الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64] فَهُوَ قَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وَبِشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 47] قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ "
قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يُبَشَّرُ بِهَا فِي حَيَاتِهِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64] الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُبَشَّرُ
بِهَا الْمُؤْمِنُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 64] قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَى لَهُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: ثَنَا صَفْوَانُ، قَالَ: ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 64] فَقَالَ عُبَادَةُ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَلَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ لِي: «يَا عُبَادَةُ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي؛ تِلْكَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ لِنَفْسِهِ أَوْ تُرَى لَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ بِشَارَةٌ يُبَشَّرُ بِهَا الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ الْمَوْتِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ: " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64] قَالَ: هِيَ الْبِشَارَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْلَى، عَنْ أَبِي بِسْطَامٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64] قَالَ: يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ قَبْلَ الْمَوْتِ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْبِشَارَةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ؛ مِنْهَا بُشْرَى الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي تَحْضُرُهُ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، تَقُولُ لِنَفْسِهِ: اخْرُجِي إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ ". وَمِنْهَا: بُشْرَى اللَّهِ إِيَّاهُ مَا وَعْدَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَبِشَّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] . . الْآيَةَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ بُشْرَى اللَّهِ إِيَّاهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَشَّرَهُ بِهَا، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنَى، فَذَلِكَ مِمَّا عَمَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64] وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَالْجَنَّةُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا خَلَفَ لِوَعْدِهِ وَلَا تَغْيِيرَ لِقَوْلِهِ عَمَّا قَالَ؛ وَلَكِنَّهُ يُمْضِي لِخَلْقِهِ مَوَاعِيدَهُ، وَيُنْجِزَهَا لَهُمْ.
وَقَدْ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: " أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ، فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ ذَاكَ وَلَا ابْنَ الزُّبَيْرِ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا أَنْ تَفْعَلَ.
قَالَ أَيُّوبُ: فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ سَكَتَ " وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذِهِ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ هِيَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَعْنِي الظَّفْرُ بِالْحَاجَةِ وَالطِّلْبَةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحْزُنْكَ يَا مُحَمَّدُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي رَبِّهِمْ مَا يَقُولُونَ، وَإِشْرَاكِهِمْ مَعَهُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ؛ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِعِزَّةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهَا، وَهُوَ الْمُنْتَقِمُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ الْبَاطِلِ مَا يَقُولُونَ، فَلَا يَنْصُرُهُمْ عِنْدَ انْتِقَامِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ لَا يُعَازُهُ شَيْءٌ.
﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76] يَقُولُ: وَهُوَ ذُو السَّمْعِ لِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَذُو عِلْمٍ بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَيُعْلِنُونَهُ، مُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ كُلَّهُ، وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ
وَكُسِرَتْ «إِنَّ» مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: 65] لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهَا الْقَوْلُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ عَنَى بِهِ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: 65] لَمْ يَكُنْ مِنْ قِيلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا هُوَ خَبَرٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ﴾ [يونس: 55] يَا مُحَمَّدُ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِلْكًا وَعَبِيدًا لَا مَالِكُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سِوَاهُ، يَقُولُ:
فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَعْبُودًا مَنْ يَعْبُدُهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، وَهِيَ لِلَّهِ مِلْكٌ، وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ لِلْمَالِكِ دُونَ الْمَمْلُوكِ، وَلِلْرَبِّ دُونَ الْمَرْبُوبِ.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [يونس: 66] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ مَنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي غَيْرَ اللَّهِ وَسِوَاهُ شُرَكَاءَ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ مَنْ يَقُولُ لِلَّهِ شُرَكَاءُ فِي سُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ كَاذِبًا، وَاللَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِمِلْكِ كُلِّ شَيْءٍ فِي سَمَاءٍ كَانَ أَوْ أَرْضٍ.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: 116] يَقُولُ: مَا يَتَّبِعُونَ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ وَدَعْوَاهُمْ إِلَّا الظَّنَّ، يَقُولُ: إِلَّا الشَّكَّ لَا الْيَقِينَ.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116] يَقُولُ: وَإِنْ هُمْ يَتَقَوَّلُونَ الْبَاطِلَ تَظَنُّنًا وَتَخَرُّصًا لِلْإِفْكِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِمَا يَقُولُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ ﴿هُوَ﴾ [البقرة: 29] الرَّبُّ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [يونس: 67] وَفَصَلَهُ مِنَ النَّهَارِ، ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67] مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ فِي نَهَارِكُمْ مِنَ
التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، وَتَهْدَءُوا فِيهِ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالْحَرَكَةِ
لِلْمَعَاشِ وَالْعَنَاءِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ بِالنَّهَارِ.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67] يَقُولُ: وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا، فَأَضَافَ الْإِبْصَارَ إِلَى النَّهَارِ، وَإِنَّمَا يُبْصَرُ فِيهِ، وَلَيْسَ النَّهَارُ مِمَّا يُبْصِرُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ، خَاطَبَهُمْ بِمَا فِي لُغَتِهِمْ وَكَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الطويل]
لَقَدْ لُمتِنَا يَا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُّرَى ... وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ
فَأَضَافَ النَّوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَوَصَفَهُ بِهِ، وَمَعْنَاهُ نَفْسُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا فِيهِ هُوَ وَلَا بَعِيرُهُ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ هُوَ رَبُّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، لَا مَا لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي اخْتِلَافِ حَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَحَالِ أَهْلِهِمَا فِيهِمَا دَلَالَةٌ وَحُجَجًا عَلَى أَنَّ الَّذِيَ لَهُ الْعِبَادَةُ خَالِصًا بِغَيْرِ شَرِيكٍ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَخَالَفَ بَيْنَهُمَا، بِأَنْ جَعَلَ هَذَا لِلْخَلْقِ سَكَنًا وَهَذَا لَهُمْ مَعَاشًا، دُونَ مَنْ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
وَقَالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: 67] لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الْحُجَجَ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهَا فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا وَيَتَّعِظُونَ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، ثُمَّ يُعْرَضُونَ عَنْ عِبَرِهِ وَعِظَاتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ
مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَذَلِكَ قَوْلُهُمُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ.
يَقُولُ اللَّهُ مُنَزُّهًا نَفْسَهُ عَمَّا قَالُوا وَافْتَرُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ: سُبْحَانَ اللَّهُ، تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَمَّا قَالُوا وَادَّعُوا عَلَى رَبِّهِمْ.
﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: 68] يَقُولُ: اللَّهُ غَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ جَمِيعًا، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى وَلَدٍ، لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَطْلُبُهُ مَنْ يَطْلُبُهُ لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَذِكْرًا لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَاللَّهُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ غَنِيُّ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى مُعِينٍ يُعِينُهُ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَلَا يَبِيدُ فَيَكُونُ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى خَلَفٍ بَعْدَهُ.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، مُلْكًا وَالْمَلَائِكَةً عِبَادَهُ وَمُلْكُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَبْدُ الرَّجُلِ وَمُلْكُهُ لَهُ وَلَدًا؟ يَقُولُ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ خَطَأَ مَا تَقُولُونَ؟ ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: 68] يَقُولُ: مَا عِنْدَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ بِمَا تَقُولُونَ وَتَدَّعُونَ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ مِنْ حُجَّةٍ تَحْتَجُّونَ بِهَا، وَهِيَ السُّلْطَانُ.
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأعراف: 28] قَوْلًا لَا تَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ وَصِحَّتَهُ، وَتُضِيفُونَ إِلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ جَهْلًا مِنْكُمْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: 70]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [يونس: 69] فَيَقُولُونَ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ، وَيَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا؛ ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: 69] يَقُولُ: لَا يَبْقُونَ فِي الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُمْ ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [يونس: 70] يُمَتَّعُونَ بِهِ، وَبَلَاغٌ يَتَبَلَّغُونَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي كُتِبَ فَنَاؤُهُمْ فِيهِ.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: 70] يَقُولُ: ثُمَّ إِذَا انْقَضَى أَجَلُهُمُ الَّذِي كُتِبَ لَهُمْ، إِلَيْنَا مَصِيرُهُمْ وَمُنْقَلِبُهُمْ.
﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ [يونس: 70] وَذَلِكَ إِصْلَاؤُهُمْ جَهَنَّمَ؛ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70] بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، فَيُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ وَيَجْحَدُونَ آيَاتِهِ.
