الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 176]
أَمَا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 176] فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِي الْمَعْنِيِّ بِـ «ذَلِكَ» ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى «ذَلِكَ» فِعْلُهُمْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَ مِنْ جَرَاءَتِهِمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَكِتْمَانِهِمُ النَّاسَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَمْرِهِمْ بِبَيَانِهِ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَمْرِ دِينِهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَزَّلَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَتَنْزِيلُهُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ هُوَ خَبَرُهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7] فَهُمْ مَعَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ غَيْرُ اشْتِرَاءِ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَالْعَذَابِ بِالْمَغْفِرَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ، وَالْكِتَابُ حَقٌّ.
كَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَيْهِ، مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَنْزِيلِهِ أَنَّ النَّارَ لِلْكَافِرِينَ، وَتَنْزِيلُهُ حَقٌّ، فَالْخَبَرُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُضْمَرٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ أَهْلَ النَّارِ فَقَالَ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175] ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْعَذَابُ بِكُفْرِهِمْ، وَ «هَذَا» هَاهُنَا عِنْدَهُمْ هِيَ الَّتِي يَجُوزُ مَكَانَهَا «ذَلِكَ» كَأَنَّهُ قَالَ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ، قَالَ: فَيَكُونُ «ذَلِكَ» إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ نَصْبًا وَيَكُونُ رَفْعًا بِالْبَاءِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ مَا حَوَاهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: 174] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 176] مِنْ خَبَرِهِ عَنْ أَفْعَالِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ
وَذِكْرِهِ مَا أَعَدَّ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الْعِقَابِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ بِكِتْمَانِهِمُ النَّاسَ مَا كَتَمُوا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ طَلَبًا مِنْهُمْ لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا خَسِيسٍ، وَبِخَلَافِهِمْ أَمْرِي وَطَاعَتِي وَذَلِكَ مِنْ تَرْكِي تَطْهِيرَهُمْ وَتَزْكِيَتَهُمْ وَتَكْلِيمَهُمْ، وَإِعْدَادِي لَهُمُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ بِأَنِّي أَنْزَلْتُ كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ.
فَيَكُونُ فِي «ذَلِكَ» حِينَئِذٍ وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: رَفْعٌ وَنَصْبٌ، وَالرَّفْعُ بِالْبَاءَ، وَالنُّصْبُ بِمَعْنَى: فَعَلْتُ ذَلِكَ بِأَنِّي أَنْزَلْتُ كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَتَرَكَ ذِكْرَ: «فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا» اجْتِزَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 176] يَعْنِي بِذَلِكَ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، اخْتَلَفُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَكَفَرَتِ الْيَهُودُ بِمَا قَصَّ اللَّهُ فِيهِ مِنْ قَصَصِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأُمِّهِ، وَصَدَّقَتِ النَّصَارَى بِبَعْضِ ذَلِكَ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وَكَفَرُوا جَمِيعًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لَفِي مُنَازَعَةٍ وَمُفَارَقَةٍ لِلْحَقِّ بَعِيدَةٍ مِنَ الرُّشْدِ وَالصَّوَابِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: 137]
كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 176] يَقُولُ " هُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى.
يَقُولُ: هُمْ فِي عَدَاوَةٍ بَعِيدَةٍ "
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الشِّقَاقِ فِيمَا مَضَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَيْسَ الْبِرُّ الصَّلَاةَ وَحْدَهَا، وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْخِصَالُ الَّتِي أُبَيِّنُهَا لَكُمْ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَوَلَّوْا وُجُوهِكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177] يَعْنِي الصَّلَاةَ.
يَقُولُ «لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُصَلُّوا، وَلَا تَعْمَلُوا، فَهَذَا مُنْذُ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَنَزَلَتِ الْفَرَائِضُ، وَحُدَّ الْحُدُودُ، فَأَمَرَ اللَّهَ بِالْفَرَائِضِ وَالْعَمَلِ بِهَا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿لَيْسَ الْبِرُّ﴾ [البقرة: 177] أَنْ تُوَلُّوا، وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ "
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ " هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ: لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَعْنِي الصَّلَاةَ، يَقُولُ: لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ "
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، " ﴿لَيْسَ الْبِرُّ﴾ [البقرة: 177] أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَعْنِي السُّجُودَ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: 177] مَا ثَبَتَ فِي الْقَلْبِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، أَنَّهُ قَالَ فِيهَا، قَالَ يَقُولُ «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ.
