الشاهد التاسع والخمسون بعد الخمسمائة
3، 4
وَكَم مَوْطنٍ لَوْلَايَ طِحْتَ كَمَا هَوَى... بأَجْرَامِهِ مِنْ قنَّةِ النيقِ مُنْهَوي
أقول: قائله هو يزيد بن الحكم بن العاص، وهو من قصيدة واوية من الطويل، وأولها هو قوله:
1 - تُكَاشِرُني كَرهًا كَأنَّكَ نَاصِحٌ... وَعَينُكَ تُبدِي أَنَّ صَدْرَكَ لي دَوي
وقد ذكرناها في شواهد المفعول معه عند قوله 5:
جَمَعَت وفُحْشًا غِيبةً وَنميمةً... ثَلاثُ خصَالٍ لستَ عَنَها بمرعَوي
قوله: "طحت" بكسر الطاء وضمها، أي: هلكت وسقطت، من طاح يطوح ويطيح، قوله: "كما هوي" أي: كما سقط من هوى يهوي هويًا من باب ضرب يضرب.
قوله: "بأجرامه" الأجرام: جمع جرم، وجرم الشيء جثته، قوله: "من قنة النيق" القنة بضم القاف وتشديد النون مثل القلة، وهي أعلى الجبل، ويجمع على قنان، مثل: برمة وبرام، وقنن وقنات، و"النيق" بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره قاف، وهو أرفع موضع في الجبل، ويجمع على نياق، قوله: "منهوي" بضم الميم، الهاوي والمنهوي، كلاهما بمعنى الساقط.12
الإعراب:
[قوله: "] 1 وكم موطن" كم هنا خبرية بمعنى كثير، وموطن مميزه، وقد علم أن مميز كم الخبرية يكون مفردًا ويكون مجموعًا؛ نحو: كم عبد ملكت، [وكم عبيد ملكت] 2.
قوله: "لولاي" لولا لربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو: لولا زيد لهلك عمرو، أي: لولا زيد موجود، ثم إنها هاهنا وليها مضمر، والأصل فيه أن يكون ضمير رفع نحو: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31]، وأما لولاي ولولاك ولولاه فقليل 3.
ثم مذهب سيبويه والجمهور: هي جارة للضمير مختصة به؛ كما اختصت حتى والكاف بالظاهر، ولا يتعلق لولا بشيء، وموضع المجرور بها رفع بالابتداء، والخبر محذوف.
وقال الأخفش: الضمير مبتدأ، ولولا غير جارة، ولكنهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع؛ كما عكسوا؛ إذ قالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا 4.
وقال النحاس: لولاك ولولاي إذا أضمر فيه الاسم جر، وإن ظهر رفع، قال سيبويه: وهذا قول الخليل ويونس 5، فمعنى هذا أنك تقول: لولا زيد لكان كذا، فترفع بالابتداء، وتقول: لولاك فتكون الكاف في موضع خفض، وهذا عند أبي العباس خطأ؛ لأن المضمر عقيب المظهر، فلا يجوز أن يكون المظهر مرفوعًا والمضمر مجرورًا.
وأبو العباس لا يجيز: لولاك ولولاه، وإنما يقول: لولا أنت، قال أبو العباس: وحدثت أن أبا عمرو اجتهد في طلب: لولاك ولولاي بيتًا يصدقه أو كلامًا مأثورًا عن العرب فلم يجده، قال أبو العباس: وهو مدفوع لم يأت عن ثقة، ويزيد بن الحكم ليس بالفصيح، وكذلك عنده قول الآخر 6:
.................. لولاك في ذا العام لم أحجج (1)
قال: إذا رأيت القصيدة رأيت الخطأ فيها فاشيًا (2).
وقال الفراء: لولاي ولولاك المضمر في موضع رفع، كما تقول: لولا أنا ولولا أنت (3)، وفيه بحث كثير حذفناه للاختصار (4).
وقوله: "طحت" جواب لولاي، وهي جملة من الفعل والفاعل، قوله: "كما هوى" الكاف للتشبيه، و "ما" يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة، قوله: "هوى": فعل ماض، وقوله: "منهوي" فاعله، والباء في: "بأجرامه" في محل النصب، و "من" في: "من قنة النيق": تتعلق بهوى.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لولاي" فإن فيه حجة على المبرد، حيث أنكر مجيء نحو هذا في الكلام الفصيح (5).