المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية-[رضي الله عنه]-

للبيد - رضي الله عنه - 2،: أنشِدْني شيئًا من شعرك، فقال: ما كنتُ أقول 3 شعرًا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران، فزاده عمر [- رضي الله عنه - 4] في عطائه خمسمائة، وكان ألفين، فلما كان في زمن معاوية 5 - رضي الله [تعالى 6] عنه- قال له معاوية: هذان الفَوْدَانِ، فما بال العلاوة؟ يعني بالفودين: الألفين 7 وبالعلاوة: الخمسمائة، وأراد أن يحطَّه إياها، فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفَؤدَانِ، فرق له وترك عطاءَه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير، وقيل: لم يدرك لبيد خلافة معاوية - رضي الله [تعالى 8] عنه - (9) [إنما مات بالكوفة في إمارة الوليد بن عقبة 9 عليها في خلافة عثمان 10 - رضي الله تعالى عنه-] وهو الأصح.
وقال الإمام مالك 11 بن أنس رحمه الله 12: بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة، وقيل: مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة، وقال أكثر أهل العلم بالأخبار: لم يقل شعرًا منذ أسلم، ويقال: لم ينظُم في الإسلام غير قوله 13: الحمدُ للهِ إذ لم يأتِني أجَلي... حتى اكتَسَيتُ مِنَ الإسلامِ سِرْبَالا1

وقيل: قوله 1: ما عَاتَبَ المرءَ الكريمَ كَنفسِهِ... والمرءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصالِحُ وقال ابن عبد البر 2: في هذه 3 القصيدة ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وهو قوله 4: وَكُلُّ امرئٍ يومًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ... إِذَا انكشفتْ عِندَ الإِلَهِ المحاصلُ وقال الحافظ أبو الفتح اليعمري 5: البيت الذي نسب إليه، وهو قوله: الحمد لله................................................. لفروة بن نفاثة بن عمرو بن نوابة، عُمِّر وطال عُمرُه 6، ووفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم وقال 7: بَانَ الشبابُ فلم أحْفَل بِهِ بالا... وأقبلَ الشَّيبُ والإسلامُ إقْبَالا وقد أُدوِّي نَدِيِمي من مُشَعْشِعَةٍ... وَقَدْ أُقلِّبُ أوْرَاكًا وَأَكَفَالا الحمدُ لله إذْ لَمْ يَأْتيني أَجَلِي... حَتَّى اكْتَسَيْتُ منَ الإِسْلَامِ سِرْبَالا ثم اعلم أن تمام البيت المذكور 8 هو قوله: ............................... وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالةَ زَائِلُ وهو من قصيدة لامية أولها هو قوله 9:

1 - ألا تسأَلانِ الْمَرءَ مَاذَا يُحَاول... أَنَحْبٌ فَيقضَى أَمْ ضَلالٌ وَبَاطلُ 2 - أَرى الناسَ لا يَدرونَ ما قَدرُ أَمرهم... بَلى كُلُّ ذي لُبٍّ إلى اللهِ واصِلُ 3 - ألا كل شيءٍ مَا خَلا الله بَاطل... وَكُل نَعيمٍ لا مَحَالةَ زَائلُ 4 - وَكُل أُنَاسٍ سَوفَ تَدْخُلُ 1 بَينَهُم... دُوَيهيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ 5 - وَكُل امْرئ يَوْمًا سَيَعلَمُ سَعيَه... إذا حُصِّلَت عِندَ الإلَهِ المَحَاصِلُ 6 - إذا المرءُ أَسرَى ليلةً خال أنه... قضَى عمَلًا والمرءُ ما دام عاملُ 7 - فَقولا لَهُ إِن كانَ يَقسِمُ أَمرَهُ... ألمَّا يَعظكَ الدَهرُ أُمُّكَ هابلُ 8 - فَإن أَنتَ لَم ينفعْكَ عِلمُك فَانتَسِب... لعلَّكَ تهديكَ القُرونُ الأَوائِلُ 9 - فَتَعلَمَ أَن لا أَنتَ مُدرِكُ ما مَضى... وَلا أَنتَ مما تَحذَرُ النَفسُ وائلُ 10 - فَإن لَم تجِد من دُونِ عَدنانَ والِدِّا... وَدونَ مَعَدٍّ فَلتَرُعْكَ العَواذِلُ وهي من الطويل، وهو أول بحور الدائرة الأولى من الدوائر الخمس المسماة بدوائر المختلف، وسميت به لاختلاف كمية أجزائها 2، وهي مشتملة على خمسة أبحر، ثلاثة مستعملة وهي: الطويل والمديد والبسيط، وبحران مهملان وهما: المستطيل مقلوب الطويل، والممتد مقلوب المديد 3، وأصله في الدائرة: فعولن مفاعيلن أربع مرات 4، وقد دخله القبض في ضربه، وأما عروضه فتكون مقبوضة دائمًا 5. والقبض هو 6: حذف الخامس الساكن 7، فتحذف 8 الياء من "مفاعيلن" فيصير مفاعلن، فتقول 9: (ألا كل) فعولن سالم، (ل شيء ما) مفاعيلن سالم، (خلا اللا) فعولن سالم، (هـ باطل) مفاعلن، مقبوض.