وَرَفَعَ قَوْلَهُ: ﴿مَتَاعٌ﴾ [البقرة: 241] بِمُضْمَرٍ قَبْلَهُ إِمَّا «ذَلِكَ» وَإِمَّا «هَذَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاتْلُ عَلَى
هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي قَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مِنْ قَوْمِكَ ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: خَبَرَ نُوحٍ، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ، ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: وَوَعْظِي إِيَّاكُمْ بِحُجَجِ اللَّهِ، وَتَنْبِيهِي إِيَّاكُمْ عَلَى ذَلِكَ.
﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: إِنْ كَانَ شَقَّ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَزَمْتُمْ عَلَى قَتْلِي أَوْ طَرْدِي مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَعَلَى اللَّهِ اتِّكَالِي وَبِهِ ثِقَتِي وَهُوَ سَنَدِي وَظَهْرِي
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: فَأَعِدُّوا أَمْرَكُمْ وَاعْزِمُوا عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي؛ يُقَالُ مِنْهُ: أَجْمَعْتُ عَلَى كَذَا، بِمَعْنَى: عَزَمْتُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صَوْمَ لَهُ» بِمَعْنَى: مَنْ لَمْ يَعْزِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] يَا لَيْتَ شَعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ وَرُوِي عَنِ الْأَعْرَجِ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ أُسَيْدٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ: " ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: أَحْكِمُوا أَمْرَكُمْ وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ " وَنَصَبَ قَوْلَهُ: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71] بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَهُ، وَذَلِكَ: وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ، وَعَطَفَ بِالشُّرَكَاءِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْرَكُمْ﴾ [البقرة: 222] عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا فَالرُّمْحُ لَا يُتَقَلَّدُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيمَا أُظْهِرَ مِنَ الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى مَا حُذِفَ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ مِمَّا حُذِفَ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: " ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71] " نَصَبًا، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ [يونس: 71] بِهَمْزِ الْأَلِفِ وَفَتْحِهَا، مِنْ أَجْمَعْتُ أَمْرِي فَأَنَا أَجْمَعُهُ إِجْمَاعًا.
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَهَمْزِهَا (وَشُرَكَاؤُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: وَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، وَلْيَجْمَعْ أَمَرَهُمْ أَيْضًا مَعَكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: " ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71] «بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ» أَجْمِعُوا «، وَنَصْبِ» الشُّرَكَاءَ "، لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ وَاو، وَلِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا وَرَفْضِ مَا خَالَفَهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهَا بِمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ.
وَعَنَى بِالشُّرَكَاءِ آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنُ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: ثُمَّ لَا يَكُنُ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ مُلْتَبِسًا مُشْكَلًا مُبْهَمًا؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: غُمَّ عَلَى النَّاسِ الْهِلَالُ، وَذَلِكَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوهُ،
وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاسَ إِذْ تُكُمُّوا ... بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْغَمِّ، لِأَنَّ الصَّدْرَ يُضِيقُ بِهِ وَلَا يَتَبَيَّنُ صَاحِبُهُ لَأَمْرِهِ مَصْدَرًا يَصْدُرُهُ يَتَفَرَّجُ عَنْهُ مَا بِقَلْبِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ خَنْسَاءَ: [البحر الطويل] وَذِي كُرْبَةٍ رَاخَى ابْنُ عَمْرٍو خِنَاقَهُ ... وَغُمَّتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: 71] قَالَا: لَا يَكْبُرُ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: 71] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: ثُمَّ امْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ وَافْرُغُوا مِنْهُ.
كَمَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71] قَالَ: اقْضُوا إِلَيَّ مَا كُنْتُمْ قَاضِينَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71] قَالَ: اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: 71] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: امْضُوا إِلَيَّ، كَمَا يُقَالُ: قَدْ قَضَى فُلَانٌ، يُرَادُ: قَدْ مَاتَ وَمَضَى.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: ثُمَّ افْرُغُوا إِلَيَّ، وَقَالُوا: الْقَضَاءُ: الْفَرَاغُ، وَالْقَضَاءُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَكَأَنَّ قَضَى دِينَهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فَرَغَ مِنْهُ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ» بِمَعْنَى: تَوَجَّهُوا إِلَيَّ حَتَّى تُصَلُّوا إِلَيَّ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ أَفْضَى إِلَيَّ الْوَجَعُ وَشِبْهُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71] يَقُولُ: وَلَا تُؤَخِّرُونَ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنْظَرْتُ فُلَانًا بِمَا لِي عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ.
