعْطُوفًا بِالثَّانِي عَلَى مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ لَا عَلَى لَفْظِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: [البحر الوافر]

فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرُهُ أَتَانَا ... مُعَلِّقَ شَكْوَةٍ وَزِنَادَ رَاعِ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ﴾ [الأنعام: 96] عَلَى (فَعَلَ) بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَنَصْبِ (اللَّيْلَ) . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيْهِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي الْإِعْرَابِ وَالْمَعْنَى.
وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا، لِأَنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ بِالنَّهَارِ، وَيَهْدَأُ فِيهِ فَيَسْتَقِرُّ فِي مَسْكَنِهِ وَمَأْوَاهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِي أَفْلَاكِهِمَا بِحِسَابٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] يَعْنِي: «عَدَدَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «يَجْرِيَانِ إِلَى أَجَلٍ جُعِلَ لَهُمَا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] يَقُولُ: «بِحِسَابٍ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: " الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي حِسَابٍ، فَإِذَا خَلَتْ أَيَّامُهُمَا فَذَاكَ آخِرُ الدَّهْرِ، وَأَوَّلُ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: «يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] قَالَ: " هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: وَ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ضِيَاءً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] : «أَيْ ضِيَاءً» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَعَدَدٍ لِبُلُوغِ أَمْرِهِمَا وَنَهَايَةِ آجَالِهِمَا، وَيَدُورَانِ لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ الَّتِي جُعِلَا لَهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَيَادِيهِ عِنْدَ خَلْقِهِ وَعِظَمَ سُلْطَانِهِ، بِفَلْقِهِ الْإِصْبَاحَ لَهُمْ وَإِخْرَاجَ النَّبَاتِ وَالْغِرَاسِ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ خَلْقَ النُّجُومِ لِهِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَكَانَ وَصْفُهُ إِجْرَاءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِمَنَافِعِهِمْ أَشْبَهَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ذِكْرِ إِضَاءَتِهِمَا لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96] ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ لِغَيْرِ مَعْنًى.
وَالْحُسْبَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: جَمْعُ حِسَابٍ، كَمَا الشُهْبَانُ جَمْعُ شِهَابٍ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحُسْبَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حَسَبْتُ الْحِسَابَ أَحْسُبُهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا.
وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُ فُلَانٍ وَحِسْبَتُهُ: أَيْ حِسَابُهُ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ قَتَادَةَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمَعْنَى الضِّيَاءِ، ذَهَبَ إِلَى شَيْءٍ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: 40] ، قَالَ: نَارًا، فَوَجَّهَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي شَيْءٍ.

وَأَمَّا (الْحِسْبَانُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، فَإِنَّهُ جَمْعُ الْحِسْبَانَةِ: وَهِيَ الْوِسَادَةُ الصَّغِيرَةُ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأُولَيَيْنِ أَيْضًا فِي شَيْءٍ، يُقَالُ: حَسِبْتُهُ: أَجْلَسْتُهُ عَلَيْهَا، وَنَصَبَ قَوْلَهُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ﴾ [الأنعام: 96] . وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: وَ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96] أَيْ بِحِسَابٍ، فَحَذَفَ الْبَاءَ كَمَا حَذَفَهَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 117] ، أَيْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيرِ الْعَلِيمِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي وَصَفَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَهُوَ فَلْقُهُ الْإِصْبَاحَ، وَجَعْلُهُ اللَّيْلَ سَكَنًا، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا، تَقْدِيرُ الَّذِي عَزَّ سُلْطَانُهُ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَرَادَهُ بِسُوءٍ وَعِقَابٍ أَوِ انْتِقَامٍ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، الْعَلِيمُ

بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِمْ، لَا تَقْدِيرَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ، وَلَا تَفْقَهُ شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُهُ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَإِنْ أُرِيدَتْ بِسُوءٍ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ مِمَّنْ أَرَادَهَا بِهِ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَخْلِصُوا أَيُّهَا الْجَهَلَةُ عِبَادَتَكُمْ لِفَاعِلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 97] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ النُّجُومَ أَدِلَّةً فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِذَا ضَلَلْتُمُ الطَّرِيقَ، أَوْ تَحَيَّرْتُمْ فَلَمْ تَهْتَدُوا فِيهَا لَيْلًا تَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى

الْمَحَجَّةِ، فَتَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى الطَّرِيقِ وَالْمَحَجَّةِ فَتَسْلُكُونَهُ، وَتَنْجَوْنَ بِهَا مِنْ ظُلُمَاتِ

ذَلِكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] ، أَيْ مِنْ ضَلَالِ الطَّرِيقِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَعَنَى بِالظُّلُمَاتِ: ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وَظُلْمَةَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ، وَظُلْمَةَ الْأَرْضِ أَوِ الْمَاءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 97] يَقُولُ: قَدْ مَيَّزْنَا الْأَدِلَّةَ وَفَرَّقْنَا الْحُجَجَ فِيكُمْ وَبَيَّنَّاهَا أَيُّهَا النَّاسُ لِيَتَدَبَّرَهَا أُولُو الْعِلْمِ بِاللَّهِ مِنْكُمْ وَيَفْهَمَهَا أُولُو الْحِجَا مِنْكُمْ، فَيُنِيبُوا مِنْ جَهْلِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ، وَيَنْزَجِرُوا عَنْ خَطَأِ فِعْلِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ثَابِتُونَ، وَلَا يَتَمَادُوا عِنَادًا لِلَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ خَطَأٌ فِي غَيِّهِمْ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97] قَالَ: «يَضِلُّ الرَّجُلُ وَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ وَالْجَوْرِ عَنِ الطَّرِيقِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: 98] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِلَهُكُمْ أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ﴿الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ [الأنعام: 98] يَعْنِي: الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فَأَوْجَدَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1] يَعْنِي: مِنْ

آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1] قَالَ: «آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأنعام: 98] : «مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: 98] ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ مُخْتَلِفُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَمِنْكُمْ مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ، وَمِنْكُمْ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْقَبْرِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ لِنَشْرِ الْقِيَامَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ [هود: 6] وَمُسْتَوْدَعَهَا، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَيْثُ تَمُوتُ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ تَمُوتُ، وَالْمُسْتَقَرُّ: مَا فِي الرَّحِمِ "

حُدِّثْتُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " الْمُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ، وَالْمُسْتَوْدَعُ: الْمَكَانُ الَّذِي تَمُوتُ

فِيهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6] ، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمُسْتَوْدَعُهَا فِي الْأَرْضِ حَيْثُ تَمُوتُ فِيهَا»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا فِي الصُّلْبِ حَيْثُ تَأْوِيلُ إِلَيْهِ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَيْثُ تَمُوتُ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُسْتَوْدَعُ: مَا كَانَ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَالْمُسْتَقَرُّ: مَا كَانَ فِي بُطُونِ النِّسَاءِ وَبُطُونِ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى ظُهُورِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا كُلْثُومُ بْنُ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: 98] ، قَالَ: «مُسْتَوْدَعُونَ مَا كَانُوا فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، فَإِذَا قُرُّوا فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَوْ فِي بَطْنِهَا، فَقَدِ اسْتَقَرُّوا»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: 98] ، قَالَ: " الْمُسْتَوْدَعُونَ: مَا كَانُوا فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، فَإِذَا قُرُّوا

جارٍ التحميل