الشاهد الستون بعد الأربعمائة
4, 5 فما أنتَ والسيرَ في مَتْلَفٍ... يُبْرِّحُ بالذَّكَرِ الضَّابِطِ أقول: قائله هو أسامة بن الحرث بن الحبيب الهذلي، وكان يكنى أبا سهم.123
وهو من قصيدة طائية من الوافر 1، وأولها هو هذا البيت، وبعده [هو] 2 قوله 3:
2 - وبِالبُزْلِ قدْ دَمَّهَا نَيَّهَا... وذَاتِ المُدَارَأَة العَايطِ
3 - ومَا يَتَوَقَّيْن مِنْ حَرَّةٍ... وَمَا يَتَجَاوَزْنَ مِنْ غَائِطٍ
4 - وَمنْ أيْنِهَا بَعْدَ إبْدَانِهَا... وَمِنْ شَحْمِ أَثْبَاجهَا الهَابِطِ
5 - تَصِيحُ جَنَادِبُهُ رُكّدًا... صيَاحَ المَسَامِيرِ في الوَاسِطِ
6 - فَهُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْتَوْقِزٍ... وُقُوعَ الدَّجاح عَلَى الحَائِطِ
7 - وإلَّا النَّعَامَ وَحُفَّانَهُ... وَطُغْيَا مِنَ اللَّهَقِ النَّاشِطِ
8 - إذَا بَلَغُوا مِصْرَهُمْ عُوجِلُوا... منَ الموت بالهِمْيَغِ الذَّاعِطِ
9 - مِنَ المُرْبعِيَن وَمِنْ آزِلٍ... إذَا جَنَّهُ الليلُ كَالنَّاحِطِ
10 - عَصَاكَ الأقَارِبُ منْ أمْرِهِمْ... فَزَايِلْ بِأمْرِكَ أوْ خَالِطِ 4
11 - ولا تَسْقُطَنَّ سُقُوطَ النَّوَا... ة مِنْ كَفِّ مُرْتَضِخٍ لاقِطِ
1 - قوله: "في متلف" بفتح الميم وسكون التاء المثناة من فوق وكسر اللام وفتحها، وهو القفر الذي يتلف فيه من سلكه.
قوله: "يبرح" بالتشديد؛ من برَّحَ به الأمر تبريحًا إذا جهده، والبرح: البارح الشدة والأذى، ويروى: يُعَبِّر بالذكر الضابط، وهكذا هو في ديوان الهذليين 5؛ أي: يحمله على ما يكره، يقال: عبّر بعينه إذا أراه ما يكره، وأراه عبر عينه إذا أراه العبر وما يكره.
قوله: "بالذكر" بفتح الذال المعجمة والكاف، وأراد به الذكر من الإبل؛ لأنه أقوى في السير 6 من الناقة، وإذا برح بالذكر كان أحرى أن يبرح بالناقة، و"الضابط": القوي منه، ومنه الأضبط وهو الذي يعمل بيديه جميعًا.
2 - قوله: "وبالبُزْلِ" بضم الباء الموحدة وسكون الزاي المعجمة في آخره لام؛ جمع بازل وهي المسنة من الإبل, قوله: "قدْ دمّها" بفتح الدال المهملة وتشديد الميم؛ أي: قد علاها نيها، أي: شحمها، وهو بفتح النون وتشديد الياء، وأصلها: نوى، ويقال: معناه: طلاها شحمها، ومنه يقال: دم قدرك؛ أي: أطلها بالطحال.
قوله: "وذات المدارأة" أراد بها الناقة التي بها اعتراض [وشدة نفس] 1، ويقال: المدارأة: المدافعة، وأراد بها: الناقة التي تناطح الإبل في السير لنشاطها وقوتها، و"العايط" بالعين المهملة وبعد الألف ياء آخر الحروف، وهي الناقة التي لم تحبل أعوامًا فهي أقوى للسفر، قال سيبويه: عايط: حالت عامين أو ثلاثة لم تلقح 2.
3 - قوله: "وما يتوقين" أي: وما يتقين، "من حرة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي كل أرض ذات حجارة سود، و"الغائط" بالغين المعجمة؛ المكان المنخفض من الأرض، ويجمع على غيطان.
4 - قوله: "ومن أينها" أي: إعيائها، وهو بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها نون, قوله: "بعد إبدانها" بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة، من أبدنها ربيع وعشب.
