الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ [يونس: 5] بِالنَّهَارِ ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾
[يونس: 5] بِاللَّيْلِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: هُوَ الَّذِي أَضَاءَ الشَّمْسَ وَأَنَارَ الْقَمَرَ، ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ [يونس: 5] يَقُولُ: قَضَاهُ فَسَوَّاهُ مَنَازِلَ لَا يُجَاوِزُهَا، وَلَا يَقْصُرُ دُونَهَا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ أَبَدًا.
وَقَالَ: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ [يونس: 5] فَوَحَّدَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ [يونس: 5] لِلْقَمَرِ خَاصَّةً،
لِأَنَّ بِالْأَهِلَّةِ يُعْرَفُ انْقِضَاءُ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ لَا بِالشَّمْسِ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمَنْ جُولِ الطَّوَيِّ رَمَانِي
, وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5] يَقُولُ: وَقَدَّرَ ذَلِكَ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ: دُخُولَ مَا يَدْخُلُ مِنْهَا، وَانْقِضَاءَ مَا يُسْتَقْبَلُ مِنْهَا وَحِسَابَهَا، يَقُولُ: وَحِسَابَ أَوْقَاتِ السِّنِينَ وَعَدَدَ أَيَّامِهَا وَحِسَابَ سَاعَاتِ أَيَّامِهَا , ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: 5] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَمَنَازِلَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ، يَقُولُ الْحَقُّ تَعَالَى ذِكْرُهُ: خَلَقْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِحَقٍّ وَحْدِي بِغَيْرِ عَوْنٍ وَلَا شَرِيكٍ.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [يونس: 5] يَقُولُ: يُبَيِّنُ الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230] إِذَا تَدَبَّرُوهَا، حَقِيقَةَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَصِحَّةَ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَلْعِ الْأَنْدَادَ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْأَوْثَانِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُنَبِّهًا عِبَادَهُ عَلَى مَوْضِعِ الدَّلَالَةِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلَّ مَا دُونَهُ.
إِنَّ فِي اعْتِقَابِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاعْتِقَابِ النَّهَارِ اللَّيْلَ.
إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا وَإِذَا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ هَذَا، وَفِيمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَفِي الْأَرْضِ مِنْ عَجَائِبِ الْخَلْقِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لَهَا صَانِعًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
﴿لَآيَاتٍ﴾ [البقرة: 164] يَقُولُ لَأَدِلَّةٍ وَحُجَجًا وَأَعْلَامًا وَاضِحَةً لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ اللَّهَ، فَيَخَافُونَ وَعِيدَهُ وَيَخْشَونَ عِقَابَهُ عَلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِرَبِّهِمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَلَا دَلَالَةٌ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى صَانِعِهِ إِلَّا لِمَنِ اتَّقَى اللَّهُ؟ قِيلَ: فِي ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى صَانِعِهِ لِكُلِّ مَنْ صَحَّتْ فِطْرَتُهُ، وَبَرِئَ مِنَ الْعَاهَاتِ قَلْبُهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الْخَبَرَ عَنْ أَنَّ فِيهِ الدَّلَالَةَ لِمَنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ نَفْسَهُ تَقْوَى اللَّهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِمَنْ اتَّقَى عِقَابَ اللَّهِ فَلَمْ يَحْمِلْهُ هَوَاهُ عَلَى خِلَافِ مَا وَضَحَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ كُلَّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ مُدْبِرًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْإِذْعَانُ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 8]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ لِقَاءَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُمْ لِذَلِكَ مُكَذِّبُونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، مُتَنَافِسُونَ فِي زِيَنِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا، رَاضُونَ بِهَا عِوَضًا مِنَ الْآخِرَةِ، مُطْمَئِنَّيْنَ إِلَيْهَا سَاكِنِينَ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [الأعراف: 156] عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ أَدِلَّتُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَحُجَجُهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ ﴿غَافُلُونَ﴾ [الأنعام: 131] مُعْرِضُونَ عَنْهَا لَاهُوَنَ، لَا يَتَأَمَّلُونَهَا تَأَمُّلَ نَاصِحٍ لِنَفْسِهِ، فَيَعْلَمُوا بِهَا حَقِيقَةَ مَا دَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، وَيَعْرِفُوا بِهَا بُطُولَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ.
