تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 132-146

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

صفحات 132-146
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانُ الضُّرَّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضَرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانُ الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: 12] يَقُولُ: اسْتَغَاثَ بِنَا فِي كَشَفِ ذَلِكَ عَنْهُ،

لِجَنْبِهِ: يَعْنِي مُضْطَجِعًا لِجَنْبِهِ.
﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: 12] الْحَالَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ الضُّرُّ بِهِ.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس: 12] يَقُولُ: فَلَمَّا فَرَّجْنَا عَنْهُ الْجَهْدَ الَّذِي أَصَابَهُ، ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: 12] يَقُولُ: اسْتَمَرَّ عَلَى طَرِيقَتِهِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الضُّرُّ، وَنَسِيَ مَا كَانَ

فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْبَلَاءِ، أَوْ تَنَاسَاهُ، وَتَرَكَ الشُّكْرَ لِرَبِهِ الَّذِي فَرَّجَ عَنْهُ مَا كَانَ قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ حِينَ اسْتَعَاذَ بِهِ، وَعَادَ لِلشِّرْكِ وَدَعْوَى الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ أَرْبَابًا مَعَهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12] يَقُولُ: كَمَا زُيِّنَ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ بَعْدَ كَشْفِ اللَّهِ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلَّذِينَ أَسْرَفُوا فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ، فَتَجَاوَزُوا فِي الْقَوْلِ فِيهِمْ إِلَى غَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِهِ، مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَالشِّرْكِ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: 12] قَالَ: مُضْطَجِعًا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكَنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَهْلَكَنَا الْأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَ اللَّهِ مِنْ قَبْلِكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: 13] يَقُولُ: لَمَّا أَشْرَكُوا وَخَالَفُوا

أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ [يونس: 13] مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: 92] وَهِيَ الْآيَاتُ وَالْحُجَجُ الَّتِي تُبَيِّنُ عَنْ صِدْقِ مَنْ جَاءَ بِهَا.

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ أَنَّهَا حَقٌّ.
﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [يونس: 13] يَقُولُ: فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأُمَمُ الَّتِي أَهْلَكَنَاهَا لِيُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِمْ وَيُصَدِّقُوهُمْ إِلَى مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا أَهْلَكَنَا هَذِهِ الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ وَرَدِّهِمْ نَصِيحَتَهُمْ، كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِكُمْ فَأُهْلِكُكُمْ كَمَا أَهْلَكَتُهُمْ بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولَكَمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَظُلْمِكُمْ أَنْفُسَكُمْ بِشِرْكِكُمْ بِرَبِّكُمْ، إِنْ أَنْتُمْ لَمْ تُنِيبُوا وَتَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ شِرْكِكُمْ، فَإِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْكَافِرِ بِي عَلَى كُفْرِهِ عِنْدِي أَنْ أَهْلِكَهُ بِسَخَطِي فِي الدُّنْيَا وَأُورِدُهُ النَّارَ فِي الْآخِرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ﴾ [يونس: 14] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿خَلَائِفَ﴾ [الأنعام: 165] مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الَّذِينَ أَهْلَكَنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا تَخْلُفُونَهُمْ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11] وَتَكُونُونَ فِيهَا بَعْدَهُمْ ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14] يَقُولُ: لِيَنْظُرَ رَبُّكُمْ أَيْنَ عَمَلُكُمْ

مِنْ عَمَلِ مَنْ هَلَكَ مِنْ قَبْلِكِ مِنَ الْأُمَمِ بِذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، تَحْذُونَ مِثَالَهُمْ فِيهِ، فَتَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْعِقَابِ مَا اسْتَحَقُّوا، أَمْ تُخَالِفُونَ سَبِيلَهُمْ، فَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، فَتَسْتَحِقُّونَ مِنْ رَبِّكُمُ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ.
كَمَا

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَدَقَ رَبُّنَا مَا جَعَلَنَا خُلَفَاءَ إِلَّا لِيَنْظُرَ كَيْفَ أَعْمَالُنَا، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ خَيْرًا، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسِّرِ وَالْعَلَانِيَةِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفِ أَبُو رَبِيعَةَ فَهِدَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: " أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ فَانْتَشَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دُلِّيَ فَانْتَشَطَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ذَرَعَ النَّاسُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ، فَفَضُلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثَلَاثِ أَذْرُعٍ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا مِنْ رُؤْيَاكَ لَا أَرَبَ لَنَا فِيهَا فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ: يَا عَوْفُ رُؤْيَاكَ؟ قَالَ: وَهَلْ لَكَ فِي رُؤْيَايَ مِنْ حَاجَةٍ، أَوْ لَمْ تَنْتَهِرُنِي؟ قَالَ: وَيْحَكَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ تَنْعِيَ لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، حَتَّى إِذَا بَلْغَ ذَرَعَ النَّاسُ إِلَى الْمِنْبَرِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الْأَذْرُعِ، قَالَ: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ فَإِنَّهُ كَائِنٌ خَلِيفَةً، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ.
قَالَ: فَقَالَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14] فَقَدِ اسْتُخْلِفْتَ يَا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ: «فَإِنِّي لَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» فَمَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «فَإِنِّي شَهِيدٌ» فَأَنَّى لِعُمَرَ الشَّهَادَةُ وَالْمُسْلِمُونَ مُطِيفُونَ بِهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدْيرٌ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا قُرِئَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ

آيَاتُ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بَيِّنَاتٍ وَاضِحَاتٍ عَلَى الْحَقِّ دَالَّاتٍ.
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: 15] يَقُولُ: قَالَ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ عِقَابَنَا وَلَا يُوقِنُونَ بِالْمِعَادِ إِلَيْنَا وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ لَكَ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: 15] بِقَوْلٍ: أَوْ غَيْرِهِ.
﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: 15] أَيْ مِنْ عِنْدِي.
وَالتَّبْدِيلُ الَّذِي سَأَلُوهُ فِيمَا ذُكِرَ، أَنْ يُحَوِّلَ آيَةَ الْوَعِيدِ آيَةَ وَعْدٍ وَآيَةَ الْوَعْدِ وَعِيدًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا وَالْحَلَالَ حَرَامًا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ وَلَا يُتَعَقَّبُ قَضَاؤُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ مُبَلِّغٍ وَمَأْمُورٌ مُتَّبِعٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50] يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: مَا أَتَّبِعُ فِي كُلِّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَيُّهَا الْقَوْمُ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِلَّا مَا يُنْزِلُهُ إِلَيَّ رَبِّي وَيَأْمُرُنِي بِهِ.
{إِنِّي أَخَافُ

إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15] يَقُولُ إِنِّي أَخْشَى مِنَ اللَّهِ إِنْ خَالَفْتُ أَمْرَهُ وَغَيَّرْتُ أَحْكَامَ كِتَابِهِ وَبَدَّلْتُ وَحْيَهُ فَعَصَيْتُهُ بِذَلِكَ، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15] هَوْلَهُ، وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمَلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: 2]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُعَرِّفَهُ الْحُجَّةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: 16] أَيْ مَا تَلَوْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِأَنْ

كَانَ لَا يَنْزِلُ عَلَيَّ فَيَأْمُرَنِي بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

قَوْلُهُ: " ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] وَلَا أَعْلَمَكُمْ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] يَقُولُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يُعَلِّمْكُمُوهُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] يَقُولُ: مَا حَذَّرْتُكُمْ بِهِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: 15] وَهُوَ قَوْلُ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16] لَبِثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ

الْحَسَنِ: " أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: «وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ» يَقُولُ: مَا أَعْلَمْتُكُمْ بِهِ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] يَقُولُ: وَلَا أَشْعَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ " وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي حَكَيْتُ عَنِ الْحَسَنِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ غَلَطٌ، وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: «وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ» ، قَالَ: فَإِنْ يَكُنْ فِيهَا لُغَةٌ سِوَى «دَرَيْتُ» وَ «أَدْرَيْتُ» ، فَلَعَلَّ الْحَسَنَ ذَهَبَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا أَنْ يَصْلُحَ مِنْ «دَرَيْتُ» أَوْ «أَدْرَيْتُ» فَلَا، لِأَنَّ الْيَاءَ وَالْوَا إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهُمَا وَسَكَنَتَا صَحَّتَا وَلَمْ تَنْقَلِبَا إِلَى أَلِفٍ مِثْلَ قَضَيْتُ وَدَعَوْتُ، وَلَعَلَّ الْحَسَنَ ذَهَبَ إِلَى طَبِيعَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ فَهَمَزَهَا، لِأَنَّهَا تُضَارِعُ «دَرَأْتُ الْحَدَّ» وَشِبْهَهُ.
وَرُبَّمَا غَلَطَتِ الْعَرَبُ فِي الْحَرْفِ إِذَا ضَارَعَهُ آخَرُ مِنَ الْهَمْزِ، فَيَهْمِزُونَ غَيْرَ الْمَهْمُوزِ.
وَسَمِعْتُ امْرَأَةً مِنْ طَيِّئٍ تَقُولُ: رَثَأْتُ زَوْجِي بِأَبْيَاتٍ، وَيَقُولُونَ: لَبَأْتُ بِالْحَجِّ وَحَلَأْتُ السَّوِيقَ؛ يَتَغَلَّطُونَ، لِأَنَّ «حَلَأْتُ» قَدْ يُقَالُ فِي دَفْعِ الْعِطَاشِ، مِنَ الْإِبِلِ، وَ «لَبَأْتُ» : ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى اللَّبَأِ، لَبَأَ الشَّاةَ، وَ «رَثَأْتُ زَوْجِي» : ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَثَأَتِ اللَّبَنَ إِذَا أَنْتَ حَلَبْتَ الْحَلِيبَ عَلَى الرَّائِبِ، فَتِلْكَ الرَّثِيثَةُ.

وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ: لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ الْحَسَنِ هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْ «أُدْرَيْتُ» مِثْلُ «أَعْطَيْتُ» ، إِلَّا أَنَّ لُغَةَ بَنِي عَقِيلٍ «أَعْطَأْتُ» يُرِيدُونَ «أَعْطَيْتُ» ، تُحَوِّلُ الْيَاءَ أَلِفًا، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلَ الْيَمَامَةِ طَيِّئٌ ... بِحَرْبٍ كَنَاصَاةِ الْأَغَرِّ الْمُشَهَّرِ يُرِيدُ كَنَاصِيَةٍ؛ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْمُفَضَّلِ.
وَقَالَ زَيْدٌ الْخَيْلُ: [البحر الطويل] لَعَمْرُكَ مَا أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقَا عَلَى الْأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الْأَبَاعِرَا فَقَالَ «بَقَا» . وَقَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] لَزَجَرْتُ قَلْبًا لَا يَرِيعُ لزَاجِرٍ ... إِنَّ الْغَوِيَّ إِذَا نُهَا لَمْ يُعْتِبْ يُرِيدُ «نُهِيَ» قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْحَسَنِ، وَهِيَ مَرْغُوبٌ عَنْهَا، قَالَ: وَطَيِّئٌ تُصَيِّرُ كُلَّ يَاءٍ انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا أَلِفًا، يَقُولُونَ: هَذِهِ جَارَاةٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ: تَرْقَاةُ، وَالْعَرْقُوَةِ: عَرْقَاةُ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ طَيِّئٍ: قَدْ لَقَتْ فَزَارَةُ، حَذَفَ الْيَاءَ مِنْ

لَقِيَتْ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُحَوِّلَهَا أَلِفًا لِسُكُونِ التَّاءِ فَيَلْتَقِي سَاكِنَانِ.
وَقَالَ: زَعَمَ يُونُسُ أَنَّ نَسَا وَرَضَا لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَأَبْنَيْتُ بِالْأَعْرَاضِ ذَا الْبَطْنِ خَالِدًا ... نَسَا أَوْ تَنَاسَى أَنْ يَعُدَّ الْمَوَالِيَا وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ أَيْضًا رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مَا

حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: ثَنَا خَالِدُ عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: «قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ» وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ تَعُدُّوهَا هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16] بِمَعْنَى: وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ، وَلَا أَشْعَرَكُمْ بِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ إِلَى الْكَذِبِ: أَيُّ خَلْقٍ أَشَرٌّ بَعْدَنَا وَأَوْضَعُ لِقِيلِهِ فِي غَيْرِ

مَوْضِعِهِ، مِمَّنْ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَافْتَرَى عَلَيْهِ بَاطِلًا ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام: 21] يَعْنِي بِحُجَجِهِ وَرُسُلِهِ وَآيَاتِ كِتَابِهِ.
يَقُولُ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قُلْ لَهُمْ لَيْسَ الَّذِي أَضَفْتُمُونِي إِلَيْهِ بِأَعْجَبَ مِنْ كَذِبِكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ وَافْتُرَائِكُمْ عَلَيْهِ وَتَكْذِيبِكُمْ بِآيَاتِهِ ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 17] يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَنْجَحُ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الْكُفْرَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا لَقُوا رَبَهُمْ، وَلَا يَنَالُونَ الْفَلَاحَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَعْبُدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ صِفَتَهُمْ مِنْ دُونِ

اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا وَلَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْآلِهَةُ وَالْأَصْنَامُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا.
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18] يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا رَجَاءَ شَفَاعَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَقُولُ: أَتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَكُونُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْآلِهَةَ لَا تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ.
فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ: أَتُخْبِرُونَ اللَّهَ أَنَّ مَا لَا يَشْفَعُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ يَشْفَعُ لَكَمْ فِيهِمَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا

تَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وَصِحَّتَهُ، بَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافَ مَا تَقُولُونَ وَأَنَّهَا لَا تَشْفَعُ لِأَحَدٍ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18] يَقُولُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ وَعُلُوًّا عَمَّا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ إِشْرَاكِهِمْ فِي عِبَادَةِ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ الْكَذِبَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أَهْلُ دَيْنٍ وَاحِدٍ وَمِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِمْ، فَافْتَرَقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ فِي ذَلِكَ.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ﴾ [يونس: 19] يَقُولُ:

وَلَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ قَوْمًا إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: 19] يَقُولُ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بَأَنْ يَهْلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ مِنْهُمْ وَيُنْجِي أَهْلَ الْحَقِّ.
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 213] وَبَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِشَوَاهِدِهِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: 19] حِينَ قَتَلَ أَحَدُ ابْنَيَّ آدَمَ أَخَاهُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ: هَلَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِنْ رَبِهِ يَقُولُ: عِلْمٌ وَدَلِيلٌ نَعْلَمُ بِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا مُحِقٌ فِيمَا يَقُولُ.
قَالَ اللَّهُ لَهُ: فَقُلْ يَا

مُحَمَّدُ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ، أَيْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ بِفِعْلِ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهُوَ السِّرُّ وَالْخَفِيُّ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا اللَّهُ، فَانْتَظِرُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ قَضَاءَ اللَّهِ بَيْنَنَا بِتَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِ لِلْمُبْطِلِ مِنَّا وَإِظْهَارِهِ الْمُحِقَّ عَلَيْهِ، إِنِّي مَعَكُمْ مِمَّنْ يَنْتَظِرُ ذَلِكَ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَضَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ بِأَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا رَزَقْنَا الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فَرَجًا بَعْدَ كَرْبٍ وَرَخَاءً بَعْدَ

شِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ.
وَقِيلَ: عَنَى بِهِ الْمَطَرَ بَعْدَ الْقَحْطِ، وَالضَّرَّاءِ: وَهِيَ الشِّدَّةُ، وَالرَّحْمَةُ: هِيَ الْفَرَجُ يَقُولُ: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: 21] اسْتِهْزَاءٌ وَتَكْذِيبٌ.
كَمَا

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿إِذَا لَهُمْ مَكَرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: 21] قَالَ: اسْتِهْزَاءٌ وَتَكْذِيبٌ " قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ حُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا، أَيْ أَسْرَعُ مِحَالًا بِكُمْ وَاسْتِدْرَاجًا لَكَمْ وَعُقُوبَةً مِنْكُمْ مِنَ الْمَكْرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ.
وَالْعَرَبُ تَكْتَفِي بِ «إِذَا» مِنْ «فَعَلَتْ» وَ «فَعَلُوا» ، فَلِذَلِكَ حَذَفَ الْفِعْلَ مَعَهَا وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ مَكَرُوا فِي آيَاتِنَا، فَاكْتَفَى مِنْ «مَكَرُوا» ، بِـ «إِذَا لَهُمْ مَكَرٌ» ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: 21] يَقُولُ: إِنَّ حَفَظَتْنَا الَّذِينَ نُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَمْكُرُونَ فِي آيَاتِنَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ

فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي الْبِرِّ عَلَى الظَّهْرِ وَفِي الْبَحْرِ فِي الْفُلْكِ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [يونس: 22] وَهِيَ السُّفُنُ، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] يَعْنِي: وَجَرَتِ الْفُلْكُ بِالنَّاسِ، ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: 22] فِي الْبَحْرِ، ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: 22] يَعْنِي: وَفَرِحَ رُكْبَانُ الْفُلْكِ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي يَسِيرُونَ بِهَا.
وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: «بِهَا» عَائِدَةٌ عَلَى الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: 22] يَقُولُ: جَاءَتِ الْفُلْكَ رِيحٌ عَاصِفٌ، وَهِيَ الشَّدِيدَةُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رِيحٌ عَاصِفٌ وَعَاصِفَةٌ، وَقَدْ أَعْصَفَتِ الرِّيحُ وَعَصَفَتْ وَأَعْصَفَتْ فِي بَنِي أَسَدٍ فِيمَا ذُكِرَ، قَالَ بَعْضُ بَنِي دُبَيْرٍ: [البحر البسيط] حَتَّى إِذَا أَعْصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ... فِيهَا قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجِلُ ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَاءَ رُكْبَانَ السَّفِينَةِ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] يَقُولُ: وَظَنُّوا أَنَّ الْهَلَاكَ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَأَحْدَقَ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22] يَقُولُ: أَخْلَصُوا الدُّعَاءَ لِلَّهِ هُنَالِكَ دُونَ أَوْثَانِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ، وَكَانَ مَفْزَعُهُمْ حِينَئِذٍ إِلَى اللَّهِ دُونَهَا.
كَمَا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿دَعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22] قَالَ: إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ

أَخْلَصُوا لَهُ الدُّعَاءَ "

جارٍ التحميل