قوله: "أثباجها" بفتح الهمزة وسكون الثاء المثلثة بعدها الباء الموحدة وبعد الألف جيم، وهو جمع ثبج، وثبج كل شيء: وسطه، و "الهابط" هو الذي يذوب فيسيل من التعب.
5 - قوله: "جنادبه": جمع جُنْدَب بضم الجيم وهو الجراد، والضمير فيه يعود إلى المتلف، قوله: "ركّدًا" بضم الراء؛ جمع راكد وهو الثابت، وأراد "بالواسط" واسط الرحل وهو موضع القَربُوس في السَّرْج، قال الجوهري: واسط الكور: مقدمه 3.
6 - قوله: "مستوفز" بفتح الفاء والزاي المعجمة، وهو المكان المرتفع، وأراد: "بالدجاج" هاهنا: الديوك.
7 - و"النعام": جمع نعامة، و"الحفّان" بضم الحاء المهملة وكسرها 4، وتشديد الفاء، وهي صغار النعام.
قوله: "وطُعْيَا" بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة على وزن حبلى، قال الفارسي: وكان الأصمعي يرويه على وزن حبلى، روى أحمد بن يحيى: طَغْيا -بفتح الطاء على وزن سكرى، وهي البقرة، وروى أبو عبيدة: طَغْيًا بفتح الطاء مع التنوين، وكذلك رواه أبو عمرو الشيباني وقالا: هو الصواب، يقال: طغى يطغى طغيا، ويكون للناس والبهائم 5، ومن روى
هكذا روى من اللهق، أي: صوتًا من اللهق، و "اللهق" بفتح اللام والهاء وبالقاف، وهو الثور الأبيض، و"الناشط" بالنون وبعد الألف شين معجمة، وهو الذي يخرج من موضع إلى موضع ولا يستقر.
8 - قوله: "بالهميغ" بكسر الهاء وسكون الميم وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره غين معجمة، وهو الموت المعجل، قال الجوهري: وكان الخليل يقول: بعين غير معجمة وخالفه الناس 1, قوله:
"الذاعط" بالذال المعجمة والعين المهملة، ومعناه: الذابح؛ من الذعط وهو الذبح الوحي.
9 - قوله: "من المربعين": جمع مربع بفتح الباء الموحدة 2 وهو الذي تأخذه الحمى الربع، والمعنى: جعلوا من أولئك الذين حُمِّلُوا الربع, قوله: "ومن آزل" بفتح الهمزة الممدودة وكسر الزاي وفي آخره لام، وهو الداخل في الأزل، وهو ضيق الحال من الحمى, قوله: "كالناحط" بالنون والحاء المهملة، وهو الذي يعتريه الزفير، أراد: كالناحط يذفر من الحمى؛ من نحَط ينحِطُ من باب ضرب يضرب.
10 - قوله: "عصاك الأقارب" يقول لنفسه: إن لم يسمعوا قولك فزايلهم وخالطهم.
11 - قوله: "مرتضخ" بالضاد والخاء المعجمتين، وهو الذي يدق [النوى] 3 للإبل، ويروى: مرتحض بالحاء والضاد المعجمة، وهو الذي يغسل النوى، يقول لنفسه: عصيت عشيرتك في البقاء، وترك السفر معهم، فلا تركن في رأيك بالنهوض معهم، فتكون بمنزلة النواة الساقطة من كف المرتضخ.
الإعراب:
قوله: "فما أنت" ويروى: فما أنا، وكلمة [ما] 4 للاستفهام على وجه الإنكار، وينكر على نفسه السفر في مثل هذا المتلف الذي يهلك الإبل فيه؛ وذلك لأن أصحابه كانوا سألوه أن يسافر معهم حين سافروا إلى الشام فأبى وقال هذا الشعر.
قوله: "والسير" والمعنى: ما تصنع والسير، فلما حذف الفعل انفصل الضمير المستكن وانتصب السير بذلك المحذوف، ومنهم من يرفعه ويجعل الواو عاطفة، وهذا هو الوجه؛ كما في قولك: ما أنت وزيد، يجوز فيه الوجهان.
قوله: "في متلف": متعلق بالسير, قوله: "يبرح": فعل وفاعل, قوله: "بالذكر": مفعوله،
و"الضابط" بالجر صفة، والجملة وقعت صفة لمتلف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فما أنت والسير" حيث انتصب السير بالفعل المحذوف، فيكون الواو فيه بمعنى مع، ويجوز الرفع على أن تكون الواو عاطفة؛ كما ذكرنا (1).