تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 106-116

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: 69] يَعْنِي خَالِصٌ لَوْنُهَا، وَالْفُقُوعُ فِي الصُّفْرِ نَظِيرُ النُّصُوعِ فِي الْبَيَاضِ، وَهُوَ شِدَّتُهُ وَصَفَاؤُهُ

صفحات 106-116
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا آدَمَ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: 71] أَيْ لَمْ يُذَلِّلْهَا الْعَمَلُ ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 71] يَعْنِي لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرُ الْأَرْضَ ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: تُثِيرُ الْأَرْضَ بِأَظْلَافِهَا ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: لَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ الْأَعْرَجُ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " قَوْلُهُ: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتَفْعَلُ ذَلِكَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: «لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ»

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 71] تُقَلِّبُ الْأَرْضَ لِلْحَرْثِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَثَرْتُ الْأَرْضَ أُثِيرُهَا إِثَارَةً: إِذَا قَلَّبْتُهَا لِلزَّرْعِ.

وَإِنَّمَا وَصَفَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا قِيلَ وَحْشِيَّةً

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَتْ وَحْشِيَّةً»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] وَمَعْنَى ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] مُفَعَّلَةٌ مِنَ السَّلَامَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: سَلِمَتْ تَسْلَمُ فَهِيَ مُسَلَّمَةٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي سَلِمَتْ مِنْهُ، فَوَصَفَهَا اللَّهُ بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ

فَقَالَ مُجَاهِدٌ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ وَ ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] قَالَ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] أَيْ مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: لَا عَيْبَ فِيهَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا آدَمَ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] يَعْنِي مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ " حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] لَا عَوَارَ فِيهَا " وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِمَّا قَالَهُ مُجَاهِدٌ؛ لِأَنَّ سَلَامَتَهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَلْوَانِ سِوَى لَوْنِ جِلْدِهَا، لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] مُكْتَفًى عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] مَا يُوَضِّحُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: 71] غَيْرُ مَعْنَى

قَوْلِهِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَمْ تُذَلِّلْهَا إِثَارَةُ الْأَرْضِ وَقَلْبِهَا لِلْحِرَاثَةِ وَلَا السُّنُوُّ عَلَيْهَا لِلْمَزَارِعِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] لَا لَوْنَ فِيهَا يُخَالِفُ لَوْنَ جِلْدِهَا.
وَأَصْلُهُ مِنْ وَشْيِ الثَّوْبِ، وَهُوَ تَحْسِينُ عُيُوبِهِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ بِضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ أَلْوَانِ سَدَاهُ وَلُحْمَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَشَيْتُ الثَّوْبَ فَأَنَا أَشِيُهُ شِيَةً وَوَشْيًا.
وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّاعِي بِالرَّجُلِ إِلَى

السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ: وَاشٍ، لِكَذِبَةٍ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَتَحْسِينِهِ كَذِبَهُ بِالْأَبَاطِيلِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَشَيْتُ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ وِشَايَةً.
وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: [البحر البسيط] تَسْعَى الْوُشَاةُ جَنَابَيْهَا وَقَوْلُهُمْ ... إِنَّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وَالْوُشَاةُ جَمْعُ وَاشٍ: يَعْنِي أَنَّهُمْ يَتَقَوَّلُونَ بِالْأَبَاطِيلِ.
وَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُ إِنْ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَهُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْوَشْيَ: الْعَلَامَةُ.
وَذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ تَحْسِينَ الثَّوْبِ بِالْأَعْلَامِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْقَائِلَ: وَشَيْتُ بِفُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ: جَعَلْتُ لَهُ عِنْدَهُ عَلَامَةً.
وَإِنَّمَا قِيلَ.
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] وَهِيَ مِنْ وَشَيْتُ.
لِأَنَّ الْوَاوَ لَمَّا أُسْقِطَتْ مِنْ أَوَّلِهَا أُبْدِلَتْ مَكَانَهَا الْهَاءُ فِي آخِرِهَا، كَمَا قِيلَ.
وَزَنْتُهُ زِنَةً، وَوَسَيْتُهُ سِيَةً،

وَوَعَدْتُهُ عِدَةً، وَوَدَيْتُهُ دِيَةً.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] أَيْ لَا بَيَاضَ فِيهَا " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا آدَمَ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: لَا بَيَاضَ فِيهَا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ، ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] أَيْ لَا بَيَاضُ فِيهَا وَلَا سَوَادَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] قَالَ: لَوْنُهَا وَاحِدٌ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ سِوَى لَوْنِهَا "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] مِنْ بَيَاضٍ وَلَا سَوَادٍ وَلَا حُمْرَةٍ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] هِيَ صَفْرَاءُ لَيْسَ فِيهَا بَيَاضٌ وَلَا سَوَادٌ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: لَا بَيَاضَ فِيهَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: الْآنَ بَيَّنْتَ لَنَا الْحَقَّ فَتَبَيَّنَّاهُ، وَعَرَفْنَا أَيَّةَ بَقَرَةٍ عَيَّنْتَ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ قَتَادَةُ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] أَيِ الْآنَ بَيَّنْتَ لَنَا " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ نَسَبُوا نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ بِالْحَقِّ فِي أَمْرِ الْبَقَرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " اضْطُرُّوا إِلَى بَقَرَةٍ لَا يَعْلَمُونَ عَلَى صِفَتِهَا غَيْرَهَا، وَهِيَ صَفْرَاءُ لَيْسَ فِيهَا سَوَادٌ وَلَا بَيَاضٌ، فَقَالُوا: هَذِهِ بَقَرَةُ فُلَانٍ ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] وَقَبْلَ ذَلِكَ وَاللَّهِ قَدْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ " وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] قَوْلُ قَتَادَةَ؛ وَهُوَ أَنَّ تَأْوِيلَهُ: الْآنَ بَيَّنْتَ لَنَا الْحَقَّ فِي أَمْرِ الْبَقَرَةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهَا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا ذَبْحُهَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ أَطَاعُوهُ فَذَبَحُوهَا بَعْدَ قِيلِهِمْ هَذَا مَعَ غِلَظِ مُؤْنَةِ ذَبْحِهَا عَلَيْهِمْ وَثِقَلِ أَمْرِهَا، فَقَالَ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا بِقَوْلِهِمُ: الْآنَ بَيَّنْتُ لَنَا الْحَقَّ، هِرَاءٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَتَوْا خَطَأً وَجَهْلًا مِنَ الْأَمْرِ.
وَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُبِينًا لَهُمْ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ سَأَلُوهَا إِيَّاهُ، وَرَدَّ رَادُّوهُ فِي أَمْرِ الْبَقَرَةِ الْحَقَّ.
وَإِنَّمَا يُقَالُ: الْآنَ بَيَّنْتَ لَنَا الْحَقَّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُبِينًا قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ كُلُّ قِيلِهِ فِيمَا أَبَانَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَقًّا وَبَيَانًا، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ لَهُ فِي بَعْضِ مَا أَبَانَ عَنِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَدَّى عَنْهُ إِلَى عِبَادِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِمْ: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ سَلَفَ يَزْعُمُ أَنَّ الْقَوْمَ ارْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ، وَكَفَرُوا بِقَوْلِهِمْ لِمُوسَى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] وَيَزْعُمُ إِنَّهُمْ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَتَاهُمْ بِالْحَقِّ فِي أَمْرِ الْبَقَرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقِيلِهِمْ كُفْرٌ.

وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُمْ أَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ بِذَبْحِهَا، وَإِنْ كَانَ قِيلُهُمُ الَّذِي قَالُوهُ لِمُوسَى جَهْلَةً مِنْهُمْ وَهَفْوَةً مِنْ هَفَوَاتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ [البقرة: 71] فَذَبَحَ قَوْمُ مُوسَى الْبَقَرَةَ الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِذَبْحِهَا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] أَيْ قَارَبُوا أَنْ يَدَعُوا ذَبْحَهَا، وَيَتْرُكُوا فَرْضَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ

الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ كَادُوا أَنْ يُضَيِّعُوا فَرْضَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي ذَبْحِ مَا أَمَرَهُمْ بِذَبْحِهِ مِنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ السَّبَبُ كَانَ غَلَاءُ ثَمَنِ الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا وَبُيِّنَتْ لَهُمْ صِفَتُهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] قَالَ: لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ الْهِلَالِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: ثنا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: " ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] قَالَ: مِنْ كَثْرَةِ قِيمَتِهَا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَحَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ، ذَكَرَ أَنَّ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ دَخَلَ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ: " قَوْلُهُ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] لِكَثْرَةِ الثَّمَنِ، أَخَذُوهَا بِمِلْءِ مَسْكِهَا ذَهَبًا مِنْ مَالِ الْمَقْتُولِ، فَكَانَ سَوَاءً لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ فَذَبَحُوهَا "

حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] يَقُولُ: كَادُوا لَا يَفْعَلُونَ.
وَلَمْ يَكُنِ الَّذِي أَرَادُوا لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ لَا يَذْبَحُوهَا، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ كَادَ أَوْ كَادُوا أَوْ لَوْ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] " وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَكَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ خَوْفَ الْفَضِيحَةِ إِنِ أَطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى قَاتِلِ الْقَتِيلِ الَّذِي اخْتَصَمُوا فِيهِ إِلَى مُوسَى.
وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكَادُوا يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ لِلْخَلَّتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا إِحْدَاهُمَا غَلَاءُ ثَمَنِهَا مَعَ ذِكْرِ مَا لَنَا مِنْ صِغَرِ خَطَرِهَا وَقِلَّةِ قِيمَتِهَا.
وَالْأُخْرَى خَوْفُ عَظِيمِ الْفَضِيحَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِإِظْهَارِ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَتْبَاعَهُ عَلَى قَاتِلِهِ.

فَأَمَّا غَلَاءُ ثَمَنِهَا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ لَنَا فِيهِ ضُرُوبٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ

فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «اشْتَرُوهَا بِوَزْنِهَا عَشَرَ مَرَّاتٍ ذَهَبًا، فَبَاعَهُمْ صَاحِبُهَا إِيَّاهَا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: «اشْتَرَوْهَا بِمِلْءِ جِلْدِهَا دَنَانِيرَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَتِ الْبَقَرَةُ لِرَجُلٍ يَبَرُّ أُمَّهُ فَرَزَقَهُ اللَّهُ أَنْ جَعَلَ تِلْكَ الْبَقَرَةَ لَهُ، فَبَاعَهَا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «أَعْطُوا صَاحِبَهَا مِلْءَ مَسْكِهَا ذَهَبًا فَبَاعَهَا مِنْهُمْ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا، يَقُولُ: «اشْتَرَوْهَا مِنْهُ عَلَى أَنْ يَمْلَئُوا لَهُ جِلْدَهَا دَنَانِيرَ، ثُمَّ ذَبَحُوهَا فَعَمَدُوا إِلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ فَمَلَئُوهُ دَنَانِيرَ، ثَمَنٌ دَفَعُوهَا إِلَيْهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِائِعَهَا بِمَالٍ أَبَدًا، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى جَعَلُوا لَهُ أَنْ يَسْلُخُوا لَهُ مَسْكَهَا فَيَمْلَئُوهُ لَهُ دَنَانِيرَ، فَرَضِيَ بِهِ فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا»

جارٍ التحميل