والبيت الشاهد مقفى، وهو أول القصيدة على ما ذكره الخالديان 1 في الأشباه والنظائر، وكذا ابن السيد 2. وعند جماعة منهم ابن هشام اللخمي 3 والعسكري 4، أول البيت ما ذكرناه من قوله: ألا تسألانِ المرءَ مَاذَا يُحَاولُ............................... وهو أيضًا مصرعٌ مقفى، والفرق بين التقفية والتصريع أن التصريع عندهم تبعية العروض للضرب قافية ووزنًا وإعلالًا 5. والتقفية: أن يكون العروض على زنة الضرب وقافيته، سواء تغيرت العروض عما يجب لها أم لا 6، فكل تصريع تقفية ولا ينعكس 7، وسمي البيت إذا كان فيه تصريع مصرعًا تشبيهًا له بمصراعي الباب، فكأن البيت الذي هو المصرع 8، وهو ما له قافيتان شبيه بالبيت الذي له بابان، وقيل: إنه مشتق من الصرعين، وهما نصفا النهار، فانتصاف النهار صَرْعٌ، وسقوط الشمس صَرْعٌ، والأول أقرب.
وقافيته من المتدارك، وهو ما بعد ساكنه الأول حركتان، وسمي بذلك لتدارك السكون الثاني فيه الأول، أي: تداركه فلم يترك الحركات تتزايد، أو لأن الحركة الثانية أدركت الأولى

ولم يفصل بينهما ساكن 1، ومثاله 2: قفَا نَبكِ مِنْ ذكرَى حَبيب وَمَنْزل................................ والقافية تأتي على خمسة أنواع هذا أحدها.
1 - قوله: "يحاول" من حاولت الشيء أي 3: أردته، والنحب بفتح النون وسكون الحاء المهملة وهو: المدة والوقت، يقال: قضى فلان نحبه إذا مات.
2 - قوله: "ألا": كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، قوله: "شيء" الشيء اسم للموجود، فلا يقال للمعدوم شيئًا، وفيه خلاف تقرر في الأصول، قوله: "خلا" كلمة يستثنى بها وتنصب ما بعدها وتَجر، تقول: جاءني القوم خلا زيدًا، فتنصب بها إذا جعلتها فعلًا من خلا يخلو خلوًّا ويضمر فيها الفاعل؛ كأنك قلت: خلا مَنْ جاءني مِن زيد 4. وإذا قلت: خلا زيدٍ بالجر فهي عند بعضهم حرف جر بمنزلة: حاشا 5، وعند بعضهم مصدر مضاف 6. وأما: ما خلا بكلمة (ما) فلا يكون بعدها إلا النصب، تقول: جاءني القوم ما خلا زيدًا؛ لأن

خلا لا يكون بعدها "ما" إلا صلة، وهي معها مصدر؛ كأنك قلت: جاءني القوم خُلُوَّ زيدٍ 1، أي خلوهم من زيد، يعني خالين من زيد 2، وعن قريب يأتي مزيد الكلام فيه -إن شاء الله تعالى- 3. وقوله: "ما خلا الله باطل" من هذا القبيل، لا يجوز فيه إلا النصب، وذلك لأن "ما" فيه مصدرية فدخولها يعين الفعلية 4، ولفظة "الله" اسم للذات المعبود بالحق المستجمع لجميع الصفات، وقد شاع كلام الناس فيه 5، هل هو مشتق أم اسم موضوع؛ فلا يحتاج إلى ذكره 6. قوله: "باطل": من بطل الشيء يبطل بطلانًا وبطولًا وبُطْلًا، ومعناه: ذهب ضياعًا وخسرانًا، وزاد ابن القطاع 7 بطولة، وأبطل إذا جاء بالباطل، والأباطيل: جمع باطل على خلاف القياس، كأنه جمع إبطيل 8، والباطل ضد الحق، وفي عرف المتكلمين الباطل: الخارج عن الانتفاع، والفاسد: يقرب منه، والصحيح ضده ومقابله، وفي عرف الشرع: الباطل من الأعيان: ما فات معناه المقصود، المخلوق له من كل وجه بحيث لم يبق 9 إلا صورته، ولهذا يذكر في مقابلة الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت، وفي الشرع يراد به ما 10 هو المفهوم منه لغة، وهو: ما كان ثابت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، إما لانعدام محلية التصرف؛ كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف؛ كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل.
فإن قلتَ: ما معناه ها هنا؟.