وَإِنَّمَا هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قَوْلِ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ وَاثِقٌ وَمِنْ كَيْدِهِمْ وَتَوَاثُقِهِمْ غَيْرُ خَائِفٍ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، يَقُولُ لَهُمُ: امْضُوا مَا تُحَدِّثُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ فِيَّ عَلَى عَزْمٍ مِنْكُمْ صَحِيحٍ، وَاسْتَعِينُوا مَنْ شَايَعَكُمْ عَلَيَّ بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ فَإِنِّي قَدْ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ أَنَّكُمْ لَا تَضُرُّونِي إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ، فَإِنَّهُ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ سَبِيلَ الرَّشَادِ فِيمَا قَلَّدَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ عَنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ عَنِّي بَعْدَ دُعَائِي إِيَّاكُمْ وَتَبْلِيغِ رِسَالَةَ رَبِّي إِلَيْكُمْ مُدْبِرِينَ، فَأَعْرَضْتُمْ عَمَّا دَعَوْتُكُمْ
إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَتَرْكِ إِشْرَاكَ الْآلِهَةِ فِي عِبَادَتِهِ، فَتَضْيِعٌ مِنْكُمْ، وَتَفْرِيطٌ فِي وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، لَا بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِي؛ فَإِنِّي لَمْ أَسْأَلْكُمْ عَلَى مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ أَجْرًا وَلَا عِوَضًا
أَعْتَاضُهُ مِنْكُمْ بِإِجَابَتِكُمْ إِيَّايَ إِلَى مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَلَا طَلَبْتُ مِنْكُمْ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَلَا جَزَاءً.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: 72] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنْ جَزَائِيَ، وَأَجْرُ عَمَلِي، وَثَوَابُهُ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَا عَلَيْكُمُ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَلَا عَلَى غَيْرِكُمْ.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72] وَأَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُذْعِنِينَ لَهُ بِالطَّاعَةِ الْمُنْقَادِينَ لَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الْمُذَلَّلِينَ لَهُ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَبِأَمْرِهِ آمُرُكُمْ بِتَرْكِ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: 73] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَّبَ نُوحًا قَوْمُهُ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ، فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ حَمَلَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، يَعْنِي فِي
السَّفِينَةِ.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ﴾ [يونس: 73] يَقُولُ: وَجَعَلْنَا الَّذِينَ نَجَّيْنَا مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أَنْ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، يَعْنِي حُجَجَنَا وَأَدِلَّتَنَا عَلَى تَوْحِيدِنَا، وَرِسَالَةِ رَسُولِنَا نُوحٍ.
يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْذَرَهُمْ نُوحٌ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَعِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ، يَقُولُ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: انْظُرْ مَاذَا أَعْقَبَهُمْ تَكْذِيبُهُمْ رَسُولَهُمْ، فَإِنَّ عَاقِبَةَ مَنْ كَذَّبَكَ مِنْ قَوْمِكَ إِنْ تَمَادُوا فِي كُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ نَحْوُ الَّذِي كَانَ مِنْ عَاقِبَةِ قَوْمِ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوهُ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَلْيَحْذَرُوا أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَأَتَوْهُمْ بِبَيِّنَاتٍ مِنَ الْحُجَجِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لِلَّهِ رُسُلٌ،
وَأَنَّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: 74] يَقُولُ: فَمَا كَانُوا لِيُصَدِّقُوا بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُمْ بِمَا كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِنْ قَبْلِهِمْ.