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [يونس: 8] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ مَأْوَاهُمْ مَصِيرُهَا إِلَى النَّارِ نَارِ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129] فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ وَالْأَجْرَامِ وَيَجْتَرِحُونَ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: «فُلَانٌ لَا يَرْجُو فُلَانًا» : إِذَا كَانَ لَا يَخَافُهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَا لَكَمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13] . وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
[البحر الطويل]
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: 7] قَالَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ [هود: 15] إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: 7] قَالَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ [هود: 15] إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: 7] قَالَ: إِذَا شِئْتَ رَأَيْتَ صَاحِبَ دُنْيَا لَهَا يَفْرَحُ، وَلَهَا يَحْزَنُ، وَلَهَا يَسْخَطُ، وَلَهَا يَرْضَى "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: 7] . . الْآيَةَ كُلَّهَا، قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكُفْرِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 8] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277] إِنَّ الَّذِينَ
صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَذَلِكَ الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ.
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9] يَقُولُ: يَرْشُدُهُمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ.
كَمَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: 9] بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا أَنْتَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكَ امْرَأَ صِدْقٍ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ، فَيَكُونُ لَهُ نُورًا وَقَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ فِي صُورَةٍ سَيِّئَةٍ وَبِشَارَةٍ سَيِّئَةٍ، فَيَقُولُ:
مَا أَنْتَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكَ أَمْرَأَ سُوءٍ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ.
فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿يَهْدِيِهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9] قَالَ: يَكُونُ لَهُمْ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿يَهْدِيِهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9] قَالَ: يُمَثِّلُ لَهُ عَمَلَهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَرِيحٍ طَيِّبَةٍ، يُعَارِضُ صَاحِبَهُ وَيُبَشِّرُهُ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ؛ فَيَجْعَلُ لَهُ نُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ
: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9] وَالْكَافِرُ يُمَثِّلُ لَهُ عَمَلَهُ فِي صُورَةٍ سَيِّئَةٍ وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ، فَيُلَازِمُ صَاحِبَهُ وَيُلَازُّهُ حَتَّى يَقْذِفَهُ فِي النَّارِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: بِإِيمَانِهِمْ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ لِدِينِهِ، يَقُولُ: بِتَصْدِيقِهِمْ هَدَاهُمْ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:.
. . وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: 43] يَقُولُ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُمْ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: 9] يَقُولُ: فِي بَسَاتِينِ النَّعِيمِ الَّذِي نَعَّمَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ أَنَّهَا تَجْرِي تَحْتَ الْجَنَّاتِ؟ وَكَيْفَ يُمَكِّنُ الْأَنْهَارَ أَنْ تَجْرِيَ مِنْ تَحْتِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا فَوْقَ أَرْضِهَا وَالْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَرْضِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ صِفَتَهَا أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي غَيْرِ أَخَادِيدٍ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: تَجْرِي مِنْ دُونِهِمُ الْأَنْهَارُ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِي بَسَاتِينِ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ السَّرِيَّ تَحْتَهَا وَهِيَ عَلَيْهِ قَاعِدَةٌ، إِذْ كَانَ السَّرِيُّ هُوَ الْجَدْوَلُ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ جَعَلَ دُونَهَا: بَيْنَ يَدَيْهَا، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51] بِمَعْنَى: مِنْ دُونِي بَيْنَ يَدِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: 10] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: دُعَاؤُهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ قَوْلَهُ: " ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: 10] قَالَ: إِذَا مَرَّ بِهِمُ الطَّيْرُ فَيَشْتَهُونَهُ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَذَلِكَ دَعْوَاهُمْ، فَيَأْتِيهِمُ الْمَلَكَ بِمَا اشْتَهُوا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: 10] قَالَ: فَإِذَا أَكَلُوا حَمِدُوا اللَّهَ رَبَّهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10] "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: 10] يَقُولُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِيهَا؛ ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: 10] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ
: " ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: 10] قَالَ: إِذَا أَرَادُوا الشَّيْءَ قَالُوا: اللَّهُمَّ فَيَأْتِيهِمْ مَا دَعُوا بِهِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: 10] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبِّ مِمَّا أَضَافَ إِلَيْكَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِكَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْكَ وَالْفُرْيَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ، عَطِيَّةُ فِيهِمْ: «سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُبْحَانَ اللَّهِ، قَالَ: «إِبْرَاءُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، وَخَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالُوا: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: ثَنَا قَابُوسُ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ «سُبْحَانَ اللَّهِ»
قَالَ: «كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ»
حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبِ الطَّلْحِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: «تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنِ السُّوءِ»
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْبَزَّارُ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنِي حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: «هُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ تَمَامٍ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَ سُبْحَانَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ» ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ [يونس: 10] يَقُولُ: وَتَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ﴿فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: 10] أَيْ سَلِمْتَ وَأَمِنْتَ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ أَهْلُ النَّارِ.
