تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 300-306

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

صفحات 300-306
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 100] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ خَلَقْتُهَا مِنْ سَبِيلٍ إِلَى تَصْدِيقِكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا بِإِذْنِ آذِنٌ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَلَا تُجْهِدَنَّ نَفْسَكَ فِي طَلَبِ هُدَاهَا، وَبَلِّغْهَا

وَعِيدَ اللَّهِ وَعَرِّفْهَا مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ بِتَعْرِيفِهَا، ثُمَّ خَلِّهَا، فَإِنَّ هُدَاهَا بِيَدِ خَالِقِهَا وَكَانَ الثَّوْرِي يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102] مَا

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: 100] قَالَ: بِقَضَاءِ اللَّهِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 100] فَإِنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ لِلْإِيمَانِ بِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَيَأْذَنُ لَهُ فِي تَصْدِيقِكَ فَيُصَدِّقُكَ وَيَتَّبِعُكَ، وَيَقِرُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ، وَهُوَ الْعَذَابُ، وَغَضَبُ اللَّهِ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ؛ يَعْنِي الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ حُجَجَهُ، وَمَوَاعِظَهُ، وَآيَاتِهِ الَّتِي دَلَّ بِهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَقِيقَةِ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَخَلْعِ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ [يونس: 100] قَالَ: السَّخَطَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمِ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ، السَّائِلِيكَ الْآيَاتِ عَلَى صِحَّةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَخَلْعِ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ: ﴿انْظُرُوا﴾ [الأنعام: 11] أَيُّهَا الْقَوْمُ

﴿مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ مِنْ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا، وَاخْتِلَافِ لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا، وَنُزُولِ

الْغَيْثِ بِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ مِنْ سَحَابِهَا، وَفِي ﴿الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11] مِنْ جِبَالِهَا، وَتَصَدُّعِهَا بِنَبَاتِهَا، وَأَقْوَاتِ أَهْلِهَا، وَسَائِرِ صُنُوفِ عَجَائِبِهَا؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَكُمْ إِنْ عَقَلْتُمْ وَتَدَبَّرْتُمْ مَوْعِظَةً وَمُعْتَبَرًا، وَدَلَالَةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي مُلْكِهِ شَرِيكٌ وَلَا لَهُ تَدْبِيرُهُ وَحَفِظُهُ يُغْنِيكُمْ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْآيَاتِ.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنَّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا تُغْنِي الْحُجَجُ، وَالْعِبَرُ، وَالرُّسُلُ الْمُنْذِرَةُ عِبَادَ اللَّهِ عِقَابَهُ عَنْ قَوْمٍ قَدْ سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الشَّقَاءُ وَقَضَى لَهُمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِهِ.
﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 97]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَذِّرًا مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنْ حُلُولِ عَاجِلِ نِقْمِهِ بِسَاحَتِهِمْ نَحْوِ الَّذِي حَلَّ بِنُظَرَائِهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِنْ

قَبْلِهِمُ السَّالِكَةِ فِي تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ، وَجُحُودِ تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ سَبِيلَهُمْ: فَهَلْ يَنْتَظِرُ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ الْمُكَذِّبُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِلَّا يَوْمًا يُعَايِنُونَ فِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِثْلَ أَيَّامِ أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُمْ فَخَلَوْا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنْ كَانُوا كَذَلِكَ يَنْتَظِرُونَ، فَانْتَظِرُوا عِقَابَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ، وَنُزُولَ سَخَطِهِ بِكُمْ، إِنِّي مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ هَلَاكُكُمْ، وَبَوَارُكُمْ بِالْعُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِكُمْ مِنَ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: 102] يَقُولُ: وَقَائِعَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: 102] قَالَ: خَوَّفَهُمْ عَذَابَهُ، وَنِقْمَتَهُ وَعُقُوبَتَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ أَنْجَى اللَّهُ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 103] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 103] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ انْتَظَرُوا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّذِينَ هَلَكُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا جَاءَ لَمْ يَهْلِكْ بِهِ سِوَاهُمْ، وَمَنْ

كَانَ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَكْذِيبِكَ، ثُمَّ نُنَجِّي هُنَالِكَ رَسُولَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ، كَمَا فَعَلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ

بِرُسُلِنَا الَّذِينَ أَهْلَكْنَا أُمَمَهُمْ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ آمَنَ بِهِ مَعَهُمْ مِنْ عَذَابِنَا حِينَ حَقَّ عَلَى أُمَمِهِمْ.
﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 103] يَقُولُ: كَمَا فَعَلْنَا بِالْمَاضِينَ مِنْ رُسُلِنَا فَأَنْجَيْنَاهَا وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهَا، وَأَهْلَكْنَا أُمَمَهَا، كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، فَنُنْجِيكَ وَنُنَجِي الْمُؤْمِنِينَ بِكَ حَقًّا عَلَيْنَا غَيْرَ شَكٍّ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 104] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ الَّذِينَ عَجِبُوا أَنْ

