الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 30] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ [البقرة: 30] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنِّي فَاعِلٌ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِقُدْرَتِهِ لِيَبْتَلِيَهُ وَيَبْتَلِيَ بِهِ لِعِلْمِهِ بِمَا فِي مَلَائِكَتِهِ وَجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ بَلَاءٍ ابْتُلِيَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مِمَّا لَهَا فِيهِ مَا تُحِبُّ وَمَا تَكْرَهُ لِلْبَلَاءِ وَالتَّمْحِيصِ لِمَا فِيهِمْ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوا وَأَحَاطَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ مِنْهُمْ، جَمَعَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ سُكَّانِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] يَقُولُ: عَامِرٌ أَوْ سَاكِنٌ يَسْكُنُهَا وَيَعْمُرُهَا خَلْقًا لَيْسَ مِنْكُمْ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ، فَقَالَ: يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ وَيَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي، فَقَالُوا جَمِيعًا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] لَا نَعْصِيَ وَلَا نَأْتِي شَيْئًا كَرِهْتَهُ؟ قَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ فِيكُمْ وَمِنْكُمْ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ، مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَإِتْيَانِ مَا أَكْرَهُ مِنْهُمْ، مِمَّا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، مِمَّا ذَكَرْتُ فِي بَنِي آدَمَ.
قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: 70] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]
فَذَكَرَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذِكْرِهِ آدَمَ حِينَ أَرَادَ خَلْقَهُ وَمُرَاجَعَةَ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ فِيمَا ذَكَرَ لَهُمْ مِنْهُ.
فَلَمَّا عَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِ آدَمَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ بِيَدَيَّ تَكْرِمَةً لَهُ، وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ، وَتَشْرِيفًا لَهُ؛ حَفِظَتِ الْمَلَائِكَةُ عَهْدَهُ، وَوَعُوا قَوْلَهُ، وَأَجْمَعُوا الطَّاعَةَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ إِبْلِيسُ، فَإِنَّهُ صَمَتَ عَلَى مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْحَسَدِ وَالْبَغْيِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْمَعْصِيَةِ.
وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ آدَمَةِ الْأَرْضِ، مِنْ طِينٍ لَازِبٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، بِيَدَيْهِ تَكْرِمَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ وَتَشْرِيفًا لَهُ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَيُقَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ثُمَّ وَضَعَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ عَامًا قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ حَتَّى عَادَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ، وَلَمْ تَمَسَّهُ نَارٌ.
قَالَ: فَيُقَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الرُّوحُ إِلَى رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ.
وَوَقَعَ الْمَلَائِكَةُ حِينَ اسْتَوَى سُجُودًا لَهُ حِفْظًا لِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ، وَطَاعَةً لِأَمْرِهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ.
وَقَامَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَلَمْ يَسْجُدْ مُكَابِرًا مُتَعَظِّمًا بَغْيًا وَحَسَدًا، فَقَالَ لَهُ: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] إِلَى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ إِبْلِيسَ وَمُعَاتَبَتِهِ وَأَبَى إِلَّا الْمَعْصِيَةَ، أَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةَ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ، وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، فَقَالَ: ﴿يَا آدَمُ أنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] أَيْ إِنَّمَا أَجَبْنَاكَ فِيمَا عَلَّمْتَنَا، فَأَمَّا مَا لَمْ
تُعَلِّمْنَا فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ.
فَكَانَ مَا سَمَّى آدَمُ مِنْ شَيْءٍ كَانَ اسْمُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ خَلْقِ آدَمَ، فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30] " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَالَتْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30] لِأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهَا فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَسَأَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْهَا: وَكَيْفَ يَعْصُونَكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ خَالِقُهُمْ.
فَأَجَابَهُمْ رَبُّهُمْ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ، وَمِنْ بَعْضِ مَنْ تَرَوْنَهُ لِي طَائِعًا.
يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ قُصُورَ عِلْمِهِمْ عَنْ عِلْمِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِنْكَارِ مِنْهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ لِيَعْلَمُوا، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ.
