تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 243-258

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكَعْبِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:

صفحات 243-258
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: قَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: «نَصَرْتُمُوهُمْ بِالسَّيْفِ» وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: " التَّعَزُّرُ وَالتَّوْقِيرُ: الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِ , فَذُكِرَ عَنْ يُونُسَ الْحِرْمَزِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ «حَدَّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنهُ» وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ نَصَرْتُمُوهُمْ وَأَعَنْتُمُوهُمْ وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ وَأَيَّدْتُمُوهُمْ , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ: [البحر الوافر] وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ... وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّزُ فِي النَّدِيِّ وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: الْعَزْرُ الرَّدُّ عَزَّرْتُهُ رَدَدْتُهُ: إِذَا رَأَيْتُهُ يَظْلِمُ , فَقُلْتُ: اتَّقِ اللَّهَ أَوْ نَهَيْتُهُ , فَذَلِكَ الْعَزْرُ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: نَصَرْتُمُوهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا

وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9] فَالتَّوْقِيرُ: هُوَ التَّعْظِيمُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ.
وَإِذَا فَسَدَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ التَّعْظِيمُ , وَكَانَ النَّصْرُ قَدْ يَكُونُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ؛ فَأَمَّا بِالْيَدِ فَالذَّبُّ بِهَا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَغَيْرِهِ , وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَحُسْنُ الثَّنَاءِ , وَالذَّبُّ عَنِ الْعِرْضِ , صَحَّ أَنَّهُ النَّصْرُ إِذْ كَانَ النَّصْرُ يَحْوِي مَعْنَى كُلِّ قَائِلٍ قَالَ فِيهِ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَا عَنْهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: 12] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَذَلِكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّكُمْ , ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] يَقُولُ: " وَأَنْفَقْتُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِهِ , فَأَصَبْتُمُ الْحَقَّ فِي إِنْفَاقِكُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ تَتَعَدَّوْا فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ وَمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَثَّكُمْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: 12] وَلَمْ يَقُلْ: إِقْرَاضًا حَسَنًا , وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَصْدَرَ أَقْرَضْتَ: الْإِقْرَاضَ؟ قِيلَ: لَوْ قِيلَ ذَلِكَ كَانَ صَوَابًا , وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] أَخْرَجَ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: أَقْرَضَ مَعْنَى قَرَضَ , كَمَا فِي مَعْنَى أَعْطَى أَخَذَ , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَقَرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا , وَنَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17] إِذْ كَانَ فِي أَنْبَتَكُمْ مَعْنَى فَنَبَتُّمْ , وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [البحر الطويل]

وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلَالٍ إِذْ كَانَ فِي رُضْتُ مَعْنَى أَذْلَلْتُ , فَخَرَجَ الْإِذْلَالُ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: 12] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ , يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ أَعْطُونِي مِيثَاقَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِطَاعَتِي , وَاتِّبَاعِ أَمْرِي , وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ , وَفَعَلْتُمْ سَائِرَ مَا

وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ جَنَّتِي ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: 12] يَقُولُ: " لَأُغَطِّيَنَّ بِعَفْوِي عَنْكُمْ وَصَفْحِي عَنْ عُقُوبَتِكُمْ , عَلَى سَالِفِ إِجْرَامِكُمُ الَّتِي أَجْرَمْتُمُوهَا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ عَلَى ذُنُوبِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوبِقَاتِ ذُنُوبِكُمْ.
﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ [المائدة: 12] مَعَ تَغْطِيَتِي عَلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ بِفَضْلِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] فَالْجَنَّاتُ: الْبَسَاتِينُ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ [آل عمران: 195] لَأُغَطِّيَنَّ , لِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنَاهُ الْجُحُودُ وَالتَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ , كَمَا قَالَ لَبِيدٌ: [البحر الكامل] فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا يَعْنِي: غَطَّاهَا.
التَّفْعِيلُ مِنَ الْكُفْرِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ [آل عمران: 195] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: اللَّامُ الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ , يَعْنِي اللَّامَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: " وَالثَّانِيَةُ مَعْنَى قَسَمٍ آخَرَ

وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: بَلِ اللَّامُ الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْيَمِينِ , فَاكْتَفَى بِهَا عَنِ الْيَمِينِ , يَعْنِي بِاللَّامِ الْأُولَى: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ.
قَالَ: وَاللَّامُ الثَّانِيَةُ , يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: 12] جَوَابٌ لَهَا , يَعْنِي لِلَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: 12] وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: 12] غَيْرُ تَامٍّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: 12] وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: 12] قَسَمًا مُبْتَدَأً , بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: «يَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِ هَذِهِ الْبَسَاتِينَ الَّتِي أَدْخَلَكَمُوهَا الْأَنْهَارُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 12] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ , فَتَرَكَهُ , أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْدَ أَخْذِي الْمِيثَاقَ عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِي ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108] يَقُولُ: "

فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ , وَزَلَّ عَنْ مَنْهَجِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ.
وَالضَّلَالُ: الرُّكُوبُ عَلَى غَيْرِ هُدًى؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَوَاءَ﴾ [البقرة: 6] يَعْنِي بِهِ: وَسَطَ السَّبِيلِ , وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ

ذَلِكَ كُلَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ

, لَا تَعْجَبَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ , وَنَكَثُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ , غَدْرًا مِنْهُمْ بِكَ وَأَصْحَابِكَ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِهِمْ وَعَادَاتِ سَلَفِهِمْ؛ وَمِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَخَذْتُ مِيثَاقَ سَلَفِهِمْ عَلَى عَهْدِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَتِي , وَبَعَثْتُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَدْ تُخَيَّرُوا مِنْ جَمِيعِهِمْ لِيَتَجَسَّسُوا أَخْبَارَ الْجَبَابِرَةِ , وَوَعَدْتُهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ , وَأَنْ أُوَرِّثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ , بَعْدَ مَا أَرَيْتُهُمْ مِنَ الْعِبَرِ وَالْآيَاتِ بِإِهْلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي الْبَحْرِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ لَهُمْ وَسَائِرِ الْعِبَرِ مَا أَرَيْتُهُمْ , فَنَقَضُوا مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي وَنَكَثُوا عَهْدِي , فَلَعَنْتُهُمْ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ؛ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ خِيَارِهِمْ مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ , فَلَا تَسْتَنْكِرُوا مِثْلَهُ مِنْ فِعْلِ أَرَاذِلِهِمْ.
وَفَي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اكْتُفِي بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ , فَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ , فَلَعَنْتُهُمْ , فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ , فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: 155] مِنْ ذِكْرِ فَنَقَضُوا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: 155] فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ.
كَمَا قَالَ قَتَادَةُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: 13] يَقُولُ: «فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: 155] قَالَ: «هُوَ مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ فَنَقَضُوهُ» وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى اللَّعْنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: 155] عَائِدَتَانِ عَلَى ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13] بِالْأَلِفِ , عَلَى تَقْدِيرِ فَاعِلِهِ , مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَسَا قَلْبُهُ , فَهُوَ يَقْسُو وَهُوَ قَاسٍ , وَذَلِكَ إِذَا غَلُظَ وَاشْتَدَّ

وَصَارَ يَابِسًا صُلْبًا , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: فَلَعَنَّا الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وَلَمْ يَفُوا بِمِيثَاقِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي , وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً

غَلِيظَةً يَابِسَةً عَنِ الْإِيمَانِ بِي وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي , مَنْزُوعَةً مِنْهَا الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: " وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَعْنَى الْقَسْوَةِ , لِأَنَّ فَعِيلَةً فِي الذَّمِّ أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَةٍ , فَاخْتَرْنَا قِرَاءَتَهَا قَسِيَّةً عَلَى قَاسِيَةٍ لِذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَى قَسِيَّةٍ غَيْرُ مَعْنَى الْقَسْوَةِ؛ وَإِنَّمَا الْقَسِّيَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْقُلُوبُ الَّتِي لَمْ يَخْلُصْ إِيمَانُهَا بِاللَّهِ , وَلَكِنْ يُخَالِطُ إِيمَانُهَا كُفْرٌ كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِّيَّةِ , وَهِيَ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ مِنْ نُحَاسِ أَوْ رَصَاصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ , كَمَا قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ: [البحر البسيط] لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا ... صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ يَصِفُ بِذَلِكَ وَقْعَ مَسَاحِي الَّذِينَ حَفَرُوا قَبْرَ عُثْمَانَ عَلَى الصُّخُورِ , وَهِيَ السِّلَامُ.
وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: «وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً» عَلَى فَعِيلَةٍ , لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي ذَمِّ الْقَوْمِ مِنْ قَاسِيَةٍ "