أَوْحَيْتُ إِلَيْكَ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ دِينِي الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ تَعَلَمُوا أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: فَإِنِّي لَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تُغْنِي عَنْ شَيْءٍ، فَتَشُكُّوا فِي صِحَّتِهِ.
وَهَذَا تَعْرِيضٌ وَلَحْنٌ مِنَ الْكَلَامِ لَطِيفٌ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي، لَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَشُكُّوا فِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَشُكُّوا فِي الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ شَيْئًا، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَأَمَّا دِينِي فَلَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَشُكُّوا فِيهِ، لِأَنِّي أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَقْبِضُ الْخَلْقَ فَيُمِيتُهُمْ إِذْ شَاءَ، وَيَنْفَعُهُمْ وَيُضَرُّ مَنْ يَشَاءُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ عِبَادَةَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَنْكِرُهَا ذُو فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ، وَأَمَّا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ فَيُنْكِرُهَا

كُلُّ ذِي لُبٍّ وَعَقْلٍ صَحِيحٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: 104] يَقُولُ: وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، فَيُمِيتُكُمْ عِنْدَ آجَالِكُمْ.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 104] يَقُولُ: وَهُوَ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَنِي مِنْ عِنْدِهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: 105] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ أَقِمْ.
و «أَنْ» الثَّانِيَةُ عَطْفٌ عَلَى «أَنْ» الْأُولَى.
ويعني بِقَوْلِهِ: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [يونس: 105] أَقِمْ نَفْسَكَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ حَنِيفًا مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ غَيْرَ مِعْوَجٍ

عَنْهُ إِلَى يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ وَلَا عِبَادَةِ وَثَنٍ.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 14] يَقُولُ: وَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ يُشْرِكُ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَدْعُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ دُونِ مَعْبُودِكَ، وَخَالِقِكَ شَيْئًا لَا يَنْفَعُكَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَضُرُّكَ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، يَعْنِي بِذَلِكَ الْآلِهَةَ وَالْأَصْنَامَ،

يَقُولُ: لَا تَعْبُدْهَا رَاجِيًا نَفْعَهَا أَوْ خَائِفًا ضُرَّهَا، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَدَعَوْتَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106] يَقُولُ: مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ

وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَإِنْ يُصِبْكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِشِدَّةٍ أَوْ بَلَاءٍ، فَلَا كَاشِفَ لِذَلِكَ إِلَّا رَبُّكَ الَّذِي أَصَابَكَ بِهِ دُونَ مَا يَعْبُدُهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ.
﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ [يونس: 107] يَقُولُ: وَإِنْ يُرِدْكَ رَبُّكَ بِرَخَاءٍ، أَوْ نِعْمَةٍ، وَعَافِيَةٍ، وَسُرُورٍ، ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107] يَقُولُ: فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَلَا يَرُدَّكَ عَنْهُ، وَلَا يُحْرِمُكَهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ وَدُونَ مَا سِوَاهُ.
﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: 107] يَقُولُ: يُصِيبُ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ بِالرَّخَاءِ وَالْبَلَاءِ، وَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ مَنْ يَشَاءُ، وَيُرِيدُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ لِذُنُوبِ مَنْ تَابَ وَأَنَابَ مِنْ عِبَادِهِ، مِنْ كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ، الرَّحِيمُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ وَأَطَاعَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: 108] يَعْنِي: كِتَابَ

اللَّهِ، فِيهِ بَيَانُ كُلِّ مَا بِالنَّاسِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ [يونس: 108] يَقُولُ: فَمَنِ اسْتَقَامَ فَسَلَكَ سَبِيلَ الْحَقِّ، وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْبَيَانِ.
﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: 108] يَقُولُ:

فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْهُدَى، وَيَسْلُكُ قَصْدَ السَّبِيلِ لِنَفْسِهِ، فَإِيَّاهَا يَبْغِي الْخَيْرَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ لَا غَيْرَهَا.
﴿وَمَن ضَلَّ﴾ [يونس: 108] يَقُولُ: وَمَنْ اعْوَجَّ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي أَتَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، خَالَفَ دِينَهُ، وَمَا بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا، وَالْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 108] يَقُولُ: فَإِنَّ ضَلَالَةَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجْنِي بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ غَيْرُهَا، وَلَا يُورِدُ بِضَلَالِهِ ذَلِكَ الْمَهَالِكَ سِوَى نَفْسِهِ.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108] . يَقُولُ: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمُ بِمُسَلَّطٍ عَلَى تَقْوِيمِكُمْ، إِنَّمَا أَمَرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَوِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مُبَلِّغٌ أُبْلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: 109] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّبِعْ يَا مُحَمَّدُ وَحْيَ اللَّهِ الَّذِي يُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَتَنْزِيلَهُ الَّذِي يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ، فَاعْمَلْ بِهِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ فِي اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنَ الْأَذَى، وَالْمَكَارِهِ، وَعَلَى مَا نَالَكَ

مِنْهُمْ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ، وَفِيكَ أَمْرَهُ بِفِعْلٍ فَاصِلٍ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: 87] يَقُولُ: وَهُوَ خَيْرُ الْقَاصِّينَ، وَأَعْدَلُ الْفَاصِلِينَ.
فَحَكَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَتَلَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ سَبِيلَ مَنْ أُهْلِكَ مِنْهُمْ أَوْ يَتُوبُوا وَيَنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ.
كَمَا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: 109] قَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ، حَكَمَ اللَّهُ بِجِهَادِهِمْ، وَأَمَرَهُ

بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ " وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحِبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا

جارٍ التحميل