تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 211-227

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكَعْبِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:

صفحات 211-227
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ , قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَيْنَ الْكَعْبَانِ؟ فَقَالَ: الْقَوْمُ هَهُنَا , فَقَالَ: «هَذَا رَأْسُ السَّاقِ , وَلَكِنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا عِنْدَ الْمَفْصِلِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ , قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْكَعْبُ الَّذِي يَجِبُ الْوُضُوءُ إِلَيْهِ , هُوَ الْكَعْبُ الْمُلْتَصِقُ بِالسَّاقِ الْمُحَاذِي الْعَقِبِ , وَلَيْسَ بِالظَّاهِرِ فِي ظَاهِرِ الْقَدَمِ " وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا:

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي الْوُضُوءِ هُمَا النَّاتِئَانِ وَهُمَا مَجْمَعُ فِصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِي مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ تُسَمِّيهُمَا الْعَرَبُ الْمِنْجَمَيْنِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ: هُمَا عَظْمَا السَّاقِ فِي طَرَفِهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِمَا فِي الْوُضُوءِ وَفِي الْحَدِّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْلُغَ بِالْغُسْلِ إِلَيْهِ مِنَ الرِّجْلَيْنِ نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ , وَفِي الْحَدِّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْلُغَ بِالْغُسْلِ إِلَيْهِ مِنَ الْيَدَيْنِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِعِلَلِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: 6] وَإِنْ كُنْتُمْ أَصَابَتْكُمْ جَنَابَةٌ قَبْلَ أَنْ تَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ فَقُمْتُمْ إِلَيْهَا فَاطَّهَّرُوا , يَقُولُ: فَتَطَهَّرُوا بِالِاغْتِسَالِ مِنْهَا قَبْلَ دُخُولِكُمْ فِي صَلَاتِكُمُ الَّتِي قُمْتُمْ إِلَيْهَا.

ووَحَّدَ الْجُنُبَ وَهُوَ خَبَرٌ عَنِ الْجَمِيعِ , لِأَنَّهُ اسْمٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْفِعْلِ , كَمَا قِيلَ: رَجَلٌ عَدْلٌ وَقَوْمٌ عَدْلٌ , وَرَجُلٌ زُورٌ وَقَوْمٌ زُورٌ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَفْظُ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ وَالِاثْنَيْنِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِيهِ وَاحِدٌ , يُقَالَ مِنْهُ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ وَجَنَّبَ وَاجْتَنَبَ وَالْفِعْلُ الْجَنَابَةُ وَالْإِجْنَابُ , وَقَدْ سَمِعَ فِي جَمْعِهِ أَجْنَابٌ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُسْتَفِيضِ الْفَاشِي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , بَلِ الْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ جَرْحَى أَوْ مُجَدَّرِينَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 184] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَإِنْ كُنْتُمْ

مُسَافِرِينَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43] يَقُولُ: " أَوْ جَاءَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْغَائِطِ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِيهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ؛ وَإِنَّمَا عَنَى بِذِكْرِ مَجِيئِهِ مِنْهُ قَضَاءَ حَاجَتِهِ فِيهِ ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] يَقُولُ: " أَوْ جَامَعْتُمُ النِّسَاءَ وَأَنْتُمْ مُسَافِرُونَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي اللَّمْسِ وَبَيَّنَّا أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] إِنْ كَانَ مَعْنَى اللَّمْسِ الْجِمَاعُ , وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] ؟ قِيلَ: وَجْهُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَىَ الَّذِي ذَكَرَهُ تَعَالَى مِنْ فَرْضِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي أَلْزَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] وَذَلِكَ أَنَّهُ بَيَّنَ حُكْمَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] إِذَا كَانَ لَهُ السَّبِيلُ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يُطَهِّرُهُ فَرَضَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ بِهِ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَهُ إِذَا أَعْوَزَهُ الْمَاءُ فَلَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ السَّبِيلَ وَهُوَ مُسَافِرٌ غَيْرُ مَرِيضٍ مُقِيمٌ , فَأَعْلَمَهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ لَهُ حِينَئِذٍ الطُّهُورُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مَرْضَى مُقِيمُونَ , أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَصِحَّاءَ , أَوْ قَدْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ

قَضَاءِ حَاجَتِهِ , أَوْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي سَفَرِهِ مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا , يَقُولُ: فَتَعَمَّدُوا وَاقْصُدُوا وَجْهَ الْأَرْضِ طَيِّبًا , يَعْنِي طَاهِرًا نَظِيفًا غَيْرَ قَذِرٍ وَلَا نَجِسٍ , جَائِزًا لَكُمْ حَلَالًا ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] يَقُولُ: " فَاضْرِبُوا بِأَيْدِيكُمُ الصَّعِيدَ الَّذِي تَيَمَّمْتُمُوهُ وَتَعَمَّدْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ , فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِمَّا عَلَقَ بِأَيْدِيكُمْ مِنْهُ , يَعْنِي: مِنَ الصَّعِيدِ

الَّذِي ضَرَبْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ مِنْ تُرَابِهِ وَغُبَارِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى كَيْفِيَّةَ الْمَسْحِ بِالْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي مِنْهُ وَاخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ وَالْقَوْلَ فِي مَعْنَى الصَّعِيدِ وَالتَّيَمُّمِ , وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ كُلِّ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6] مَا يُرِيدُ اللَّهُ بِمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى صَلَاتِكُمْ , وَالْغُسْلِ مِنْ جَنَابَتِكُمْ وَالتَّيَمُّمِ صَعِيدًا طَيِّبًا عِنْدَ عَدَمِكُمُ الْمَاءَ ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6] لِيُلْزِمَكُمْ

فِي دِينِكُمْ مِنْ ضِيقٍ , وَلَا لِيُعْنِتَكُمْ فِيهِ.
وَبِمَا قُلْنَا فِي مَعْنَى الْحَرَجِ , قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , وَعَنْ أَبِي مَكِينٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6] قَالَا: «مِنْ ضِيقٍ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6] «مِنْ ضِيقٍ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وِلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَكُمْ بِمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوُضُوءِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ , وَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ , فَتَنَظَّفُوا وَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ أَجْسَامَكُمْ مِنَ

الذُّنُوبِ.
كَمَا:

حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , قَالَ: ثنا قَتَادَةُ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْوُضُوءَ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ , ثُمَّ تَصِيرُ الصَّلَاةُ نَافِلَةً» . قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ , لَا مَرَّةً , وَلَا مَرَّتَيْنِ , وَلَا ثَلَاثَ , وَلَا أَرْبَعَ , وَلَا خَمْسَ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , وَيَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ , قَالُوا: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ يَزْرَانِبَهُ الْقُرَشِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنَا رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ الْعَبْدِيُّ , عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ , خَرَجَتْ ذُنُوبُهُ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ , وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ أَوْ ذِرَاعَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ ذِرَاعَيْهِ , فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِهِ , وَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: ثنا حَاتِمٌ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ , عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ , أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا غَسَلَ الْمُؤْمِنُ كَفَّيْهِ انْتَثَرَتِ الْخَطَايَا مِنْ كَفَّيْهِ , وَإِذَا تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَمِنْخَرَيْهِ , وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ , فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ , فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ , فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِ قَدَمَيْهِ , فَإِذَا انْتَهَى إِلَى ذَلِكَ مِنْ وُضُوئِهِ كَانَ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنْهُ , فَإِنْ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا فِيهِمَا بِوَجْهِهِ وَقَلْبِهِ عَلَى رَبِّهِ كَانَ مِنْ خَطَايَاهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ , أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ , أَوْ نَحْوِ هَذَا.
وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْ بِهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ , أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ , حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»

حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ , قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ , قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ حُمْرَانَ , مَوْلَى عُثْمَانَ , قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِوَضُوءٍ وَهُوَ قَاعِدٌ , فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا , ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ كَوُضُوئِي هَذَا , ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ , وَكَانَتْ خُطَاهُ إِلَى الْمَسَاجِدِ نَافِلَةً» وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَيُرِيدُ رَبُّكُمْ مَعَ تَطْهِيرِكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ بِالْمَاءِ إِنْ وَجَدْتُمُوهُ , وَتَيَمُّمِكُمْ إِذَا لَمْ تَجِدُوهُ , أَنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بِإِبَاحَتِهِ لَكُمُ التَّيَمُّمَ , وَتَصْيِيرِهِ لَكُمُ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورًا , رُخْصَةً مِنْهُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَعَ سَائِرِ

نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6] يَقُولُ: " تَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقُهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطْعَنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: 7] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 103] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالْعُقُودِ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا لِلَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ , وَاذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فِي

ذَلِكُمْ , بِأَنْ هَدَاكُمْ مِنَ الْعُقُودِ لِمَا فِيهِ الرِّضَا , وَوَفَّقَكُمْ لِمَا فِيهِ نَجَاتُكُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالرَّدَى فِي نِعَمٍ غَيْرِهَا جَمَّةٍ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 103] قَالَ: " النِّعَمُ: آلَاءُ اللَّهِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: 7] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاذْكُرُوا أَيْضًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ مِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , وَهُوَ عَهْدُهُ الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمِيثَاقَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , أَيَّ مَوَاثِيقِهِ عَنَى؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ مِيثَاقَ اللَّهِ الَّذِي وَاثَقَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا , وَالْعَمَلِ بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7] الْآيَةُ , يَعْنِي: حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ , فَقَالُوا: آمَنَّا بِالنَّبِيِّ وَبِالْكِتَابِ , وَأَقْرَرْنَا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ.
فذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثَاقَهُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ , وَأَمَرَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7] فَإِنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقَنَا , فَقُلْنَا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مِيثَاقَهُ الَّذِي أَخَذَ عَلَى عِبَادِهِ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَقَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: 7] قَالَ: " الَّذِي وَاثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ فِي ظَهْرِ آدَمَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , نَحْوَهُ

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَاذْكُرُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ بِهِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ لِلْإِسْلَامِ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , يَعْنِي: وَعَهْدَهُ الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ حِينَ بَايَعْتُمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ , وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ , إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ لَنَا , وَأَخَذْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْمَوَاثِيقِ وَأَطَعْنَاكَ فِيمَا أَمَرْتَنَا بِهِ وَنَهَيْتَنَا عَنْهُ , وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا بِتَوْفِيقِكُمْ لِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ بِقَوْلِكُمْ لَهُ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , يَقُولُ: فَفُوا لِلَّهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , وَنِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ بِإِقْرَارِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِالسَّمْعِ لَهُ وَالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , يَفِ لَكُمْ بِمَا ضَمِنَ لَكُمُ الْوَفَاءَ بِهِ إِذَا أَنْتُمْ وَفَّيْتُمْ لَهُ بِمِيثَاقِهِ مِنْ إِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكُمْ , وَبِإِدْخَالِكُمْ جَنَّتَهُ وَبِإِنْعَامِكُمْ بِالْخُلُودِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ , وَإِنْقَاذِكُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ بِعَقِبِ تَذْكِرَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَ بِهِ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بَعْدَ مَا أَنْزَلَ كِتَابَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ فِيهَا , فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] الْآيَاتِ بَعْدَهَا , مُنَبِّهًا بِذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَوَاضِعَ حُظُوظِهِمْ مِنَ الْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ , وَمُعَرِّفَهُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَضْيِيعِهِمْ مَا ضَيَّعُوا مِنْ مِيثَاقِهِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ , وَتَعْزِيرِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ , زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ نَكْثِ عُهُودِهِمْ , فَيُحِلُّ بِهِمْ مَا أَحَلَّ بِالنَّاكِثِينَ عُهُودَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَهُمْ ,

