تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 543-547

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

صفحات 543-547
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

لِمَا فِي أَسَانِيدِهِمَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهَا مِنْ أَجْلِهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ مَكَّةَ حَرَمًا حِينَ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِغَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنْهُ لَهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَكِنْ بِمَنْعِهِ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ، وَبِدَفْعِهِ عَنْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَعَنْ سَاكِنِيهَا مَا أُحِلَّ بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ سَاكِنِيهَا مِنَ النِّقْمَاتِ؛ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ أَمْرُهَا حَتَّى بَوَّأَهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ، وَأَسْكَنَ بِهَا أَهْلَهُ هَاجَرَ وَوَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ حِينَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ إيجادَ فَرْضِ تَحْرِيمِهَا عَلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ خَلْقِهِ، يَسْتَنُّونَ بِهَا فِيهَا، إِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاعِلُهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، فَأَجَابَهُ رَبُّهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ، وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ حِينَئِذٍ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ، فَصَارَتْ مَكَّةُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً بِمَنْعِ اللَّهِ إِيَّاهَا بِغَيْرِ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ الِامْتِنَاعِ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ، وَمُحَرَّمَةٌ بِدَفْعِ اللَّهِ عَنْهَا بِغَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ فَرَضَ تَحْرِيمَهَا عَلَى خَلْقِهِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَوَاجِبٌ عَلَى عِبَادِهِ الِامْتِنَاعُ مِنِ اسْتِحْلَالِهَا، وَاسْتِحْلَالِ صَيْدِهَا وَعِضَاهِهَا، بِإِيجَابِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ بِبَلَاغِ إِبْرَاهِيمَ رِسَالَةَ اللَّهِ إِلَيْكَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ تَحْرِيمُهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ» لِأَنَّ فَرْضَ تَحْرِيمِهَا الَّذِي أَلْزَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ بِهِ، دُونَ التَّحْرِيمِ

الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَعَبَّدًا لَهَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَلَاءَةِ وَالْحِفْظِ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ كَانَ عَنْ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ، لَزِمَ الْعِبَادَ فَرْضُهُ دُونَ غَيْرُهُ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا قُلْنَا صِحَّةُ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ، أَعْنِي خَبَرَ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» . وَخَبَرُ جَابِرٍ وَأَبَى هُرَيْرَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» وَأَنْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا دَافِعًا صِحَّةَ مَعْنَى الْآخَرِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ.
وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا دَافِعًا بَعْضًا إِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا، وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ رُوِيَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجِيئًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا يَقْطَعُ عُذْرَ مَنْ بَلَغَهُ.
وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ قَالَ قَبْلَ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ عَلَى خَلْقِهِ، فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَحْرِيمَ اللَّهِ إِيَّاهُ الَّذِي حَرَّمَهُ بِحِيَاطَتِهِ إِيَّاهُ وَكَلَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ لَهُمْ بِذَلِكَ.
وَإِنْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى لِسَانِهِ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ، فَلَا مَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 126] وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ مُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الثَّمَرَاتِ دُونَ

كَافِرِيهِمْ.
وَخَصَّ بِمَسْأَلَةِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ لِمَا أَعْلَمُهُ اللَّهُ عِنْدَ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ أَنَّ مِنْهُمُ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يَنَالُ عَهْدَهُ، وَالظَّالِمُ الَّذِي لَا يُدْرِكُ وِلَايَتَهُ.
فَلَمَّا أُعْلِمَ أَنَّ مِنَ ذُرِّيَّتِهِ الظَّالِمَ وَالْكَافِرَ، خَصَّ بِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ الْمُؤْمِنَ مِنْهُمْ دُونَ الْكَافِرِ، وَقَالَ اللَّهُ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَكَ، وَسَأَرْزُقُ مَعَ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ كَافِرَهُمْ، فَأُمَتِّعُهُ بِهِ قَلِيلًا.
وَأَمَّا «مَنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 126] فَإِنَّهُ نُصِبَ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَالْبَيَانِ عَنِ الْأَهْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217] بِمَعْنَى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ قِتَالٍ، فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] بِمَعْنَى: وَلِلَّهِ حَجُّ الْبَيْتِ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وَإِنَّمَا سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَلَّ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا أَهْلٍ، فَسَأَلَ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ ثَمَرًا، وَأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ رَبَّهُ نَقَلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126] نَقَلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ وَفِي وَجْهِ قِرَاءَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَائِلُ

هَذَا الْقَوْلِ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126] بِرِزْقِي مِنَ الثَّمَرَاتِ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ.
وَقَرَأَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ذَلِكَ: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126] بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْعَيْنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: 126] قَالَ: هُوَ قَوْلُ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 126] وَعَدَّلَ الدَّعْوَةَ عَمَّنْ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْوَلَايَةَ، انْقِطَاعًا إِلَى اللَّهِ وَمَحَبَّةً وَفِرَاقًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ حِينَ عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمٌ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ، بِخَبَرِهِ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَخْبَرَهُ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] فَإِنِّي أُرْزَقُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ الْكَافِرَ أَيْضًا مِنَ الثَّمَرَاتِ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ، مِثْلَ الَّذِي يَرْزُقُ بِهِ الْمُؤْمِنَ وَيُمَتِّعُهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا،

ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ اضْطَرَّهُ، وَفَصَلَ ثَمَّ اضْطَرَّهُ بِغَيْرِ قَطْعِ أَلِفِهَا، عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ لَهُمْ وَالْمَسْأَلَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «ذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126] يَقُولُ: وَمَنْ كَفَرَ فَأَرْزُقُهُ أَيْضًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَالتَّأْوِيلِ، مَا قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقِرَاءَتُهُ، لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ دِرَايَةً بِتَصْوِيبِ ذَلِكَ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ.
وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِمَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ، عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: قَالَ اللَّهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ أَجَبْتُ دَعَوْتَكَ، وَرَزَقْتُ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَكُفَّارَهُمْ مَتَاعًا لَهُمْ إِلَى بُلُوغِ آجَالِهِمْ، ثُمَّ

أضْطَرُّ كُفَّارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى النَّارِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126] يَعْنِي: فَأَجْعَلُ مَا أَرْزُقُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ مَتَاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ إِلَى وَقْتِ مَمَاتِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ مَا سَأَلَ مِنْ رِزْقِ الثَّمَرَاتِ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْجَوَّابَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ لَا فِي غَيْرِهِ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: فَأُمَتِّعُهُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا فِي كُفْرِهِ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ، حَتَّى أَبْعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتُلُهُ إِنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ يُجْلِيهِ عَنْهَا.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ فَإِنَّ دَلِيلَ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِهِ لِمَا وَصَفْنَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: 126] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: 126] ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَأَسُوقُهُ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] وَمَعْنَى الِاضْطِرَارِ: الْإِكْرَاهُ، يُقَالُ: اضْطَرَرْتُ فُلَانًا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ: إِذَا

أَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ.
فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: 126] أَدْفَعُهُ إِلَيْهَا، وَأَسُوقُهُ سَحْبًا وَجَرًّا عَلَى وَجْهِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126]

قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ «بِئْسَ» أَصْلُهُ بَئِسَ مِنَ الْبُؤْسِ، سُكِّنَ ثَانِيهِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ثَانِيهِ إِلَى أَوَّلِهِ، كَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ كِبْدٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَسَاءَ الْمَصِيرُ عَذَابُ النَّارِ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الَّذِي مَتَّعْتُهُمْ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمَصِيرُ فَإِنَّهُ مَفْعِلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صِرْتُ مَصِيرًا صَالِحًا، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ الْكَافِرُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ

جارٍ التحميل