الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] قَالَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ "
قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [يونس: 1] قَالَ: الْكُتُبُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْقُرْآنِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: هَذِهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: هَذِهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ، وَوَجْهُ
مَعْنَى «تِلْكَ» إِلَى مَعْنَى «هَذِهِ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ تَوْجِيهِ تِلْكَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَالْآيَاتُ الْأَعْلَامُ، وَالْكِتَابُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا كُلَّ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَبْلُ ذِكْرٌ وَلَا تِلَاوَةٌ بَعْدَهُ فَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ الْخَبَرَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَالرَّحْمَنُ هَذِهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ.
وَمَعْنَى " ﴿الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: «الْمُحْكَمُ» صَرَفَ مُفْعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا قِيلَ عَذَابٌ أَلِيمٌ، بِمَعْنَى مُؤْلِمٌ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ فَمَعْنَاهُ إِذًا: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُحْكَمِ الَّذِي أَحْكَمَهُ اللَّهُ وَبَيَّنَهُ لِعِبَادِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِلَتْ مِنْ لَدُنٌ حَكِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [هود: 1]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَكَانَ عَجَبًا لِلنَّاسِ إِيحَاؤُنَا الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ بِإِنْذَارِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، كَأَنَّهُمْ
لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْحَى مِنْ قَبْلِهِ إِلَى
مِثْلِهِ مِنَ الْبَشَرِ، فَتَعْجَبُوا مِنْ وَحِينَا إِلَيْهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا رَسُولًا أَنْكَرَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: 2] . . وَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: 109] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «عَجِبَتْ قُرَيْشٌ أَنْ بُعِثَ، رَجُلٌ مِنْهُمْ» قَالَ: وَمَثَلُ ذَلِكَ: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: 65] ، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: 73] قَالَ اللَّهُ: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: 63]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2]
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَكَانَ عَجَبًا لِلنَّاسِ أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ، وَأَنْ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ؛ عَطَفَ عَلَى «أَنْذِرَ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَنَّ لَهُمُ أَجْرًا حَسَنًا بِمَا قَدَّمُوا مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] قَالَ: ثَوَابُ صِدْقٍ "
قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] قَالَ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَبِشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] يَقُولُ: أَجْرًا حَسَنًا بِمَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُغِيثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَنَّ لَهُمْ، قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2]
قَالَ: صَلَاتُهُمْ، وَصَوْمُهُمْ، وَصَدَقَتُهُمْ، وَتَسْبِيحُهُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2] قَالَ: خَيْرٍ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2] مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: " ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2] ثَوَابَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2] قَالَ: الْقَدَمُ الصِّدْقُ: الثَّوَابُ الصِّدْقُ بِمَا قَدَّمُوا مِنَ الْأَعْمَالِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّ لَهُمْ سَابِقُ صِدْقٍ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنَ السَّعَادَةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] يَقُولُ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شَفِيعٌ لَهُمْ، قَدَمَ صِدْقٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَوْنِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَوْ الْحَسَنِ: " ﴿أَنَّ لَهُمْ، قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] قَالَ: مُحَمَّدٌ شَفِيعٌ لَهُمْ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمُ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] أَيْ سَلَفَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَنَّ لَهُمْ، قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُمْ أَعْمَالًا صَالِحَةً عِنْدَ اللَّهِ يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا مِنْهُ الثَّوَابَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَحْكِيُّ عَنِ الْعَرَبِ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ؛ أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدَّمُوا فِيهِ خَيْرًا، فَكَانَ لَهُمْ فِيهِ تَقْدِيمٌ، وَيُقَالُ: لَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ وَقَدَمُ سُوءٍ، وَذَلِكَ مَا قَدَّمَ إِلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [البحر الطويل] لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْكَ وَخَلْفُنَا ... لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [البحر الطويل]
لَكُمْ قَدَمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الْحَسَبِ الْعَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى الْبَحْرِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ تَقْدُمَةَ خَيْرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: 2] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: 76] بِمَعْنَى: إِنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ «لَسِحْرٌ مُبِينٌ» وَقَرَأَ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ:
«إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ» وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ نَزَلَ الْمَوْصُوفُ عَلَى صِفَتِهِ، وَصِفَتُهُ عَلَيْهِ، فَالْقَارِئُ مُخَيَّرٌ فِي الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ نَظِيرُ هَذَا الْحَرْفُ: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: 2] وَ «لَسِحْرٌ مُبِينٌ» وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ، وَوَصْفُهُمْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ أَنَّهُ سِحْرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ وَصَفُوهُ بِالسِّحْرِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَسَوَاءٌ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ لِاتِفَاقِ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْرَهُ وَهُوَ: فَلَمَّا بَشَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْوَحْيَ، قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِهِ لَسِحْرٌ مُبِينٌ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] ، فَلَمَّا آتَاهُمْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْمُنْكِرُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَرِسَالَةَ رَسُولِهِ: إِنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ لَسِحْرٌ مُبِينٌ؛ أَيْ يُبَيِّنُ لَكَمْ عَنْهُ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، هُوَ الَّذِي
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَانْفَرَدَ بِخَلْقِهَا بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا ظَهِيرٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ مُدْبِرًا لِلْأُمُورِ وَقَاضِيًا فِي خَلْقِهِ مَا
أَحَبَّ، لَا يَضَادُهُ فِي قَضَائِهِ أَحَدٌ وَلَا يَتَعَقَّبُ تَدْبِيرَهُ مُتَعَقِّبٌ وَلَا يَدْخُلُ أُمُورَهُ خَلَلٌ.