وَقَالَ: قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يُعْصَى اللَّهُ، لِأَنَّ الْجِنَّ قَدْ كَانَتْ أُمِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَصَتْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَبِّ خَبِّرْنَا؛ مَسْأَلَةَ اسْتِخْبَارٍ مِنْهُمْ لِلَّهِ لَا عَلَى وَجْهِ مَسْأَلَةِ التَّوْبِيخِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ مَلَائِكَتِهِ
قِيلَهَا لَهُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْهَا اسْتِخْبَارٌ لِرَبِّهَا؛ بِمَعْنَى: أَعْلِمْنَا يَا رَبَّنَا، أَجَاعِلٌ أَنْتَ فِي الْأَرْضِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ وَتَارِكٌ أَنْ تَجْعَلَ خُلَفَاءَكَ مِنَّا، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ لَا إِنْكَارَ مِنْهَا لِمَا أَعْلَمَهَا رَبُّهَا أَنَّهُ فَاعِلٌ، وَإِنْ كَانَتْ قَدِ اسْتَعْظَمَتْ لَمَّا أُخْبِرَتْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ خَلْقٌ يَعْصِيهِ.
وَأَمَّا دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ أَذِنَ لَهَا بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، فَدَعْوَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلَا خَبَرَ بِهَا مِنَ الْحُجَّةِ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ فِي تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ.
وَأَمَّا وَصْفُ الْمَلَائِكَةِ مَنْ وَصَفَتْ فِي اسْتِخْبَارِهَا رَبَّهَا عَنْهُ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي رَوَاهُ السُّدِّيُّ وَوَافَقَهُمَا عَلَيْهِ قَتَادَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ.
وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً تَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةً يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنَ الِاسْتِخْبَارِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ اسْتِخْبَارِهَا وَالْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهَا قَدْ أُخْبِرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ؟ قِيلَ: وَجْهُ اسْتِخْبَارِهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ عَنْ حَالِهِمْ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَهَلْ
ذَلِكَ مِنْهُمْ؟ وَمَسْأَلَتُهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَجْعَلَهُمُ الْخُلَفَاءُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَعْصُوهُ.
وَغَيْرُ فَاسِدٍ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ ذَلِكَ لِمَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ عِلْمِ سُكَّانِ الْأَرْضِ قَبْلَ آدَمَ مِنَ الْجِنِّ، فَقَالَتْ لِرَبِّهَا: أَجَاعِلٌ فِيهَا أَنْتَ مِثْلَهُمْ مِنَ الْخَلْقِ يَفْعَلُونَ مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ؟ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْلَامِ مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهَا إِخْبَارًا عَمَّا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ.
وَغَيْرُ خَطَأٍ أَيْضًا مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِيلُ الْمَلَائِكَةِ مَا قَالَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ مِنْهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ خَلْقٌ يَعْصِي خَالِقَهُ.
وَإِنَّمَا تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِالَّذِي رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَبِالَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا خَبَرَ عِنْدَنَا بِالَّذِي قَالُوهُ مِنْ وَجْهٍ يَقْطَعُ مَجِيئُهُ الْعُذْرَ وَيُلْزِمُ سَامِعَهُ بِهِ الْحُجَّةَ.
وَالْخَبَرُ عَمَّا مَضَى وَمَا قَدْ سَلَفَ، لَا يُدْرَكُ عِلْمُ صِحَّتِهِ إِلَّا بَمِجِيئِهِ مَجِيئًا يَمْتَنِعُ مِنْهُ التَّشَاغُبُ وَالتَّوَاطُؤُ، وَيَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالْخَطَأُ وَالسَّهْوُ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ كَذَلِكَ فِيمَا حَكَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ، وَلَا فِيمَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِالْآيَةِ، مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ دَلَالَةً مِمَّا يَصِحُّ مَخْرَجُهُ فِي الْمَفْهُومِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ هُوَ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنَّ ذُرِّيَّةَ خَلِيفَتِهِ فِي الْأَرْضِ يُفْسِدُونَ فِيهَا وَيَسْفِكُونَ فِيهَا الدِّمَاءَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] فَأَيْنَ ذِكْرُ إِخْبَارِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي كِتَابِهِ بِذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ: اكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا قَدْ ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَلَا تَدْفِنُونِي إِنَّ دَفْنِيَ مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ
فَحَذَفَ قَوْلَهُ دَعُونِي لِلَّتِي يُقَالُ لَهَا عِنْدَ صَيْدِهَا خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ، إِذْ كَانَ فِيمَا أَظْهَرَ مِنْ كَلَامِهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنَى مُرَادِهِ.
فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] لَمَّا كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا تَرَكَ ذِكْرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] مِنَ الْخَبَرِ عَمَّا يَكُونُ مِنْ إِفْسَادِ ذُرِّيَّتِهِ فِي الْأَرْضِ اكْتَفَى بِدَلَالَتِهِ وَحُذِفَ، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.
فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: 30] فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِنَّا نُعَظِّمُكَ بِالْحَمْدِ لَكَ وَالشُّكْرِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: 98] وَكَمَا قَالَ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 5] وَكُلُّ ذِكْرٌ لِلَّهِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَتَسْبِيحٌ وَصَلَاةٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ
مِنْهُمْ: قَضَيْتُ سُبْحَتِي مِنَ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ التَّسْبِيحَ صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنْتَ جَالِسٌ؟ فَقَالَ لَهُ: «امْضِ إِلَى عَمَلِكَ إِنْ كَانَ لَكَ عَمَلٌ» فَقَالَ: مَا أَظُنُّ إِلَّا سَيَمُرُّ عَلَيْكَ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْكَ.
فَمَرَّ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنْتَ جَالِسٌ.
فَقَالَ لَهُ مِثْلَهَا فَقَالَ: هَذَا مِنْ عَمَلِي.
فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ حَتَّى انْتَهَى.
ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا انْفَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَرَرْتُ آنِفًا عَلَى فُلَانٍ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ لَهُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنْتَ جَالِسٌ.
فَقَالَ: سِرْ إِلَى عَمَلِكَ إِنْ كَانَ لَكَ عَمَلٌ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ» فَقَامَ عُمَرُ مُسْرِعًا.
فَقَالَ: «يَا عُمَرُ ارْجِعْ فَإِنَّ غَضَبَكَ عِزٌّ وَرِضَاكَ حُكْمٌ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ لَهُ غِنًى عَنْ صَلَاةِ فُلَانٍ» . فَقَالَ عُمَرُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا صَلَاتُهُمْ؟ فَلَمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْئًا.
فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ سَأَلَكَ عُمَرُ عَنْ صَلَاةِ أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى عُمَرَ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا سُجُودٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ رُكُوعٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ قِيَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسَهْلُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَسْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَهُ، أَوْ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ عَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ، أَيُّ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: " مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ " فِي أَشْكَالٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِاسْتِقْصَائِهَا.
وَأَصْلُ التَّسْبِيحِ لِلَّهِ عِنْدَ الْعَرَبِ التَّنْزِيهُ لَهُ مِنْ إِضَافَةِ مَا لَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ إِلَيْهِ وَالتَّبْرِئَةِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر السريع]
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
يُرِيدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ فَخْرِ عَلْقَمَةَ.
أَيْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِمَّا أَتَى عَلْقَمَةُ مِنَ الِافْتِخَارِ عَلَى وَجْهِ النَّكِيرِ مِنْهُ لِذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُمْ: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: نُصَلِّي لَكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: يَقُولُونَ: نُصَلِّي لَكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: 30] التَّسْبِيحَ الْمَعْلُومَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ التَّسْبِيحَ التَّسْبِيحَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالتَّقْدِيسُ هُوَ التَّطْهِيرُ وَالتَّعْظِيمُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، يَعْنِي بِقَوْلِهِمْ سُبُّوحٌ: تَنْزِيهٌ لِلَّهِ؛ وَبِقَوْلِهِمْ قُدُّوسٌ: طَهَارَةٌ لَهُ وَتَعْظِيمٌ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْأَرْضِ: أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُطَهَّرَةَ.
فَمَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ إِذًا ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: 30] نُنَزِّهُكَ وَنُبَرِّئُكَ مِمَّا يُضِيفُهُ إِلَيْكَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِكَ، وَنُصَلِّي لَكَ.