قلتُ: المعنى ها هنا: كل شيء سوى الله تعالى زائل فائت مضمحل ليس له دوام.
قوله: "وكل نعيم" النعيم: ما أنعم الله به عليك، وكذلك النعمة والنعمى والنعماء، فالمد في الفتح، والقصر [في الضم] 1، قوله: "لا محالة" أي: لا حيلة، ويجوز أن تكون من الحول وهو القوة والحركة، وهي مفعلة منهما، وأكثر ما تستعمل لا محالة بمعنى الحقيقة واليقين، أو بمعنى: لا بد، والميم زائدة، ومنه ما جاء في حديث 2 قُسّ بن ساعدة 3: أَيقَنتُ أَنِّي لا مَحالَةَ... حَيثُ صارَ القَومُ صائِرُ قال الجوهري 4 قولهم: "لا محالة" أي: لا بد، يقال: الموت آت لا محالة 5. فإن قلت: الجنة نعيم، وهي لا تزول أبدًا، فكيف قال: وكل نعيم لا محالة زائل؟ وهذا كلام غير صحيح، ولهذا لمّا أنشده لبيد رد عليه عثمان بن مظعون 6 -رضي الله تعالى عنه- وقال له: كذبتَ، نعيم الجنة لا ووول، على ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي 7. وقال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عمن حدثه قال: لما رأى عثمان بن مظعون -رضي الله تعالى عنه- ما يلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الأذى، وهو يغدُو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة 8، قال عثمان: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل بيتي يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، فمشى إلى الوليد بن المغيرة وهو في المسجد، وقال 9: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد

كنت في جوارك، وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَلِيَ به وبأصحابه أسوة، فقال: فلعلك يا ابن أخي أوذيت أو انتهكت قال: لا، ولكن أرضى بجوار الله تعالى، ولا أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فاردد إليَّ جواري علانية؛ كما أجرتك علانية، فقال: انطلق، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد عليَّ جواري، فقال عثمان: صدق وقد وجدته وفيًّا كريم الجوار، وقد أحببت أن لا أستجير بغير الله تعالى، وقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان بن مظعون ولبيد بن ربيعة هذا في مجلس قريش، فجلس معهم عثمان وهو ينشدهم: ألا كل شيء ما خلا الله باطل....................... فقال عثمان: صدقت، قال لبيد: ............................. وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، فالتفت القوم إليه، فقالوا للبيد: أعد علينا فأعاد لبيد، فأعاد عثمان بتكذيبه مرة وبتصديقه مرة، وإنما يعني عثمان؛ إذ قال كذبت يعني: نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: والله يا نفر قريش ما كانت مجالسكم هكذا، فقام سَفِيهٌ منهم على عثمان بن معظون فلطم عينيه فاخضرت، فقال [له] 1 مَنْ حوله: والله يا عثمان لقد كنت في ذمة منيعة، وكانت عينك غنية عما لقيت، فقال: جوار الله آمن وأعز، وعيني الصحيحة فقيرة التي ما لقيت أختها، ولي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن 2 آمن معه أسوة، فقال الوليد: هل لك في جواري؟، فقال عثمان: لَا أَرَبَ لي في جوار أحد إلا في جوار الله تعالى، ثم هاجر عثمان -رضي الله تعالى عنه- إلى المدينة.
قلت: الجواب عن ذلك من وجهين: الأول: أن لبيدًا إنما قال ذلك قبل أن يسلم، فيمكن أن يكون اعتقاده [في] 3 ذلك الوقت أن الجنة لا وجود لها، أو كان يعتقد وجودها، ولكن لا يعتقد دوامها كما ذهبت 4 إليه طائفة من أهل الأهواء والضلال.
والثاني: أنه يمكن أن يكون أراد به ما سوى الجنة من نعيم الدنيا؛ لأنه كان في صدد ذم الدنيا، وبيان سرعة زوالها، وأما تكذيب عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - إيَّاه؛ فلكونه حمل الكلام عن العموم.