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ فَعِيلَةً مِنَ الْقَسْوَةِ , كَمَا قِيلَ: نَفْسٌ زَكِيَّةٌ وَزَاكِيَةٌ , وَامْرَأَةٌ شَاهِدَةٌ وَشَهِيدَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ الْقَوْمَ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِهِ , وَلَمْ يَصِفْهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ , فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ إِيمَانَهَا يُخَالِطُهُ كُفْرٌ كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِّيَّةِ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَجَعَلْنَا قُلُوبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عُهُودَنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَسِيَّةً , مَنْزُوعًا مِنْهَا الْخَيْرُ , مَرْفُوعًا مِنْهَا التَّوْفِيقُ , فَلَا يُؤْمِنُونَ , وَلَا يَهْتَدُونَ , فَهُمْ لِنَزْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَالْإِيمَانَ يُحَرِّفُونَ كَلَامَ

رَبِّهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ التَّوْرَاةُ , فَيُبَدِّلُونَهُ وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَيَقُولُونَ لِجُهَّالِ النَّاسِ: هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَيْهِ.
وَهَذَا مِنْ صِفَةِ الْقُرُونِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ مُوسَى مِنَ الْيَهُودِ مِمَّنْ أَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَصْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَدْخَلَهُمْ فِي عِدَادِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَ مُوسَى مِنْهُمْ , إِذْ كَانُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَعَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ وَنَقْضِ الْمَوَاثِيقِ الَّتِي أَخَذَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46] يَعْنِي: " حُدُودَ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ , وَيَقُولُونَ: إِنْ أَمَرَكُمْ مُحَمَّدٌ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْبَلُوهُ , وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاحْذَرُوا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾ [المائدة: 13] وَتَرَكُوا نَصِيبًا , وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] أَيْ " تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ؛ وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذَكَرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13] يَقُولُ: «تَرَكُوا نَصِيبًا»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذَكَرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13] قَالَ: «تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ وَوَظَائِفَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّتِي لَا تُقْبَلُ الْأَعْمَالَ إِلَّا بِهَا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا تَزَالُ يَا مُحَمَّدُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْبَأْتُكَ نَبَّأَهُمْ مِنْ نَقْضِهِمْ مِيثَاقِي , وَنَكْثِهِمْ عَهْدِي , مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ , وَنِعْمَتِي عَلَيْهِمْ , عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ

الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ , إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.

وَالْخَائِنَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْخِيَانَةُ , وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ , كَمَا قِيلَ خَاطِئَةٌ: لِلْخَطِيئَةِ , وَقَائِلَةٌ: لِلْقَيْلُولَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 246] اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13] قَالَ: «عَلَى خِيَانَةٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13] قَالَ: «هُمْ يَهُودُ مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ حَائِطِهِمْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13] مِنْ يَهُودَ , مِثْلُ

الَّذِي هَمُّوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ " وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنٍ مِنْهُمْ , قَالَ: وَالْعَرَبُ تَزِيدُ الْهَاءَ فِي آخِرِ الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِمْ: هُوَ رَاوِيَةٌ لِلشِّعْرِ , وَرَجُلٌ عَلَّامَةٌ , وَأَنْشَدَ: [البحر الكامل] حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ ... لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْأَصْبَعِ فَقَالَ: خَائِنَةً , وَهُوَ يُخَاطِبُ رَجُلًاوَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَوْمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ , إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ , فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَا قَدْ هَمُّوا بِهِ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ أَخْبَارَ أَوَائِلِهِمْ وَإِعْلَامِهِ مَنْهَجَ أَسْلَافِهِمْ وَأَنَّ آخِرَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ فِي الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ , لِئَلَّا يَكْبُرَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى خِيَانَةٍ وَغَدْرٍ وَنَقْضِ عَهْدٍ.
وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطَّلِعُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ خَائِنٍ , وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ ابْتُدِئَ بِهِ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ , فَقِيلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ , ثُمَّ قِيلَ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 13] فَإِذْ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ فَلْتُخْتَمْ بِالْجَمَاعَةِ أَوْلَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]

وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ , يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُ: اعْفُ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ بِالْقَتْلِ , وَاصْفَحْ لَهُمْ عَنْ جُرْمِهِمْ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمَكْرُوهِهِمْ , فَإِنِّي أُحِبُّ مِنْ أَحْسَنَ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: " هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ , وَيَقُولُ: نَسَخَتْهَا آيَةُ بَرَاءَةَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الْآيَةُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13] قَالَ: " نَسَخَتْهَا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 29] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا هَمَّامٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13] وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِهِمْ , فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فِي بَرَاءَةَ فَقَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ.
فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا , أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ " حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي

عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ.
وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِمْكَانُهُ , غَيْرَ أَنَّ النَّاسِخَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ , هُوَ مَا كَانَ نَافِيًا كُلَّ مَعَانِي خِلَافِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
فَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ نَافٍ جَمِيعَهُ , فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ إِلَّا بِخَبَرِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ , أَوْ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] دَلَالَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِنَفْيِ مَعَانِي الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْيَهُودِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ جَائِزًا مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِالصَّغَارِ وَأَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ الْقِتَالِ , الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ فِي غَدْرَةٍ هَمُّوا بِهَا أَوْ نَكْثَةٍ عَزَمُوا عَلَيْهَا , مَا لَمْ يَنْصُبُوا حَرْبًا دُونَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , وَيَمْتَنِعُوا مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ مِنْهُمْ , لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَنْ يَحْكُمَ لِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الْآيَةُ , بِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَوْلَهُ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 14] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَأَخَذْنَا مِنَ النَّصَارَى الْمِيثَاقَ عَلَى طَاعَتِي وَأَدَاءِ فَرَائِضِي وَاتِّبَاعِ رُسُلِي

وَالتَّصْدِيقِ بِهِمْ , فَسَلَكُوا فِي مِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْهِمْ مِنْهَاجَ الْأُمَّةِ الضَّالَّةِ مِنَ الْيَهُودِ , فَبَدَّلُوا كَذَلِكَ دِينَهُمْ وَنَقَضُوا نَقْضَهُمْ وَتَرَكُوا حَظَّهُمْ مِنْ مِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِي وَضَيَّعُوا أَمْرِي.
كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 14] نَسُوا كِتَابَ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ , وَعَهْدَ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ , وَأَمْرَ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: «قَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ , وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ [المائدة: 14] حَرَّشْنَا بَيْنَهُمْ وَأَلْقَيْنَا , كَمَا تُغْرِي الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَمَّا تَرَكَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ أَخَذْتُ مِيثَاقَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِي حَظَّهُمْ , مِمَّا عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ مِنْ

أَمْرِي وَنَهْيِي , أَغْرَيْتُ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ إِغْرَاءِ اللَّهِ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ إِغْرَاؤُهُ بَيْنَهُمْ بِالْأَهْوَاءِ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 14] قَالَ: «هَذِهِ الْأَهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ , وَالتَّبَاغُضُ فَهُوَ الْإِغْرَاءُ»

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ النَّخَعِيَّ يَقُولُ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 14] قَالَ: «أَغْرَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِخُصُومَاتٍ بِالْجِدَالِ فِي الدِّينِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , وَالتَّيْمِيِّ , قَوْلُهُ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 14] قَالَ: " مَا أَرَى الْإِغْرَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا الْأَهْوَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: الْخُصُومَاتُ فِي الدِّينِ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هُوَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَالْبَغْضَاءُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14] الْآيَةُ.
إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا تَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ , وَعَصَوْا رُسُلَهُ , وَضَيَّعُوا فَرَائِضَهُ , وَعَطَّلُوا حُدُودَهُ , أَلْقَى بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالِهِمْ أَعْمَالَ السُّوءِ , وَلَوْ أَخَذَ الْقَوْمُ كِتَابَ اللَّهِ وَأَمْرَهُ , مَا افْتَرَقُوا وَلَا تَبَاغَضُوا "

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالْحَقِّ , تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: أَغْرَى بَيْنَهُمْ بِالْأَهْوَاءِ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَهُمْ , كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ؛ لِأَنَّ عَدَاوَةَ النَّصَارَى بَيْنَهُمْ , إِنَّمَا هِيَ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ , وَذَلِكَ أَهْوَاءٌ لَا وَحْي مِنَ اللَّهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ [المائدة: 14] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
فمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمْ: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , لِنِسْيَانِهِمْ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ

جارٍ التحميل