وَهَذَا حِينَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفَرَائِضَ، وَحَّدَ الْحُدُودَ بِالْمَدِينَةِ وَأَمَرَ بِالْفَرَائِضِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ تُصَلِّي فَتَوَجَّهَ قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَالنَّصَارَى تُصَلِّي فَتَوَجَّهَ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ يُخْبِرُهُمْ فِيهَا أَنَّ الْبِرَّ غَيْرُ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ وَلَكِنَّهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ " كَانَتِ الْيَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَالنَّصَارَى تُصَلِّي قِبَلَ الْمَشْرِقِ
فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177] "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 177] " ذَكَرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا الرَّجُلَ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْفَرَائِضِ إِذَا شَهِدَ أنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ يُرْجَى لَهُ وَيُطْمَعُ لَهُ فِي خَيْرٍ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177] وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَوَجَّهَتْ قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 177] الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ " كَانَتِ الْيَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177] " وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177] الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا مَضَتْ بِتَوْبِيخِهِمْ وَلَوْمِهِمْ وَالْخَبَرُ عَنْهُمْ وَعَمَّا أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَهَذَا فِي سِيَاقِ مَا قَبْلَهَا، إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لَيْسَ الْبِرُّ أَيُّهَا الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى أَنْ يُوَلِّيَ بَعْضُكُمْ وَجْهَهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَبَعْضَكُمْ قِبَلَ
الْمَغْرِبِ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة: 177] الْآيَةَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 177] وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْبِرَّ فِعْلٌ، وَ «مَنْ» اسْمٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْفِعْلُ هُوَ الْإِنْسَانُ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ مَا تَوَهَّمْتُهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَوَضَعَ «مَنْ» مَوْضِعَ الْفِعْلِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَتِهِ وَدَلَالَةِ صِلَتِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ صِفَةٌ مِنَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ كَمَا تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ فَتَضَعُ الْأَسْمَاءَ مَوَاضِعَ أَفْعَالِهَا الَّتِي هِيَ بِهَا مَشْهُورَةٌ، فَتَقُولُ: «الْجُودُ حَاتِمٌ وَالشَّجَاعَةُ عَنْتَرَةُ وَإِنَّمَا الْجُودُ حَاتِمٌ، وَالشَّجَاعَةُ عَنْتَرَةُ» ، وَمَعْنَاهَا: الْجُودُ جُودُ حَاتِمٍ فَتَسْتَغْنِي بِذِكْرِ حَاتِمٍ إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجُودِ مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْجُودِ بَعْدَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُهُ فَتَضَعُهُ مَوْضِعَ جُودِهِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَا حَذَفْتُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرْتَهُ عَمَّا لَمْ تَذْكُرْهُ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] وَالْمَعْنَى: أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ، وَهُوَ ذُو الْخِرَقِ الطُّهَوِيُّ:
[البحر الوافر]
حَسِبْتُ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ
يُرِيدُ بُغَامَ عَنَاقٍ أَوْ صَوْتَ عَنَاقٍ كَمَا يُقَالُ: حَسِبْتُ صِيَاحِي أَخَاكَ، يَعْنِي بِهِ حَسِبْتُ صِيَاحِي صِيَاحَ أَخِيكَ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فَيَكُونُ الْبِرُّ مَصْدَرًا وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] وَأَعْطَى مَالَهُ فِي حِينِ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ وَضَنِّهِ بِهِ وَشُحِّهِ عَلَيْهِ
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْبَكِيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] أَيْ يُؤْتِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ الْعَيْشَ وَيَخْشَى الْفَقْرَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ تَأْمُلُ الْعَيْشَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: وَأَنْتَ حَرِيصٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نِعْمَةَ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا اللَّيْثُ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] ذَوِي الْقُرْبَى، قَالَ: حَرِيصًا شَحِيحًا يَأْمُلُ الْغِنَى وَيَخْشَى الْفَقْرَ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ، " هَلْ عَلَى الرَّجُلِ حَقٌّ فِي مَالِهِ سِوَى الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 177] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيِّ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ، " إِذَا زَكَّى الرَّجُلُ مَالَهُ أَيَطِيبُ لَهُ مَالُهُ؟ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177] إِلَى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] إِلَى آخِرِهَا "
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي سَبْعِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «اجْعَلِيهَا فِي قَرَابَتِكِ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، قَالَ: ثنا أَبُو حَمْزَةَ، فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّهَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ «إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَطَاءٍ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي إِبِلًا فَهَلْ عَلَيَّ فِيهَا حَقٌّ بَعْدَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ " نَعَمْ قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: عَارِيَةُ الذَّلُولِ، وَطُرُوقِ الْفَحْلِ، وَالْحَلَبِ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ذَكَرَهُ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ فِي: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «تُعْطِيهِ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تُطِيلُ الْأَمَلَ وَتَخَافُ الْفَقْرَ» وَذَكَرَ أَيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ «أَنَّ هَذَا شَيْءٌ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ حَقٌّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَفْعَلَهُ سِوَى الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ»
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ﴾ [البقرة: 177] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ «أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ بِهِ يَأْمُلُ الْعَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَأَعْطَى الْمَالَ وَهُوَ لَهُ مُحِبٌّ حَرِيصٌ عَلَى جَمْعِهِ، شَحِيحٌ بِهِ ذَوِي قَرَابَتِهِ فَوَصَلَ بِهِ أَرْحَامَهُمْ وَإِنَّمَا قُلْتُ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 177] ذَوِي قَرَابَةٍ مُؤَدِّي الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ لِلْخَبَرِ الَّذِي وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرِهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْكَاشِحِ» وَأَمَّا الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَهُمَا فِيمَا مَضَى.
وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ الْمُجْتَازُ بِالرَّجُلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الضَّيْفُ مِنْ ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: هُوَ الضَّيْفُ قَالَ: قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»
قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: «حَقُّ الضِّيَافَةِ ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَكُلُّ شَيْءٍ أَضَافَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمُسَافِرُ يَمُرُّ عَلَيْكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ «الْمُجْتَازُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْكَ وَهُوَ مُسَافِرٌ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُسَافِرِ ابْنُ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ الطَّرِيقَ، وَالطَّرِيقُ هُوَ السَّبِيلُ، فَقِيلَ لِمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ فِي سَفَرِهِ ابْنُهُ كَمَا يُقَالُ لَطَيْرِ الْمَاءِ ابْنُ الْمَاءِ لِمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَتْ عَلَيْهِ الدُّهُورُ ابْنُ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالْأَزْمِنَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ
ذِي الرُّمَّةِ: [البحر الطويل] وَرَدْتُ اعْتِسَافًا، وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