الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 159]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 159] هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ وَأَمْرِ دِينِهِ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ بَعْدِمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، يَلْعَنُهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ وَتَرْكِهِمْ تَبْيِينَهُ لِلنَّاسِ.
وَاللَّعْنَةُ الْفَعْلَةُ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ بِمَعْنَى: أَقْصَاهُ
وَأَبْعَدَهُ، وَأَسْحَقَهُ.
وَأَصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ، كَمَا قَالَ الشَّمَّاخُ بْنُ ضِرَارٍ، وَذَكَرَ مَاءً وَرَدَ عَلَيْهِ:
[البحر الوافر]
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ
يَعْنِي مَقَامَ الذِّئْبِ الطَّرِيدِ.
وَاللَّعِينُ مَنْ نَعَتَ الذِّئْبَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَقَامَ
الذِّئْبِ الطَّرِيدِ وَاللَّعِينِ كَالرَّجُلِ.
فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: أُولَئِكَ يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَسْأَلُ رَبَّهُمُ اللَّاعِنُونَ أَنْ يَلْعَنُهُمُ؛ لِأَنَّ لَعْنَةَ بَنِي آدَمَ وَسَائِرِ خَلْقِ اللَّهِ مَا لُعِنُوا أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، إِذْ كَانَ مَعْنَى اللَّعْنِ هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْإِقْصَاءِ وَالْإِبْعَادِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ لَعْنَةَ اللَّاعِنَيْنِ هِيَ مَا وَصَفْنَا: مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَلْعَنَهُمْ، وَقَوْلُهُمْ: لَعَنَهُ اللَّهُ، أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ
مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، وَيَعْقُوبَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَانِي قَالَا ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] الْبَهَائِمُ، قَالَ إِذَا أَسْنَتَتِ السَّنَةُ، قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصَاةِ بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ " ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِاللَّاعِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ دَوَابَّ الْأَرْضِ وَهَوَامَّهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ " تَلْعَنُهُمْ
دَوَابُّ الْأَرْضِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ تَقُولُ: نُمْنَعُ الْقَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ دَوَابُّ الْأَرْضِ: الْعَقَارِبُ وَالْخَنَافِسُ يَقُولُونَ: مُنِعْنَا الْقَطْرَ بِخَطَايَا بَنِي آدَمَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ " تَلْعَنْهُمُ الْهَوَامُّ وَدَوَابُّ الْأَرْضِ تَقُولُ: أُمْسِكَ الْقَطْرُ عَنَّا بِخَطَايَا بَنِي آدَمَ "
حَدَّثَنَا مُشْرِفُ بْنُ أَبَانَ الْخَطَّابِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ " يَلْعَنُهُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْخَنَافِسُ وَالْعَقَارِبُ يَقُولُونَ: مُنِعْنَا الْقَطْرُ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ: اللَّاعِنُونَ: الْبَهَائِمُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] الْبَهَائِمُ تَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ حِينَ أَمْسَكَ اللَّهُ
عَنْهُمْ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ الْمَطَرَ فَتَخْرُجُ الْبَهَائِمُ فَتَلْعَنُهُمْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ " ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] الْبَهَائِمُ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، فَتَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ " فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] إِلَى أَنَّ اللَّاعِنِينَ هُمُ الْخَنَافِسُ وَالْعَقَارِبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهَا إِذَا جَمَعْتَ مَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّمَا تَجْمَعُهُ بِغَيْرِ الْيَاءِ وَالنُّونِ وَغَيْرِ الْوَاوِ وَالنُّونِ، وَإِنَّمَا تَجْمَعُهُ بِالتَّاءِ، وَمَا خَالَفَ مَا ذَكَرْنَا، فَتَقُولُ اللَّاعِنَاتُ وَنَحْوَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا وَصَفْتَ شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا حُكْمُ جَمْعِهِ أَنْ يَكُونَ بِالتَّاءِ وَبِغَيْرِ صُورَةِ جَمْعِ ذُكْرَانِ بَنِي آدَمَ بِمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ الْآدَمَيِّينَ أَنْ يَجْمَعُوهُ جَمْعَ ذُكُورِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: 21] فَأَخْرَجَ خِطَابَهُمْ عَلَى مِثَالِ خِطَابِ بَنِي آدَمَ إِذْ كَلَّمْتَهُمْ وَكَلَّمُوهَا، وَكَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] وَكَمَا قَالَ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] الْمَلَائِكَةَ وَالْمُؤْمِنِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ: يَقُولُ اللَّاعِنُونَ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] الْمَلَائِكَةُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ اللَّاعِنُونَ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ " وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِاللَّاعِنِينَ: كُلُّ مَا عَدَا بَنِي آدَمَ وَالْجِنَّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ: قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَتْهُ دَابَّةٌ كَأَنَّ عَيْنَيْهَا قِدْرَانِ مِنْ نُحَاسِ مَعَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَتَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَيَصِيحُ فَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ صَوْتَهُ إِلَّا لَعَنَهُ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا سَمِعَ صَوْتَهُ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ، ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ، ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] قَالَ «الْكَافِرُ إِذَا وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ ضُرِبَ ضَرْبَةً بِمَطْرَقٍ فَيَصِيحُ صَيْحَةُ يَسْمَعُ صَوْتَهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ، وَالْإِنْسَ فَلَا يَسْمَعُ صَيْحَتَهُ شَيْءٌ إِلَّا لَعَنَهُ» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: اللَّاعِنُونَ: الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ وَصَفَ الْكُفَّارَ بِأَنَّ اللَّعْنَةَ الَّتِي تَحِلُّ بِهِمْ إِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فَكَذَلِكَ اللَّعْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهَا حَالَّةٌ بِالْفَرِيقِ الْآخَرِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ، هِيَ لَعْنَةُ اللَّهِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّ لَعَنْتَهُمُ حَالَّةُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، وَهُمُ اللَّاعِنُونَ، لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَهْلُ كُفْرٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّاعِنَيْنِ هُمُ الْخَنَافِسُ وَالْعَقَارِبُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ دَبِيبِ الْأَرْضِ وَهَوَّامِهَا، فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا تُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَجُوزُ أَنْ
يُقَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا قَالُوهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الدَّلِيلَ مِنْ ظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ مَا وَصَفْنَا.
فَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ تَكُونَ الْبَهَائِمُ وَسَائِرُ خَلْقِ اللَّهِ تَلْعَنُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ وَنُبُوَّتِهِ، بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَتَلْعَنُ مَعَهُمْ جَمِيعَ الظَّلَمَةَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَطْعُ الشَّهَادَةِ فِي أَنَّ اللَّهَ عَنَى بِاللَّاعِنِينَ الْبَهَائِمَ وَالْهَوَامَّ وَدَبِيبَ الْأَرْضِ، إِلَّا بِخَبَرٍ لِلْعُذْرِ قَاطِعٍ، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ وَظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ دَالٌّ عَلَى خِلَافِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَاللَّاعِنِينَ يَلْعَنُونَ الْكَاتِمِينَ النَّاسَ مَا عَلِمُوا مِنْ أَمْرِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ،
إِلَّا مَنْ أَنَابَ مِنْ كِتْمَانِهِ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَرَاجَعَ التَّوْبَةَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ وَبِنِبُوَّتِهِ، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبَيَانِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ الَّتِي أَنْزَلَ إِلَى أَنْبِيَائِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ، وَأَصْلَحَ حَالَ نَفْسِهِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ بِمَا يُرْضِيَهُ عَنْهُ، وَبَيْنَ الَّذِي عَلِمَ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَعَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِ فَلَمْ يَكْتُمْهُ وَأَظْهَرَهُ فَلَمْ يُخْفِهِ.
فَأُولَئِكَ، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ مِنْهُمْ، هُمُ الَّذِينَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ، فَأَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيَابِ إِلَى طَاعَتِي وَالْإِنَابَةِ إِلَى مَرْضَاتِي
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160] يَقُولُ: وَأَنَا الَّذِي أَرْجِعُ بِقُلُوبِ عَبِيدِي الْمُنْصَرِفَةِ عَنِّي إِلَيَّ، وَالرَّادُّهَا بَعْدَ إِدْبَارِهَا عَنْ طَاعَتِي إِلَى طَلَبِ مَحَبَّتِي، وَالرَّحِيمُ بِالْمُقْبِلِينَ بَعْدَ إِقْبَالِهِمْ إِلَيَّ أَتَغَمَّدُهُمْ مِنِّي بِعَفْو وَأَصْفَحُ عَنْ عَظِيمِ مَا كَانُوا اجْتَرَمُوا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي لَهُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يُتَابُ عَلَى مَنْ تَابَ؟ وَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160] وَهَلْ يَكُونُ تَائِبٌ إِلَّا وَهُوَ مَتُوبٌ عَلَيْهِ أَوْ مَتُوبٌ عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ تَائِبٌ؟ قِيلَ: ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا إِلَّا وَالْآخَرُ مَعَهُ، فَسَوَاءٌ قِيلَ: إِلَّا الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ فَتَابُوا، أَوْ قِيلَ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَإِنِّي أَتُوبُ عَلَيْهِمْ؛ وَقَدْ بَيِّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ فِيمَا جَاءَ مِنَ الْكَلَامِ هَذَا الْمَجِيءَ فِي نَظِيرِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160] يَقُولُ " أَصْلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَبَيَّنُوا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَلَمْ يَكْتُمُوهُ، وَلَمْ يَجْحَدُوا بِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160] قَالَ «بَيَّنُوا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمَا سَأَلُوهُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي يَهُودَ» وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160] إِنَّمَا هُو: وَبَيَّنُوا التَّوْبَةَ بِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ.
وَدَلِيلُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالتَّنْزِيلِ بِخِلَافِهِ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا عُوتِبُوا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى كِتْمَانِهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَبَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِينَ يُبَيِّنُونَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينَهُ فَيَتُوبُونَ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْجُحُودِ وَالْكِتْمَانِ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ عَذَابٍ مَنْ يَلْعَنْهُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُ اللَّاعِنُونَ.
وَلَمْ يَكُنِ الْعِتَابُ عَلَى تَرْكِهِمْ تَبْيِينَ التَّوْبَةَ بِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ.
وَالَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامِ وَذَوُوهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فَحَسَنُ إِسْلَامُهُمْ وَاتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