فَكَانَ إِذَا كَانَ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ فَوَعَظَهُمْ بِهِ , وَنَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَرْكَبُوا مِنَ الْفِعْلِ مِثْلَهُ مِيثَاقَ قَوْمٍ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ بَعْدَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ , وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ وَاجِبًا , أَنْ يَكُونَ الْحَالُ الَّتِي أَخَذَ فِيهَا الْمِيثَاقَ وَالْمَوْعُوظِينَ نَظِيرَ حَالِ الَّذِينَ وُعِظُوا بِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ بَيِّنًا صِحَّةُ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَفَسَادُ خِلَافِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: 7] فَإِنَّهُ وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَطَافُوا بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ , وَتَهْدِيدًا لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا مِيثَاقَ اللَّهِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ فِي رُسُلِهِ وَعَهْدِهِمُ الَّذِي عَاهَدُوهُ فِيهِ , بِأَنْ يُضْمِرُوا لَهُ خِلَافَ مَا أَبَدَوْا لَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَخَافُوهُ أَنْ تُبَدِّلُوا عَهْدَهُ وَتَنْقُضُوا مِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , أَوْ تُخَالِفُوا مَا ضَمِنْتُمْ لَهُ بِقَوْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , بِأَنْ تُضْمِرُوا لَهُ غَيْرَ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ فِي أَنْفُسِكُمْ , فَإِنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمَائِرِ صُدُورِكُمْ , وَعَالِمٌ بِمَا تُخْفِيهِ نُفُوسُكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , فَيُحِلُّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَتِهِ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ , كَالَّذِي حَلَّ بِمَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الْيَهُودِ مِنَ الْمَسْخِ وَصُنُوفِ النِّقَمِ , وَتَصِيرُوا فِي مَعَادِكُمْ إِلَى سَخَطِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ , لِيَكُنْ مِنْ أَخْلَاقِكُمْ

وَصِفَاتِكُمُ الْقِيَامُ لِلَّهِ , شُهَدَاءَ بِالْعَدْلِ فِي أَوْلِيَائِكُمْ وَأَعْدَائِكُمْ , وَلَا تَجُورُوا فِي أَحْكَامِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ , فَتُجَاوِزُوا مَا حَدَّدْتُ لَكُمْ فِي أَعْدَائِكُمْ لِعَدَاوَتِهِمْ لَكُمْ , وَلَا تَقْصُرُوا فِيمَا حَدَّدْتُ لَكُمْ مِنْ أَحْكَامِي وَحُدُودِي فِي أَوْلِيَائِكُمْ لِوَلَايَتِهِمْ , وَلَكِنِ

انْتَهُوا فِي جَمِيعِهِمْ إِلَى حَدِّي , وَاعْمَلُوا فِيهِ بِأَمْرِي.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَةُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا فِي حُكْمِكُمْ فِيهِمْ وَسِيرَتِكُمْ بَيْنَهُمْ , فَتَجُورُوا عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ هَمَّتِ الْيَهُودُ بِقَتْلِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] نَزَلَتْ فِي يَهُودِ خَيْبَرَ , أَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَهُودَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةٍ , فَهَمُّوا أَنْ يَقْتُلُوهُ , فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8] الْآيَةُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلِيًّا لَكُمْ كَانَ أَوْ عَدُوًّا , فَاحْمِلُوهُمْ عَلَى مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَحْمِلُوهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِي , وَلَا تَجُورُوا بِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَنْهُ.
وَأَمَّا

قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: هُوَ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ أَقْرَبُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى التَّقْوَى , يَعْنِي: إِلَى أَنْ تَكُونُوا عِنْدَ اللَّهِ بِاسْتِعْمَالِكُمْ إِيَّاهُ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى , وَهُمْ أَهْلُ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ , أَوْ يَأْتُوا شَيْئًا مِنْ مَعَاصِيهِ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَدْلَ بِمَا وَصَفَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى مِنَ الْجَوْرِ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ عَادِلًا كَانَ لِلَّهِ بِعَدْلِهِ مُطِيعًا , وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا كَانَ لَا شَكَّ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى , وَمَنْ كَانَ جَائِرًا كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا , وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا كَانَ بَعِيدًا مِنْ تَقْوَاهُ.
وَإِنَّمَا كَنَّى بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: 8] عَنِ الْفِعْلِ , وَالْعَرَبُ تُكْنِي عَنِ الْأَفْعَالِ إِذَا كَنَتْ عَنْهَا بِهُوَ وَبِذَلِكَ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: 232] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ «هُوَ» لَكَانَ أَقْرَبُ نَصْبًا ,

