تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 327-340

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكَعْبِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:

صفحات 327-340
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَا يُبْكِيكَ , فَقَدْ كُنْتَ وَكُنْتَ؟ فَقَالَ: يُبْكِينِي أَنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] حَدَّثَنِي بِذَلِكَ , مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمُقَدَّمِيُّ , قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ , عَنْ هَمَّامٍ , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ عَامِرٍ وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قُرْبَانُ الْمُتَّقِينَ: الصَّلَاةُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سُلَيْمٍ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: " كَانَ قُرْبَانُ الْمُتَّقِينَ: الصَّلَاةَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 28] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمَقْتُولِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ لَمَّا قَالَ لَهُ أَخُوهُ الْقَاتِلُ لَأَقْتُلَنَّكَ: وَاللَّهِ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ [المائدة: 28] يَقُولُ: " مَدَدْتَ إِلَيَّ يَدَكَ

﴿لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 28] يَقُولُ: " مَا أَنَا بَمَادٍّ يَدِيَ إِلَيْكَ ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28] وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ الْمَقْتُولُ ذَلِكَ لِأَخِيهِ وَلَمْ يُمَانِعْهُ مَا فَعَلَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ ذَلِكَ إِعْلَامًا مِنْهُ لِأَخِيهِ الْقَاتِلِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّ قَتْلَهُ وَلَا بَسْطَ يَدِهِ إِلَيْهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا عَوْفٌ , عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , أَنَّهُ قَالَ: «وَايْمُ اللَّهِ , إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ إِلَى أَخِيهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 28] لَا أَنَا بِمُنْتَصِرٍ , وَلَأَمْسِكَنَّ يَدِي عَنْكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَمْنَعْهُ مِمَّا أَرَادَ مِنْ قَتْلِهِ , وَقَالَ مَا قَالَ لَهُ مِمَّا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ مِمَّنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا رَجُلٌ , سَمِعَ مُجَاهِدًا , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28] قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا تَرَكَهُ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلَ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ظُلْمًا , وَأَنَّ الْمَقْتُولَ قَالَ لِأَخِيهِ: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ إِنْ

بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِ أَخِيهِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ مِنْ قَتْلِهِ.
فَأَمَّا الامْتِنَاعُ مِنْ قَتْلِهِ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ , فَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ كَانَ الْمَقْتُولُ عَالِمًا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ عَازِمٌ مِنْهُ وَمُحَاوِلٌ مَنْ قَتَلَهُ , فَتَرَكَ دَفْعَهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ بَلْ قَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً , اغْتَالَهُ وَهُوَ نَائِمٌ , فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِتَرْكِ مَنْعِ أَخِيهِ مِنْ قَتْلِهِ , لَمْ يَكُنْ جَائِزًا ادِّعَاءُ مَا لَيْسَ فِي الْآيَةِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 28] فَإِنِّي أَخَافُ اللَّهَ فِي بَسْطِ يَدِيَ إِلَيْكَ إِنْ بَسَطْتُهَا لِقَتْلِكَ.
﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 28] يَعْنِي: مَالِكَ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا أَنْ يُعَاقِبَنِيَ عَلَى بَسْطِ يَدِيَ إِلَيْكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 29] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي مِنْ قَتْلِكَ إِيَّايَ وَإِثْمِكَ فِي مَعْصِيَتِكَ اللَّهَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِيكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ , وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَعَنْ مُرَّةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , وَعَنْ نَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ: " إِثْمَ قَتْلِي إِلَى إِثْمِكَ الَّذِي فِي عُنُقِكَ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: 29]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ بِقَتْلِكَ إِيَّايَ , وَإِثْمِكَ قَبْلَ ذَلِكَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] قَالَ: «بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِكَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِكَ وَدَمِي , تَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا»

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ: " إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِقَتْلِكَ إِيَّايَ ﴿وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] قَالَ: «بِمَا كَانَ مِنْكَ قَبْلَ ذَلِكَ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ , قَالَ: ثني عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] قَالَ: " أَمَّا إِثْمُكَ , فَهُوَ الْإِثْمُ الَّذِي عَمِلَ قَبْلَ قَتْلِ النَّفْسِ , يَعْنِي أَخَاهُ.
وَأَمَّا إِثْمُهُ:

فَقَتْلُهُ أَخَاهُ " وَكَأَنَّ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] أَيْ " إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ قَتْلِي , فَحَذَفَ الْقَتْلَ وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْإِثْمِ , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ.
وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ , وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا , لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ , بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي , فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَأْوِيلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ [المائدة: 29] وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29] فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ , وَذَلِكَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ فَغَيْرُ

جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَا الْقَاتِلُ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ قَتْلُ الْمَقْتُولِ مِنْ بَنِي آدَمَ كَانَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ مِنَ الْقَاتِلِ؟ قِيلَ: بَلَى , وَأَعْظِمْ بِهَا مَعْصِيَةً.
فَإِنْ قَالَ: فَإِذَا كَانَ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مَعْصِيَةٌ , فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ مِنْهُ الْمَقْتُولُ وَيَقُولُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ [المائدة: 29] وَقَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ قَتْلِي؟ فَمَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ قَتْلِي إِنْ قَتَلْتَنِي لِأَنِّي لَا أَقَتُلُكَ , فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتَنِي فَإِنِّي مَرِيدٌ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ مَعْصِيَتِكَ اللَّهَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ.
وَهُوَ إِذَا قَتَلَهُ , فَهُوَ لَا مَحَالَةَ بَاءَ بِهِ فِي حُكْمِ اللَّهِ , فَإِرَادَتُهُ ذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ الدُّخُولَ فِي الْخَطَأِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ: " فَتَكُونَ بِقَتْلِكَ إِيَّايَ مِنْ سُكَّانِ الْجَحِيمِ , وَوَقُودِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 29] يَقُولُ: " وَالنَّارُ ثَوَابُ التَّارِكِينَ طَرِيقَ الْحَقِّ الزَّائِلِينَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ , الْمُتَعَدِّينِ مَا جُعِلَ لَهُمْ إِلَى مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَمَرَ وَنَهَى آدَمَ بَعْدَ أَنْ أَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ , وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ , وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَالَ الْمَقْتُولُ لِلْقَاتِلِ: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ بِقَتْلِكَ إِيَّايَ , وَلَا أَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ.
فَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: عَلَقَتْ إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمَئِذِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ , عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ

مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجِ

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجُ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِدٌ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «إِنَّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ الْعَذَابَ , عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو خَبَرٌ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , وَوَكِيعٌ , جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ , عَنْ مَسْرُوقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا , ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا أَبِي ح , وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ , عَنْ مَسْرُوقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , قَالَ: «مَا مِنْ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا , إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ وَالشَّيْطَانِ كِفْلٌ مِنْهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ , أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ أَشْقَى النَّاسِ رَجُلًا لِابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ , مَا سُفِكَ دَمٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ قَتَلَ أَخَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا لَحِقَ بِهِ مِنْهُ شَيْءٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» وَبِهَذَا الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ الْحَسَنُ فِي ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ , ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , وَلَكِنَّهُمَا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَأَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ , أَنَّ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ آدَمُ , وَأَنَّ الْقُرْبَانَ الَّذِي كَانَتِ النَّارُ تَأْكُلُهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطَأً؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ هَذَا الْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ.
أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ

الْقَتْلَ , وَقَدْ كَانَ لَا شَكَّ الْقَتْلُ قَبْلَ إِسْرَائِيلَ , فَكَيْفَ قَبْلُ ذُرِّيَّتِهِ , وَخَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْقَوْلِ هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ , لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ , فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَطَوَّعَتْ﴾ [المائدة: 30] فَأَقَامَتهُ وَسَاعَدَتْهُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ فَعَّلَتْ مِنَ الطَّوْعِ , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: طَاعَنِي هَذَا الْأَمْرُ: إِذَا انْقَادَ لَهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَشَجَّعَتْ

لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ , وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ , قَالَا: ثنا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ , عَنْ عَنبَسَةَ , عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: 30] قَالَ: «شَجَّعَتْ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي

نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: 30] قَالَ: «فَشَجَّعَتْهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 30] قَالَ: " شَجَّعَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: زَيَّنَتْ لَهُ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: 30] قَالَ: «زَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ , فَقَتَلَهُ» ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صِيغَةِ قَتْلِهِ إِيَّاهُ كَيْفَ كَانَتْ , وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَتَلَهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَدَهُ نَائِمًا فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِيمَا ذَكَرَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ , وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَعَنْ مُرَّةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , وَعَنْ نَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 30] فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ , فَرَاغَ الْغُلَامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ.
وَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ فِي جَبَلٍ وَهُوَ نَائِمٌ , فَرَفَعَ صَخْرَةً فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ , فَمَاتَ , فَتَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ "

وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَشْعَثَ السِّجِسْتَانِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ , قَالَ: ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ صَاحَبَهُ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ , فَتَمَثَّلَ إِبْلِيسُ لَهُ فِي هَيْئَةِ طَيْرٍ , فَأَخَذَ طَيْرًا فَقَصَعَ رَأْسَهُ , ثُمَّ وَضَعَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَشَدَخَ رَأْسَهُ , فَعَلَّمَهُ الْقَتْلَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَتَلَهُ حَيْثُ يَرْعَى الْغَنَمَ , فَأَتَى فَجَعَلَ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ , فَلَوَى بِرَقَبَتِهِ وَأَخَذَ بِرَأْسِهِ , فَنَزَلَ إِبْلِيسُ , وَأَخَذَ دَابَّةً أَوْ طَيْرًا , فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ , ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَرَضَخَ بِهِ رَأْسَهُ , وَابْنُ آدَمَ الْقَاتِلُ يَنْظُرُ , فَأَخَذَ أَخَاهُ , فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ وَأَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَرَضَخَ بِهِ رَأْسَهُ " حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا رَجُلٌ , سَمِعَ مُجَاهِدًا , يَقُولُ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: لَمَّا أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَ ابْنِ آدَمَ الَّذِي تُقُبَّلَ قُرْبَانُهُ , قَالَ الْآخَرُ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرَّبْتَ قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْكَ وَرُدَّ عَلَيَّ؟ وَاللَّهِ لَا تَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ وَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي.
فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكِ.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] فَخَوَّفَهُ بِالنَّارِ , فَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ , فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ

قَتْلَ أَخِيهِ , فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ "

حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ , قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَرْمِي الْجَمْرَةَ وَهُوَ مُتَقَنِّعٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِي , حَتَّى إِذَا وَازَيْنَا بِمَنْزِلِ سَمُرَةَ الصَّرَّافِ , وَقَفَ يُحَدِّثُنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " نَهَى أَنْ يَنْكِحَ الْمَرْأَةَ أَخُوهَا تَوْأَمُهَا وَيَنْكِحَهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا , وَكَانَ يُولَدُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ , فَوُلِدَتِ امْرَأَةٌ وَسِيمَةٌ , وَوُلِدَتِ امْرَأَةٌ دَمِيمَةٌ قَبِيحَةٌ , فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحُكَ أُخْتِي.
قَالَ: لَا , أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي.
فقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ , وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ , فَقَتَلَهُ.
فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْكَبْشُ مَحْبُوسًا عِنْدَ اللَّهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ فِي فِدَاءِ إِسْحَاقَ , فَذَبَحَهُ عَلَى هَذَا الصَّفَا فِي ثَبِيرٍ عِنْدَ مَنْزِلِ سَمُرَةَ الصَّرَّافِ , وَهُوَ عَلَى يَمِينِكَ حِينَ تَرْمِي الْجِمَارَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بَنُو آدَمَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَضَى أَرْبَعَةُ آبَاءٍ , فَنَكَحَ ابْنَةَ عَمِّهِ , وَذَهَبَ نِكَاحُ الْأَخَوَاتِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْقَاتِلِ أَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ , وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا يَقْطَعُ الْعُذْرَ بِصِفَتِهِ قَتْلَهُ إِيَّاهُ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَحْوِ

مَا قَدْ ذَكَرَ السُّدِّيُّ فِي خَبَرِهِ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ , غَيْرَ أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ كَانَ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30] فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ: فَأَصْبَحَ الْقَاتِلُ أَخَاهُ مِنِ ابْنَيْ آدَمَ مِنْ حِزْبِ الْخَاسِرِينَ , وَهُمُ الَّذِينَ بَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِدُنْيَاهُمْ بِإِيثَارِهِمْ إِيَّاهَا عَلَيْهَا فَوُكِسُوا فِي بَيْعِهِمْ وَغُبِنُوا فِيهِ , وَخَابُوا فِي صِفْقَتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثَ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا أَيْضًا أَحَدُ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَمْرِ ابْنَيْ آدَمَ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَمْرٌو عَنِ الْحَسَنِ؛

لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَوْ كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَجْهَلِ الْقَاتِلُ دَفْنَ أَخِيهِ وَمُوَارَاةَ سَوْأَةِ أَخِيهِ , وَلَكِنَّهُمَا كَانَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ لِصُلْبِهِ.
وَلَمْ يَكُنِ الْقَاتِلُ مِنْهُمَا أَخَاهُ عَلِمَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عَادَةِ الْمَوْتَى , وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ , فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ حِينًا حَتَّى أَرَاحَتْ جِيفَتُهُ , فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ السُّنَّةَ فِي مَوْتَى خَلْقِهِ , فَقَيَّضَ لَهُ الْغُرَابَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ صِفَتَهُمَا فِي كِتَابِهِ

جارٍ التحميل