الشاهد الثاني عشر بعد المائة
3، 4 عَدَسْ مَا لِعَبادٍ عَلَيكِ إِمَارَةٌ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ أقول: قائله هو يزيد بن مُفَرَّغ الحِمْيَرِيّ 5 بضم الميم وفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة وفي آخره غين معجمة، وإنما سمي بذلك؛ لأنه راهن على شرب سقاء كبير ففرغه، وهو من قصيدة قافية وأولها هو هذا البيت وبعده: 2 - وإن الذي نَجَى مِنَ الكَرْبِ بَعْدَمَا... تَلاحَمَ فيِ دَرْب عَلَيكِ مَضِيقُ 3 - أتاكِ بحمحامٍ فأنْجَاكِ فالحقي... بأرضك لا تَحبس عليك طَريقُ 4 - لعمري لقد أنجاك من هُوَّةِ الرَّدى... إمام وحبل للأنَامِ وثِيقُ 5 - سأشكر ما أَوْلَيتَ من حسن نِعْمة... ومثلي بِشُكْرِ المنعِمِينَ حَقيقُ12
6 - فإنْ تَطْرُقِي بَابَ الإمَامِ فإنني... لكل كريم ماجِدٍ لَطَرُوقُ
وهي من الطويل.
ومن قصته: كان قد هجا عباد بن زياد بن أبي سفيان، وهو زياد بن أبيه، وملأ البلاد من هجوه، وكتبه على الحيطان، فلما ظفر به ألزمه محوه بأظفاره، ففسدت أنامله، ثم أطال سجنه فكلموا فيه معاوية، فوجه بريدًا يقال له حمحام، فأخرجه وقدمت له فرس من خيل البريد فنفرت، فقال:
عدس ما لعباد عليك إمارة..............................
ويقال: كان يزيد بن مفرغ المذكور قد صحب عبادًا المذكور والي سجستان، حين ولاه معاوية -رضي اللَّه تعالى عنه- إياها، وكره عبيد اللَّه أخو عباد استصحابه ليزيد بن مفرغ خوفًا من هجائه، فقال لابن مفرغ: أنا أخاف أن يشتغل عنك عباد فتهجونا، فأحب أن لا تعجل إلى عباد حتى يكتب إليَّ، وكان عباد طويل اللحية عريضها فركب ذات يوم، وابن مفرغ في موكبه، فهبت الريح فنفشت لحيته، فقال ابن مفرغ 1:
ألا ليت اللِّحا كَانَتْ حَشِيشًا... فَنَعْلِفَها دَوابَّ المسلمينا
وهجاه بأنواع الهجاء، فأخذه عبيد الله بن زياد فقيده، وكان يجلده كل يوم ويعذبه بأنواع العذاب، وكان يسقيه الدواء المسهل، ويحمله على بعير ويقرن به خنزيرة، فإذا أمشاه المسهل وسال على الخنزيرة صَاءَتْ 2 وآذته، فلما زاد عليه البلاء كتب إلى معاوية - رضي الله عنه - بأبيات يذكره ما حل به ويستعطفه فيها، وكان عبيد الله أرسل به إلى عباد بسجستان والقصيدة التي [كان] 3 هجاه بها، ثم إن معاوية بعث إلى مولى له يقال له خشنام على البريد، فقال له: انطلق حتى تقدم على ابن مفرغ بسجستان فَأطْلِقْهُ، ولا تستأمرن عبادًا، فامتثل أمرَه، وأتى إلى سجستان، فسأل عن ابن مفرغ فأخبروه بمكانه، فوجده مقيدًا فأحضر قَينًا ففك قيده وأدخله الحمام وألبسه ثيابًا فاخرة وأركبه بغلة فلما ركبه قال:
عدس ما لعباد عليك إمارة...............................
إلى آخر القصيدة، فلما قدم على معاوية [رضي الله تعالى عنه] 4 قال يا أمير المؤمنين:
صُنِعَ لي ما لم يصنع بأحد، من غير حدث أحدثْتُه، فقال له: معاوية [رضي الله عنه] 1، وأي حدث أعظم من حدث أحدثته في قولك 2:
1 - أَلا أَبْلغ مُعَاويَةَ بنَ حَرْب... مُغَلْغَلَةً عَن الرَّجُلِ اليَمَانِي
2 - أتغضب أن يقال أبوك عف... وتَرْضَى أنْ يُقَال أبُوكَ زَاني
3 - فاشهَد أن رحِمَكَ من زِيَادِ... كرَحم الفيل من ولدِ الأتانِ
4 - وأشهدُ أنَّهَا حَمَلَت زيادًا... وصخر من سَمَيَّةَ غير دانٍ؟
فحلف ابن مفرغ أنه لم يقله، وإنما قاله عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، فأخذني 3 ذريعة إلى هجاء زياد، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم وقطع عطاءَه.
قوله: "عدس" بفتح العين والدال والسين المهملات؛ وهي في الأصل صوت يزجر به البغل، وقد يسمَّى البغل به، قال 4:
إذا حَمَلتُ بزَّتِي على عَدَس... عَلَى التي بَين الحِمَار والفَرَسْ
فَلا أُبَالِي من غدَا وَمَنْ جَلَس...............................
قوله: "لعباد" بفتح العين المهملة، على وزن فعال بالتشديد، وهو عباد بن زياد بن أبي سفيان، ويروى: لعباس.
فما أدري ما وجهه 5، قوله: "إمارة" بكسر الهمزة؛ أي: أمر وحكم، قوله: "أمنت" من الأمان، ويروى: نجوت من النجاة، وهكذا أنشده الجوهري 6، قوله: "وهذا تحملين" أي: والذي تحملينه، "طليق" أي: مطلق من الحبس.
2 - قوله: "تلاحم" أي: التصق.
3 - قوله: "بحمحام" بحائين مهملتين، وهو اسم للبريد الذي أرسلهُ معاوية بسببه.
4 - قوله: "هوة الردى" أي: الهلاك، والهوة بضم الهاء وتشديد الواو؛ وهو الوهدة العميقة.
الإعراب:
قوله: "عدس": منادى، وحذف حرف النداء منه، تقديره: يا عدس، وهي مبنية على سكون؛ لأنها في الأصل حكاية صوت (1)، وعن الخليل: أن عدس رجل كان يقوم على البغال أيام سليمان عيه السلام، وأنها كانت إذا سمعت باسمه طارت فرقًا منه، ولهج الناس به حتى سموا البغل عدس (2)، وقال ابن سيده: هذا لا يعرف في اللغة (3)، قوله: "إمارة" مبتدأ، وخبره قوله: "ما لعباد"، وقوله: "عليك" يتعلق بقوله: "إمارة"، قوله: "وهذا" موصول بمعنى الذي و "تحملين" صلته، والعائد محذوف، أي: الذي تحملينه، وهذا المجموع مبتدأ وخبره قوله: "طليق".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وهذا تحملين" وهو أن هذا قد جاءت بمعنى الذي على رأي الكوفيين، وأما البصريون فإنهم يمنعون ذلك، ويقولون: هذا اسم إشارة، وتحملين حال من ضمير الخبر، والتقدير: وهذا طليق محمولًا (4).