وَلَقِيلَ: اعْدِلُوا أَقْرَبَ لِلتَّقْوَى , كَمَا قِيلَ: ﴿انْتَهَوْا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: 171] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَجُورُوا فِي عِبَادِهِ , فَتُجَاوِزُوا فِيهِمْ حُكْمَهُ وَقَضَاءَهُ الَّذِينَ بَيَّنَ لَكُمْ , فَيُحِلُّ بِكُمْ عُقُوبَتَهُ , وَتَسْتَوْجِبُوا مِنْهُ أَلِيمَ نَكَالِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8] يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ عَمَلٍ بِهِ أَوْ خِلَافٍ لَهُ , مُحْصٍ ذَلِكُمْ عَلَيْكُمْ كُلَّهُ , حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ جَزَاءَكُمُ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ , فَاتَّقُوا أَنْ تُسِيئُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 9] وَعَدَ اللَّهُ أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ , وَعَمِلُوا بِمَا وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ

, وَأَوْفُوا بِالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدَهُمْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِمْ: لَنَسْمَعَنَّ وَلَنُطِيعَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
فسَمِعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ , وَأَطَاعُوهُ فَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9] لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَفَوْا بِالْعُقُودِ وَالْمِيثَاقِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مَغْفِرَةٌ وَهِيَ سَتْرُ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ , وَتَغْطِيَتُهَا بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا , وَتَرْكُهُ عُقُوبَتَهُمْ عَلَيْهَا وَفَضِيحَتُهُمْ بِهَا ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] يَقُولُ: " وَلَهُمْ مَعَ عَفْوِهِ لَهُمْ عَنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ جَزَاءٌ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي

عَمِلُوهَا وَوَفَائِهِمْ بِالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدُوا رَبَّهُمْ عَلَيْهَا أَجْرٌ عَظِيمٌ , وَالْعَظِيمُ مِنْ خَيْرٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ مَبْلَغُهُ وَلَا يَعْرِفُ مُنْتَهَاهُ غَيْرُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ وَعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ , وَلَمْ يُخْبِرْ بِمَا وَعَدَهُمْ , فَأَيْنَ الْخَبَرُ عَنِ الْمَوْعُودِ؟ قِيلَ: بَلَى , إِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمَوْعُودِ , وَالْمَوْعُودُ هُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ , وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَوْعُودُ لَقِيلَ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا , وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ لَهُمْ , وَفِي دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ , وَانْقِضَاءِ الْخَبَرِ عَنِ الْوَعْدِ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مَا ذَكَرْتَ فَإِنَّهُ مِمَّا اكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَا بَطَنَ مِنْ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ بَعْضٍ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَهُ فِيهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ , وَيَأْجُرَهُمْ أَجْرًا عَظِيمًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يُصْحِبُوا الْوَعْدَ أَنْ يُعْمِلُوهُ فِيهَا , فَتُرِكَتْ أَنْ إِذْ كَانَ الْوَعْدُ قَوْلًا , وَمِنْ شَأْنِ الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ مِنْ جُمَلِ الْأَخْبَارِ مُبْتَدَأً وَذَكَرَ بَعْدَهُ جُمْلَةَ الْخَبَرِ اجْتِزَاءً بِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ وَصَرْفًا لِلْوَعْدِ الْمُوَافِقِ لِلْقَوْلِ فِي مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا إِلَى مَعْنَاهُ , فَكَأَنَّهُ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9] الْوَعْدُ الَّذِي وُعِدُوا , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِي آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

جارٍ التحميل