10 - قوله: "فَلْتَرُعْكَ العواذل" من رَوَّعَهُ يُرَوِّعُه إذا كفه 1، والعواذل ها هنا حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليه مجاز 2. الإعراب: قوله: "ألا كل شيء"، ألا: حرف استفتاح، غير مركبة؛ ولذلك قال سيبويه 3: إذا سميت بها أعربت ولم تحك، وهي 4 بمنزلة: قفا 5، وادعى الزمخشري 6 فيها التركيب 7، ولم يقم على دعواه الدليل، فتصدر 8 بها الجملة الاسمية؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: 12]، والفعلية؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: 8].
ولفظ (كل) المشهور فيه أن لا يخلو استعماله عن الإضافة لفظًا، فإن خلا لفظًا يكون مضافًا معنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87] 9، وأجاز الأخفش 10 تجريده

عن الإضافة وانتصابه حالًا 1، ووافقه أبو علي 2 في الحلبيات 3، ويعضده قراءة نافع 4: (إنا كلًّا فيها) 5 [غافر: 48]، و "كل شيء" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "باطل".
وقد علم أن كلمة "كل" إذا أضيفت إلى نكرة تقتضي عموم الأفراد، وإذا أضيفت إلى المعرفة تقتضي عموم الأجزاء، تقول: كل زُمَّانٍ مأكول، ولا تقول: كل الرمان مأكول، ولفظة "الله" منصوبة بقوله "خلا".
فإن قلت: ما موضوع الجملة كلها من الإعراب؟.
قلت: يجوز أن يكون حالًا 6، وبه جزم السيرافي 7، فيكون التقدير: ألا كل شيء حال كونه خاليًا عن الله باطل؛ كما تقول في قولك: جاءني القوم ما خلا زيدًا، يعني جاءني القوم حال كونهم خالين عن زيد، ويجوز أن يكون نصبًا على الظرفية 8؛ فيكون التقدير: ألا كل شيء وقت خلوهم عن الله باطل كما تقول في قولك: جاءني القوم ما خلا زيدًا.
جاءني القوم وقت خلوهم عن زيد.
= وما بعدها، والزبيدي (74)، وشذرات الذهب (2/ 36)، ومعجم الأدباء (11/ 224).

التقدير: ألا كل شيء وقت خلوهم عن الله باطل، وقد قلنا: إن "خلا" إذا دخلت عليها كلمة "ما" لا تجر عند الجمهور 1، ونقل الجرمي 2 عن بعض العرب جر المستثنى بعد: "ما خلا"، وبعد "ما عدا"، على أن "ما" زائدة، وعدا وخلا حرفا جر وهذا شاذ 3؛ لأن "ما" تزاد بعد الحرف متأخرة عنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]، و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: 40] ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: 25]، وها هنا هي متقدمة عن الحرف فلا يحكم عليها بالزيادة.
وإذا كانتا مجردتين من كلمة "ما" يجوز الجر بهما على أنهما حرفا جر، والنصب على أنهما فعلان فاعلهما مضمر وجوبًا، والمستثنى مفعولهما، تقول: قام القوم خلا زيدًا وخلا زيدٍ، وعدا زيدًا وعَدا زيدٍ 4. الاستشهاد فيه: أنه أورده شاهدًا لإطلاق الكلمة على الكلام، وهو مجاز مهمل عند النحويين، مستعمل عند المتكلمين، وهو من باب تسمية الشيء باسم جزئه على سبيل التوسع، فإنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: أَلا كُلُّ شَيء مما خَلا اللهَ باطِلُ................................ " فأطلق الكلمة على الكلام توسعًا، وقد روينا عن أبي هريرة 5 -رضي الله تعالى عنه- من طريق البخاري 6 ومسلم 7 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد:

ألا كُلُّ شيءٍ مما خَلا اللهَ باطلُ.................... (1). وكاد ابن أبي الصلت (2) أن يسلم"، وفي رواية لهما قال: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد" إلخ، وهذه الرواية رويناها أيضًا من طريق الترمذي (3) -رحمه الله تعالى- وقد رويت هذه اللفظة بألفاظ مختلفة منها: إن أصدق كلمة (4)، ومنها: إن أصدق بيت قاله الشاعر (5)، ومنها: أصدق بيت قاله الشاعر، ومنها: أصدق بيت قالته الشعراء، وكلها في الصحيح، ومنها: أشعر كلمة قالتها العرب، قاله ابن مالك في شرحه للتسهيل (6)، وكلها في وصف المعاني مبالغة بما يوصف به الأعيان؛ كقولهم: شعر شاعر، وخوف خائف، وموت مائت، ثم يصاغ من أفعل باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفه (7)، وفيه شاهد آخر: وهو تقديم المستثنى، ولكن الشارح لَمْ يورده لذلك، وإنما أورده لما ذكرنا [فافهم] (8).

جارٍ التحميل