وَنُقَدِّسُ لَكَ: نَنْسُبُكَ إِلَى مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِكَ مِنَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَمَا أَضَافَ إِلَيْكَ أَهْلُ الْكُفْرِ بِكَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَقْدِيسَ الْمَلَائِكَةِ لِرَبِّهَا صَلَاتُهَا لَهُ
كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: التَّقْدِيسُ: الصَّلَاةُ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُقَدِّسُ لَكَ: نُعَظِّمُكَ وَنُمَجِّدُكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ
الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: نُعَظِّمُكَ وَنُمَجِّدُكَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: نُعَظِّمُكَ وَنُكَبِّرُكَ "
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] لَا نَعْصِي وَلَا نَأْتِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ "
وَحُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: التَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ " وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّقْدِيسَ الصَّلَاةُ أَوِ التَّعْظِيمُ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّطْهِيرِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ صَلَاتَهَا لِرَبِّهَا تَعْظِيمٌ
مِنْهَا لَهُ وَتَطْهِيرٌ مِمَّا يَنْسُبُهُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكُفْرِ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ مَكَانَ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] : وَنُقَدِّسُكَ، كَانَ فَصِيحًا مِنَ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فُلَانٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيُقَدِّسُهُ، وَيُسَبِّحُ لِلَّهِ وَيُقَدِّسُ لَهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقَدْ جَاءَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرُكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 34] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ إِبْلِيسَ، وَإِضْمَارِهِ الْمَعْصِيَةَ لِلَّهِ وَإِخْفَائِهِ الْكِبْرَ، مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ وَخَفِيَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] يَقُولُ إِنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ قَلْبِ إِبْلِيسَ عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعُوا عَلَيْهِ مِنْ كِبْرِهِ وَاغْتِرَارِهِ "
وَحَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] يَعْنِي مِنْ شَأْنِ إِبْلِيسَ "
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا " وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا "
وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُزُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ حَمْزَةَ
الزَّيَّاتِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ كِتْمَانَهُ الْكِبْرَ أَنْ لَا يَسْجُدَ لِآدَمَ "
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ " وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا.
وَقَالَ مَرَّةً آدَمَ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ مُجَاهِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا، وَعَلِمَ مِنْ آدَمَ الطَّاعَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا "
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ وَالثَّوْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا "
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] أَيْ فِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَهْلُ الطَّاعَةِ وَالْوَلَايَةِ لِلَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ وَقَوْمٌ صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّةِ " وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي قَالَتْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ﴾ [البقرة: 30] الدِّمَاءَ اسْتَفْظَعَتْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ خَلْقٌ يَعْصِيهِ، وَعَجِبَتْ مِنْهُ إِذْ أُخْبِرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] يَعْنِي بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِنَّكُمْ لَتَعْجَبُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَتَسْتَفْظِعُونَهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ فِي بَعْضِكُمْ، وَتَصِفُونَ أَنْفُسَكُمْ بِصِفَةٍ أَعْلَمُ خِلَافَهَا مِنْ بَعْضِكُمْ وَتُعَرِّضُونَ بِأَمْرٍ قَدْ جَعَلْتُهُ لَغَيْرِكُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا أَخْبَرَهَا رَبُّهَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ خَلِيفَتِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ قَالَتْ لِرَبِّهَا: يَا رَبِّ أَجَاعِلٌ أَنْتَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً مِنْ غَيْرِنَا يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَعْصِيكَ أَمْ مِنَّا؟ فَإِنَّا نُعَظِّمُكَ وَنُصَلِّي لَكَ وَنُطِيعُكَ وَلَا نَعْصِيكَ.
وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِمَا قَدِ انْطَوَى عَلَيْهِ كَشْحًا إِبْلِيسُ مِنَ اسْتِكْبَارِهِ عَلَى رَبِّهِ.
فَقَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُونَ مِنْ بَعْضِكُمْ.
وَذَلِكَ هُوَ مَا كَانَ مَسْتُورًا عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ إِبْلِيسَ وَانْطِوَائِهِ عَلَى مَا قَدْ كَانَ انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْكِبْرِ.
وَعَلَى قِيلِهِمْ ذَلِكَ وَوَصْفِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْعُمُومِ مِنَ الْوَصْفِ عُوتِبُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 31]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بَعَثَ رَبُّ الْعِزَّةِ مَلَكَ الْمَوْتِ، فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ مِنْ عَذْبِهَا وَمَالِحِهَا، فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ.
وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ»