اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: 118] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ النَّصَارَى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: 118] قَالَ: النَّصَارَى تَقُولُهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ؛ وَزَادَ فِيهِ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 118] النَّصَارَى وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَا جَمِيعًا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُكَلِّمْنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: 118] الْآيَةَ كُلَّهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: 118] وَهُمْ كُفَّارُ الْعَرَبِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: 118] قَالَ: هُمْ كُفَّارُ الْعَرَبِ "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: 118] أَمَا الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ: فَهُمُ الْعَرَبُ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ وَالصَّوَابِ قَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 118] النَّصَارَى دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ خَبَرِ اللَّهِ عَنْهُمْ، وَعَنِ افْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا.
فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ أَنَّهُمْ مَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: 116] تَمَنَّوْا عَلَى اللَّهِ الْأَبَاطِيلَ، فَقَالُوا جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَبِمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ وَهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ: لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ كَمَا يُكَلِّمُ رَسُولَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ، أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَمَا أَتَتْهُمْ.
وَلَا يَنْبَغِي اللَّهُ أَنْ يُكَلِّمَ إِلَّا أَوْلِيَاءَهُ، وَلَا يُؤْتِي آيَةً مُعْجِزَةً عَلَى دَعْوَى مُدَّعٍ إِلَّا لِمَنْ كَانَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ وَدَاعِيًا إِلَى الْفِرْيَةِ عَلَيْهِ وَادِّعَاءِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ لَهُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَوْ يُؤْتِيَهُ آيَةً مُعْجِزَةً تَكُونُ مُؤَيِّدَةً كَذِبَهُ وَفِرْيَتَهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الزَّاعِمُ: إِنَّ اللَّهَ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 118] الْعَرَبَ، فَإِنَّهُ قَائِلٌ قَوْلًا لَا خَبَرَ بِصِحَّتِهِ وَلَا بُرْهَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي ظَاهِرِ الْكِتَابِ.
وَالْقَوْلُ إِذَا صَارَ إِلَى ذَلِكَ كَانَ وَاضِحًا خَطَؤُهُ، لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَادِّعَاءُ مِثْلِ ذَلِكَ لَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَى أَحَدٍ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: 118] فَإِنَّهُ بِمَعْنَى: هَلَّا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ.
كَمَا
قَالَ الْأَشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ: [البحر الطويل] تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الْكَمِيَّ الْمُقَنَّعَا بِمَعْنَى: فَهَلَّا تَعُدُّونَ الْكَمِيَّ الْمُقَنَّعَ؟
كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: 118] قَالَ: فَهَلَّا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا قَبْلُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهَا الْعَلَامَةُ.
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: هَلَّا تَأْتِينَا آيَةٌ عَلَى مَا نُرِيدُهُ وَنَسْأَلُ، كَمَا أَتَتِ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ.
فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾
[البقرة: 118]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118] هُمُ
الْيَهُودُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118] الْيَهُودُ " وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ هُمُ الْعَرَبُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَغَيْرَهُمْ "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " قَالُوا: يَعْنِي الْعَرَبَ، كَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ قَبْلِهِمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: 118] هُمُ النَّصَارَى، وَالَّذِينَ قَالَتْ مِثْلَ
قَوْلِهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، وَسَأَلَتْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمُ رَبِّهَمْ جَهْرَةً، وَأَنْ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَ رَبِّهِمْ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَسَأَلُوا مِنَ الْآيَاتِ مَا لَيْسَ لَهُمْ مَسْأَلَتُهُ تَحَكُّمًا مِنْهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَكَذَلِكَ تَمَنَّتِ النَّصَارَى عَلَى رَبِّهَا تَحَكُّمًا مِنْهَا عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعَهُمُ كَلَامَهُ وَيُرِيَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنَ الْآيَاتِ.
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي قَالَتْهُ الْيَهُودُ وَتَمَنَّتْ عَلَى رَبِّهَا مِثْلَ أَمَانِيِّهَا، وَأَنَّ قَوْلَهُمُ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا يُشَابِهُ قَوْلَ الْيَهُودِ مِنْ أَجْلِ تَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ.
فَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُهُمْ فِي كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، فَقُلُوبُهُمْ مُتَشَابِهَةٌ فِي الْكُفْرِ بِرَبِّهِمْ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ، وَتَحَكُّمِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118] قُلُوبُ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ " وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى ذَلِكَ تَشَابَهَتْ قُلُوبُ كُفَّارِ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118] يَعْنِي الْعَرَبَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَغَيْرَهُمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118] يَعْنِي الْعَرَبَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَغَيْرَهُمْ "
وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَشَابَهَتِ﴾ [البقرة: 118] التَّثْقِيلُ، لِأَنَّ التَّاءَ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا زَائِدَةٌ أُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ: تَفَاعَلَ، وَإِنْ ثَقُلَتْ صَارَتْ تَاءَيْنِ؛ وَلَا يَجُوزُ إِدْخَالُ تَاءَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَامَةً لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِقْبَالِ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى دُخُولِهِمَا، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَدْخُلُ عَلَمًا لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالْأُخْرَى مِنْهَا الَّتِي فِي تَفَاعَلَ، ثُمَّ تُدْغَمُ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَتُثَقَّلُ فَيُقَالُ: تَشَابَهَ بَعْدَ الْيَوْمِ قُلُوبُنَا.
فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَقَالَتِ النَّصَارَى الْجُهَّالُ بِاللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ: هَلَّا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ رَبُّنَا كَمَا كَلَّمَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، أَوْ تَجِيئُنَا عَلَامَةٌ مِنَ اللَّهِ نَعْرِفُ بِهَا صِدْقَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ عَلَى مَا نَسْأَلُ وَنُرِيدُ؟ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَكَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ مِنَ النَّصَارَى وَتَمَنَّوْا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَسَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ جَهْرَةً، وَيُؤْتِيَهُمْ آيَةً، وَاحْتَكَمُوا عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُلِهِ، وَتَمَنَّوُا الْأَمَانِيَّ.
فَاشْتَبَهَتْ قُلُوبُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي تَمَرُّدِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِعَظَمَتِهِ وَجَرْأَتِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، كَمَا اشْتَبَهَتْ أَقْوَالُهُمُ الَّتِي قَالُوهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118] قَدْ بَيَّنَّا الْعَلَامَاتِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَأَعَدَّ لَهُمُ الْعَذَابَ الْمُهِينَ فِي مَعَادِهِمْ، وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أَخْزَى اللَّهُ النَّصَارَى فِي
الدُّنْيَا، وَأَعَدَّ لَهُمُ الْخِزْيَ وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الْآخِرَةِ، وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا جَعَلَ سُكَّانَ الْجِنَّانِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وجُوهَهُمْ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنُونَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا.
فَأُعْلِمُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اسْتَحَقَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّثَبُّتِ فِي الْأُمُورِ، وَالطَّالِبُونَ مَعْرِفَةَ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى يَقِينٍ وَصِحَّةٍ.
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّفَّةُ
صِفَتُهُ مَا بَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِيَزُولَ شَكُّهُ، وَيَعْلَمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَخَبَرُ اللَّهِ الْخَبَرُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ سَامِعُهُ بِالشَّكِّ فِيهِ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يَحْتَمِلُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْعَارِضَةِ فِيهِ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَالْكَذِبِ، وَذَلِكَ مَنْفِيٌّ عَنْ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