الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: أَنَّ رَجُلًا، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحَاصِرُ وَادِي الْقُرَى قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: " هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ: النَّصَارَى " وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ بُدَيْلٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: «هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ» يَعْنِي النَّصَارَى
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ وَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: «الضَّالُّونَ» يَعْنِي النَّصَارَى
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قَالَ: النَّصَارَى "
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قَالَ: وَغَيْرِ طَرِيقِ النَّصَارَى الَّذِينَ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ.
قَالَ: يَقُولُ: فَأَلْهِمْنَا دِينَكَ الْحَقَّ، وَهُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حَتَّى لَا تَغْضَبَ عَلَيْنَا كَمَا غَضِبْتَ عَلَى الْيَهُودِ وَلَا تُضِلَّنَا كَمَا أَضْلَلْتَ النَّصَارَى فَتُعَذِّبَنَا بِمَا تُعَذِّبُهُمْ بِهِ.
يَقُولُ: امْنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ بِرِفْقِكَ وَرَحْمَتِكَ وَقُدْرَتِكَ "
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الضَّالِّينَ النَّصَارَى»
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] : هُمُ النَّصَارَى "
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعٍ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] : النَّصَارَى "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] النَّصَارَى "
وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] النَّصَارَى " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكُلُّ حَائِدٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ وَسَالِكٍ غَيْرَ الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ فَضَالٌّ عِنْدَ الْعَرَبِ لِإِضْلَالِهِ وَجْهَ الطَّرِيقِ، فَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ النَّصَارَى ضُلَّالًا لِخَطَئِهِمْ فِي الْحَقِّ مَنْهَجَ السَّبِيلِ، وَأَخْذِهِمْ مِنَ الدِّينِ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ صِفَةِ الْيَهُودِ؟ قِيلَ: بَلَى.
فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ خَصَّ النَّصَارَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَخَصَّ الْيَهُودَ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ؟ قِيلَ: إِنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ ضُلَّالٌ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَسَمَ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مِنْ صِفَتِهِ لِعِبَادِهِ بِمَا يَعْرِفُونَهُ بِهِ إِذَا ذَكَرَهُ لَهُمْ، أَوْ أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ، وَلَمْ يُسَمِّ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا بِمَا هُوَ لَهُ صِفَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الذَّمِّ زِيَادَاتٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَهْلِ الْغَبَاءِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ فِيَ وَصْفِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّصَارَى بِالضُّلَالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] وَإِضَافَتِهِ الضُّلَّالَ إِلَيْهِمْ دُونَ إِضَافَةِ إِضْلَالِهِمْ
إِلَى نَفْسِهِ، وَتَرْكِهِ وَصْفَهُمْ بِأَنَّهُمُ الْمُضِلُّلونَ كَالَّذِي وَصَفَ بِهِ الْيَهُودَ أَنَّهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ إِخْوَانُهُ مِنْ جَهَلَةِ الْقَدَرِيَّةِ جَهْلًا مِنْهُ بِسِعَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَتَصَارِيفِ وُجُوهِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ظَنِّهِ الْغَبِيِّ الَّذِي وَصَفْنَا شَأْنَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَأْنُ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ أَوْ مُضَافٍ إِلَيْهِ فِعْلٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سَبَبٌ لِغَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ سَبَبٌ فَالْحَقُّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى مُسَبِّبِهِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَطَأً قَوْلُ الْقَائِلِ: تَحَرَّكَتِ الشَّجَرَةُ إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيَاحُ، وَاضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ، إِذَا حَرَّكَتْهَا الزَّلْزَلَةُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَطُولُ بِإِحْصَائِهِ الْكِتَابُ.
وَفِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] بِإِضَافَتِهِ الْجَرْيَ إِلَى الْفُلْكِ، وَإِنْ كَانَ جَرْيُهَا بِإِجْرَاءِ غَيْرِهَا إِيَّاهَا، مَا يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] وَادِّعَائِهِ أَنَّ فِيَ نِسْبَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الضَّلَالَةَ إِلَى مَنْ نَسَبَهَا إِلَيْهِ مِنَ النَّصَارَى تَصْحِيحًا لِمَا ادَّعَى الْمُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْعَالِ خَلْقِهِ سَبَبٌ مِنْ أَجْلِهِ وُجِدَتْ أَفْعَالُهُمْ، مَعَ إِبَانَةِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ نَصًّا فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِنْ تَنْزِيلِهِ أَنَّهُ الْمُضِلُّ الْهَادِي؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] فَأَنْبَأَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ الْمُضِلُّ الْهَادِي دُونَ غَيْرِهِ.
وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُسَبِّبُهُ غَيْرَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا إِلَى مُسَبِّبِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الْفِعْلُ غَيْرَهُ.
فَكَيْفَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ كَسْبًا وَيُوجِدُهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَيْنًا مُنْشَأَةً؟ بَلْ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُضَافَ إِلَى مُكْتَسِبِهِ كَسْبًا لَهُ بِالْقُوَّةِ مِنْهُ عَلَيْهِ وَالِاخْتِيَارِ مِنْهُ لَهُ، وَإِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِإِيجَادِ عَيْنِهِ وَإِنْشَائِهَا تَدْبِيرًا.
مَسْأَلَةٌ يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ الطَّاعِنُونَ فِي الْقُرْآنِإِنْ سَأَلَنَا مِنْهُمْ سَائِلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ قَدَّمْتَ فِي أَوَّلِ كِتَابِكَ هَذَا فِي وَصْفِ الْبَيَانِ بِأَنَّ أَعْلَاهُ دَرَجَةً وَأَشْرَفَهُ مَرْتَبَةً، أَبْلَغُهُ فِي الْإِبَانَةِ عَنْ حَاجَةِ الْمُبِينِ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَبْيَنُهُ عَنْ مُرَادِ قَائِلِهِ وَأَقْرَبُهُ مِنْ فَهْمِ سَامِعِهِ، وَقُلْتَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّ أَوْلَى الْبَيَانِ بِأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ وَبِارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ عَلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْبَيَانِ.
فَمَا الْوَجْهُ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ فِي إِطَالَةِ الْكَلَامِ بِمِثْلِ سُورَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ بِسَبْعِ آيَاتٍ؟ وَقَدْ حَوَتْ مَعَانِي جَمِيعِهَا مِنْهَا آيَتَانِ،
وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] إِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ عَرَفَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَقَدْ عَرَفَهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْمُثْلَى.
وَأَنَّ مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لِسَبِيلِ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ مُتَّبِعٌ، وَعَنْ سَبِيلِ مَنْ غَضِبِ عَلَيْهِ وَضَلَّ مُنْعَدِلٌ، فَمَا فِي زِيَادَةِ الْآيَاتِ الْخَمْسِ الْبَاقِيَةِ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي لَمْ تَحْوِهَا الْآيَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْنَا؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَمَعَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ مَعَانِيَ لَمْ يَجْمَعْهُنَّ بِكِتَابٍ أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيٍّ قَبْلَهُ وَلَا لَأُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ قَبْلَهُ، فَإِنَّمَا أُنْزِلَ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْوِي جَمِيعَهَا كِتَابُهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَالتَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ مَوَاعِظُ وَتَفْصِيلٌ، وَالزَّبُورِ الَّذِي هُوَ تَحْمِيدٌ وَتَمْجِيدٌ، وَالْإِنْجِيلِ الَّذِي هُوَ مَوَاعِظُ وَتَذْكِيرٌ؛ لَا مُعْجِزَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا تَشْهَدُ لِمَنْ أُنْزِلَ إِلَيْهِ بِالتَّصْدِيقِ.
وَالْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْوِي مَعَانِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي سَائِرُ الْكُتُبِ غَيْرُهُ مِنْهَا خَالٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
وَمِنْ أَشْرَفِ تِلْكَ الْمَعَانِي الَّتِي فَضَلَ بِهَا كِتَابُنَا سَائِرَ الْكُتُبِ قَبْلَهُ: نَظْمُهُ الْعَجِيبُ، وَرَصْفُهُ الْغَرِيبُ، وَتَأْلِيفُهُ الْبَدِيعُ، الَّذِي عَجَزَتْ عَنْ نَظْمِ مِثْلِ أَصْغَرِ سُورَةٍ مِنْهُ الْخُطَبَاءُ، وَكَلَّتْ عَنْ وَصْفِ شَكْلِ بَعْضِهِ الْبُلَغَاءُ، وَتَحَيَّرَتْ فِي تَأْلِيفِهِ
الشُّعَرَاءُ، وَتَبَلَّدَتْ قُصُورًا عَنْ أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْلِهِ لَدَيْهِ أَفْهَامُ الْفُهَمَاءُ.
فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا التَّسْلِيمَ، وَالْإِقْرَارَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، مَعَ مَا يَحْوِي مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ تَرْغِيبٌ، وَتَرْهِيبٌ، وَأَمْرٌ، وَزَجْرٌ، وَقِصَصٌ، وَجَدَلٌ، وَمَثَلٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَمْ تَجْتَمِعُ فِي كِتَابٍ أُنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ.
فَمَهْمَا يَكُنْ فِيهِ مِنْ إِطَالَةٍ عَلَى نَحْوِ مَا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ، فَلِمَا وَصَفْتُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بِرَصْفِهِ الْعَجِيبِ، وَنَظْمِهِ الْغَرِيبِ، الْمُنْعَدِلِ عَنْ أَوْزَانِ الْأَشْعَارِ، وَسَجْعِ الْكُهَّانِ، وَخُطَبِ الْخُطَبَاءِ، وَرَسَائِلِ الْبُلَغَاءِ، الْعَاجِزِ عَنْ وَصْفِ مِثْلِهِ جَمِيعُ الْأَنَامِ، وَعَنْ نَظْمِ نَظِيرِهِ كُلُّ الْعِبَادِ الدَّلَالَةَ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَبِمَا فِيهِ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَمْجِيدٍ وَثَنَاءٍ عَلَيْهِ، تَنْبِيهًا لِلْعِبَادِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِظَمِ مَمْلَكَتِهِ، لِيَذْكُرُوهُ بِآلَائِهِ وَيَحْمَدُوهُ عَلَى نَعْمَائِهِ، فَيَسْتَحِقُّوا بِهِ مِنْهُ الْمَزِيدَ وَيَسْتَوْجِبُوا عَلَيْهِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ.
وَبِمَا فِيهِ مِنْ نَعْتِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ لِطَاعَتِهِ، تَعْرِيفَ عِبَادِهِ أَنَّ كُلَّ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَمِنْهُ، لِيَصْرِفُوا رَغْبَتَهُمْ إِلَيْهِ، وَيَبْتَغُوا حَاجَاتِهِمْ مِنْ عِنْدِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَبِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِهِ مَا أَحَلَّ بِمَنْ عَصَاهُ مِنْ مَثُلَاتِهِ، وَأَنْزَلَ بِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ مِنْ عُقُوبَاتِهِ؛ تَرْهِيبَ عِبَادِهِ عَنْ رُكُوبِ مَعَاصِيهِ، وَالتَّعَرُّضَ لِمَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ مِنْ سَخَطِهِ، فَيَسْلُكُ بِهِمْ فِي النَّكَالِ وَالنِّقْمَاتِ سَبِيلَ مَنْ رَكِبَ ذَلِكَ مِنَ الْهُلَّاكِ.
فَذَلِكَ وَجْهُ إِطَالَةِ الْبَيَانِ فِي سُورَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَفِيمَا كَانَ نَظِيرًا لَهَا مِنْ سَائِرِ سُوَرِ الْفُرْقَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الْكَامِلَةُ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ، مَوْلَى زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَهَذَا لِي.
وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] إِلَى أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ قَالَ: فَذَاكَ لَهُ " حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلَهُ مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ
: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، قَالَ: هَذَا لِي وَلَهُ مَا بَقِيَ " آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