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا طَبَعْنَا عَلَى قُلُوبِ أُولَئِكَ فَخَتَمْنَا عَلَيْهَا، فَلَمْ يَكُونُوا يَقْبَلُونَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ نَصِيحَتَهُمْ وَلَا يَسْتَجِيبُونَ لِدُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ بِمَا اجْتَرَمُوا مِنَ الذُّنُوبِ، وَاكْتَسَبُوا مِنَ الْآثَامِ، كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ مَنِ اعْتَدَى عَلَى رَبِّهِ، فَتَجَاوَزَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَخَالَفَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ رُسُلُهُمْ مِنْ طَاعَتِهِ، عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآخَرِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [يونس: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ إِلَى قَوْمِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ ابْنَيْ عِمْرَانَ إِلَى فِرْعَوْنَ مِصْرَ ﴿وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: 103] يَعْنِي: وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ
وَسَادَتِهِمْ، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: 39] يَقُولُ: بِأَدِلَّتِنَا عَلَى حَقِيقَةِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِذْعَانِ لِلَّهِ بِالْعُبُودَةِ، وَالْإِقْرَارِ لَهُمَا بِالرِّسَالَةِ.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ [الأعراف: 133] يَقُولُ: فَاسْتَكْبَرُوا عَنِ الْإِقْرَارِ بِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مُوسَى وَهَارُونُ.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 133] يَعْنِي: آثِمِينَ بِرَبِّهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾
[يونس: 77]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ [يونس: 76] يَعْنِي: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بَيَانُ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مُوسَى وَهَارُونُ، وَذَلِكَ الْحُجَجُ الَّتِي جَاءَهُمْ بِهَا، وَهِيَ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ ﴿قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: 76] يَعْنُونَ: أَنَّهُ يَبِينُ لِمَنْ رَآهُ وَعَايَنَهُ أَنَّهُ سِحْرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
﴿قَالَ مُوسَى﴾ [البقرة: 54] لَهُمْ:
﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ [يونس: 77] مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [يونس: 77] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي سَبَبِ دُخُولِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [يونس: 77] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أُدْخِلَتْ فِيهِ عَلَى الْحِكَايَةِ لِقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَسِحْرٌ هَذَا؟ فَقَالَ: أَتَقُولُونَ: أَسِحْرٌ هَذَا؟ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: إِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ، وَلَمْ يَقُولُوهُ بِالْأَلِفِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا جَاءَ بِغَيْرِ أَلِفٍ.
قَالَ: فَيُقَالُ: فَلِمَ أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ؟ فَيُقَالُ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قِيلِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ سِحْرٌ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلْجَائِزَةِ إِذَا أَتَتْهُ: أَحَقٌّ هَذَا؟ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ حَقٌّ.
قَالَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ: أَسِحْرٌ هَذَا، مَا أَعْظَمَهُ وَأَوْلَى ذَلِكَ فِي هَذَا بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمَقُولَ مَحْذُوفًا، وَيَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [يونس: 77] مِنْ قِيلِ مُوسَى مُنْكِرًا عَلَى فِرْعَوْنَ، وَمَلَئِهِ قَوْلَهُمْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ سِحْرٌ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: قَالَ مُوسَى لَهُمْ: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ [يونس: 77] وَهِيَ الْآيَاتُ الَّتِي أَتَاهُمْ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حُجَّةً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ،
سِحْرٌ، أَسِحْرٌ هَذَا الْحَقُّ الَّذِي تَرَوْنَهُ؟ فَيَكُونُ السِّحْرُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفًا اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِ مُوسَى ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [يونس: 77] عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
[البحر الطويل]
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أَوْ حِينَ نَصَّبَتْ ... لَهُ مَنْ خَذَا آذَانِهَا وَهُوَ جَانِحُ
يُرِيدُ: «أَوْ حِينَ أَقْبَلَ» ، ثُمَّ حَذَفَ اكْتِفَاءَ بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وَالْمَعْنَى: بَعَثَنَاهُمْ لِيَسُوؤُوا وجُوهَكُمْ، فَتَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، فِي أَشْبَاهٍ لِمَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٍ يُتْعِبُ إِحْصَاؤُهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: 77] يَقُولُ: وَلَا يَنْجَحُ السَّاحِرُونَ وَلَا يَبْقُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ لِمُوسَى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ [يونس: 78] يَقُولُ: لِتَصْرِفَنَا وَتَلْوِينَا، ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: 78] مِنْ قَبْلِ مَجِيئِكَ مِنَ الدِّينِ؛ يُقَالُ
مِنْهُ: لَفَتَ فُلَانٌ عُنُقَ فُلَانٍ إِذَا لَوَاهَا، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
[البحر الرجز]
لَفْتًا وَتَهْزِيعًا سَوَاءَ اللَّفْتِ
التَّهْزِيعُ: الدَّقُّ، وَاللَّفْتُ: اللَّيُّ.
كَمَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ [يونس: 78] قَالَ: لِتَلْوِينَا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: 78] "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 78] يَعْنِي الْعَظَمَةَ، وَهِيَ الْفِعْلِيَاءُ مِنَ الْكِبْرِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ الرِّقَاعِ:
[البحر الخفيف]
سُؤْدُدًا غَيْرَ فَاحِشٍ لَا يُدَا ... نِيهِ تَجْبَارُهُ وَلَا كِبْرِيَاءُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 78] قَالَ: الْمُلْكُ "