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3] يَقُولُ: لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ شَافِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَحَدٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الشَّفَاعَةِ.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: 102] يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: هَذَا الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ سَيِّدُكُمْ وَمَوْلَاكُمْ لَا مَنْ لَا يَسْمَعُ، وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يُدَبِّرُ، وَلَا يَقْضِي مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: 51] يَقُولُ: فَاعَبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ وَالرُّبُوبِيَّةَ بِالذِّلَّةِ مِنْكُمْ لَهُ دُونَ أَوْثَانِكُمْ وَسَائِرِ مَا تُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3] يَقُولُ: أَفَلَا تَتَّعِظُونَ وَتَعْتَبِرُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالْحِجَجِ، فَتُنِيبُونَ إِلَى الْإِذْعَانِ بِتَوْحِيدِ رَبِّكُمْ وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَتَجْمَعُونَ الْأَنْدَادَ وَتَبرَءُونَ مِنْهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 3] قَالَ: يَقْضِيهِ وَحْدَهُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى،
عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3] قَالَ: يَقْضِيهِ وَحْدَهُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 3] قَالَ: يَقْضِيهِ وَحْدَهُ " قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِلَى رَبِّكُمُ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ،
مَعَادُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمِيعًا.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: 122] فَأَخْرَجَ وَعْدَ اللَّهِ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: 60] لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْوَعْدَ، وَمَعْنَاهُ: يَعِدُكُمُ اللَّهُ أَنْ يُحْيِيكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ وَعْدًا حَقًّا، فَلِذَلِكَ نَصَبَ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: 122] ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمْ يَبْدَأُ إِنْشَاءَ الْخَلْقِ وَإِحْدَاثَهُ وَإِيجَادَهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَيُوجِدُهُ حَيًّا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ابْتَدَأَهُ بَعْدَ فَنَائِهِ وَبَلَائِهِ.
كَمَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 4] قَالَ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَحْسَبُهُ أَنَّهُ قَالَ: «ثُمَّ يُحْيِيهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 4] قَالَ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 4] يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يَبْدَؤُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ " قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ذَلِكَ: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: 4] بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ إِنَّهُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ قَرَأَهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ «أَنَّهُ» كَأَنَّهُ أَرَادَ: حَقًّا أَنْ يَبْدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَـ «أَنَّ» حِينَئِذٍ تَكُونُ رَفْعًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] أَحَقًّا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ لَسْتُ زَائِرًا ... أَبَا حَبَّةٍ إِلَّا عَلَيَّ رَقِيبُ
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: 4] يَقُولُ: ثُمَّ يُعِيدُهُ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ مَمَاتِهِ عِنْدَ بَعْثِهِ مِنْ قَبْرِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: 4] يَقُولُ: لِيُثِيبَ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَاجْتَنَبُوا مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الْحَسَنَةِ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: 4] يَقُولُ: لِيَجْزِيَهُمْ عَلَى الْحَسَنِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا الْحَسَنَ مِنَ الثَّوَابِ وَالصَّالِحَ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْقِسْطُ.
وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ؛ كَمَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: 4] بِالْعَدْلِ " وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: 4] فَإِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْعَذَابِ.
وَفِيهِ مَعْنَى الْعَطْفُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ مَعَادِ جَمِيعِهِمْ كُفَّارِهِمْ وَمُؤْمِنِيهِمْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ إِعَادَتَهُمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ فَرِيقٍ بِمَا عَمِلَ، الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْمُسِيءُ بِالْإِسَاءَةِ.
وَلَكَنْ لَمَّا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْخَبَرُ الْمُسْتَأْنَفُ عَمَّا أَعَدَّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْعَذَابِ مَا يَدُلُّ سَامِعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُرَادِ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ وَالْمَعْنَى الْعَطْفُ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ جَحَدُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، لَهُمْ شَرَابٌ فِي جَهَنَّمَ مِنْ حَمِيمٍ، وَذَلِكَ شَرَابٌ قَدْ أُغْلِيَ وَاشْتَدَّ حَرُّهُ حَتَّى أَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَتَسَاقَطُ مِنْ أَحَدِهِمْ حِينَ يُدْنِيهِ مِنْهُ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وَكَمَا وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: 29]
وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ «مَحْمُومٌ» : أَيْ مُسَخَّنٌ، وَكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ حَمِيمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُرَقِّشِ: [البحر البسيط] فِي كُلِّ يَوْمٍ لَهَا مِقْطَرَةٌ ... فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ يَعْنِي بِالْحَمِيمِ: الْمَاءَ الْمُسَخَّنَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يونس: 4] يَقُولُ: وَلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ عَذَابٌ مُوجِعٌ سِوَى الشَّرَابِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: 4] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