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمُلْكَ التَّحِيَّةَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ: [البحر الوافر] أَزُورُ بِهَا أَبَا قَابُوسَ حَتَّى ... أَنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ: [البحر الكامل] مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الْفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّةْ وَقَوْلُهُ: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: 10] يَقُولُ: وَآخِرُ دُعَائِهِمْ ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10] يَقُولُ: وَآخِرُ دُعَائِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَلِذَلِكَ خُفِّفَتْ «أَنَّ» وَلَمْ تُشَدَّدْ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْحِكَايَةُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [يونس: 11] إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ فِي ﴿الشَّرِّ﴾ [يونس: 11] وَذَلِكَ فِيمَا عَلَيْهِمْ مَضَرَّةٌ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ؛ ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: 11] يَقُولُ:
كَاسْتِعْجَالِهِ لَهُمْ فِي الْخَيْرِ بِالْإِجَابَةِ إِذَا دَعُوهُ بِهِ ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] يَقُولُ: لَهَلَكُوا وَعَجَّلَ لَهُمُ الْمَوْتَ، وَهُوَ الْأَجَلُ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ﴾ [الأنعام: 8] لَفَرَغَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَجَلِهِمْ وَتَبَدَّى لَهُمْ، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
[البحر الكامل]
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: 11] يَقُولُ: فَنَدَعُ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ عِقَابَنَا وَلَا يُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَلَا بِالنِّشُورِ، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15] يَقُولُ: فِي تَمَرُّدِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ، ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] يَعْنِي يَتَرَدَّدُونَ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ بِالْبَعْثِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ مِنْ طُغْيَانِهِمْ وَتَرَدُّدِهِمْ فِيهِ عِنْدَ تَعْجِيلِهِ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ فِي الشَّرِّ لَوِ اسْتَجَابَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّقَرُّبِ إِلَى الْوَثَنِ الَّذِي يُشْرِكُ بِهِ أَحَدُهُمْ، أَوْ يُضِيفُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ فَعَلِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: 11] قَالَ: قَوْلُ الْإِنْسَانِ إِذَا غَضِبَ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ: لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ وَلَعَنَهُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: 11] قَالَ: قَوْلُ
الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ فَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ الِاسْتِجَابَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَا يُسْتَجَابُ فِي الْخَيْرِ لَأَهْلَكَهُمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: 11] قَالَ: قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] قَالَ: لَأَهْلَكَ مَنْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: 11] قَالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ أَوْ مَالِهِ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] قَالَ: لَأَهْلَكَ مَنْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ.
قَالَ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: 11] قَالَ: يَقُولُ: لَا نُهْلِكُ أَهْلَ الشِّرْكِ، وَلَكَنْ نَذَرْهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: 11] قَالَ: هُوَ دُعَاءُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " {لَقُضِيَ
إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11] قَالَ: لَأَهْلَكَنَاهُمْ، وَقَرَأَ: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45] قَالَ: يُهْلِكُهُمْ كُلَّهُمْ " وَنَصَبَ قَوْلَهُ ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ [يونس: 11] بِوُقُوعِ يُعَجِّلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: قُمْتُ الْيَوْمَ قِيَامَكَ، بِمَعْنَى قُمْتُ كَقِيَامِكَ، وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ مِنْ يُعَجِّلُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَمْ يَحْسُنْ دُخُولَ الْكَافِ، أَعْنِي كَافَّ التَّشْبِيهِ فِيهِ، وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: " ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] «عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ بِضَمِّ الْقَافَ مِنْ» قُضِيَ «وَرَفْعِ» الْأَجَلُ ". وَقَرَأَ عَامَّةُ أَهْلِ الشَّأْمِ: «لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ» بِمَعْنَى: لَقَضَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ.
وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنِّي أَقْرَؤُهُ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