الشاهد السبعون بعد المائة
3, 4 كَمْ عَمَّةٌ لَكَ يَا جَرِيرُ وَخَالةٌ... فَدْعَاءُ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي أقول: قائله هو الفرزدق يهجو به جريرًا من قصيدة، أولها هو قوله: 1 - قَبَّحَ الإِلَهُ بَنِي كُلَيب إنَّهُمْ... لا يَغْدِرُونَ ولا يَفُونَ لجارِ 2 - يَسْتَيقِظُونَ إِلَى نُهَاقِ حَمِيرِهِمْ... وَتَنَامُ أَعْيُنُهُمْ عَنِ الأَوْتَارِ 3 - مُتَبَرْقِعِي لؤمٍ كَأَن وُجُوهَهُمْ... طُلِيَتْ حَوَاجِبُهَا عَنِيّةَ قَارِ 4 - وَلَقَدْ ضَلَلْتُ أَباكَ يَطْلُبُ دَارِمًا... كَضَلالي مُلْتَمِسٍ طريق وَبَارِ 5 - كَالسَّامِرِيِّ يَقُولُ إِن حَرَّكْته... دَعْنِي فَلَيسَ عَلَيَّ غَيرِ إِزَارِي 6 - كم عمة.................................. إلخ 7 - شَغَّارَة تقذ الفَصِيلَ بِرِجْلِهَا... فَطَّارَةٌ لِقَوَادِمِ الأَبْكَارِ 8 - وَرِجَالكُمْ ميل إِذَا حمُسَ الوَغَى... وَنِسَاؤُكُمْ يَحْلِبْنَ للأَصْهَارِ 9 - كَمْ مِنْ أَبٍ لَكَ يَا جَرِيرُ كَأَنَّهُ... قَمَرُ المجرَّةِ أَوْ سِرَاجُ نَهَارِ12
وهي من الكامل.
3 - قوله: "عَنِيَّة قَار" بفتح العين المهملة وكسر النُّون وتشديد الياء آخر الحروف، على وزن فعيلة، وهو بول البعير يعقد في الشمس يطلى به الأجرب، قوله: "قار" -بفتح القاف، وهي الإبل، قال الأغلب الراجز 1:
مَا إنْ رَأَينَا ملكًا أَغَارَا... أكثَرَ مِنْهُ قِرَّةً وقَارَا
والقار القير -أَيضًا ولكن- أراد ها هنا من قوله: "عنية قار": بول الإبل.
4 - قوله: "وَبَار" -بفتح الواو والباء الموحدة كقطام، وهي أرض كانت لعاد، قال الأَعشى 2:
وَمَرَّ دهْرٌ عَلَى وَبَارِ... فَهَلَكت جَهْرَة وَبَارِ
وقد أعربه ها هنا.
6 - قوله: "فدعاء" -بالفاء، هي المرأة التي اعوجت أصبعها 3 من كثرة حلبها، ويقال: الفدعاء التي أصاب رجلها فدع من كثرة مشيها وراء الإبل، و"الفدع": زيغ في القدم بينها وبين الساق، وقال ابن فارس: الفدع: اعوجاج في المفاصل؛ كأنها قد زالت عن أماكنها 4 و"العِشار" بكسر العين؛ جمع عشراء وهي الناقة التي أتى عليها من زمان حملها عشرة أشهر.
7 - قوله: "شغَّارة"- بالشين والغين المعجمتين؛ وهي التي تشغر برجلها كما يشغر الكلب إذا بال، يقال: شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، قوله: "تقذ الفصيل" أي: تضربه إذا دنا منها عند الحلب.
قوله: "فطارة" -بالفاء من الفطر، وهو الحلب بأطراف الأصابع، فإن كان بالكف كلها فهو الصف [والصف]، 5 يكون في الكبار من النوق، وأما الصغار من النوق فإنَّها تحلب
بأطراف الأصابع لصغر ضروعها يصف بذلك حذقها ومعرفتها بالحلب؛ لأنها نشأت عليه.
8 - قوله: "ميل" -بكسر الميم؛ جمع أميل وهو الذي لا يثبت على السرج، والذي لا سيف معه، قوله: "إذا حمس الوغى" أي: اشتد الحرب.
الإعراب:
قوله: "كم": إما خبرية واما استفهامية، ويجوز في "عمة" مع"الخالة" المعطوفة عليها الحركات الثلاث، أما الجر فعلى أن: "كم" تكون خبرية، وقوله: "عمة" مميزها 1.
وأما النصب؛ فلأنها مميز كم الاستفهامية، والاستفهام على سبيل الاستهزاء والتهكم 2.
وأما الرفع فعلى أن تكون عمة مبتدأ وصفت بقوله: "لك" وخبره قوله: "قد حلبت" ومميز كم على هذا الوجه محذوف، وذلك المحذوف لا يخلو إما أن يكون 3 مجرورًا فتكون كم هي الخبرية، تقديره: كم مرة 4 وإما أن يكون منصوبًا فتكون كم الاستفهامية، وكم على التقديرين في محل النصب بالظرف، والعامل فيه قوله: "قد حلبت".
وقوله: "فدعاء": صفة لعمة وخالة، ولم يقل: فدعاوين لأجل عمة وخالة؛ لأنه حذف صفة أحدهما، والتقدير: كم عمة لك فدعاء وخالة فدعاء، فحذف فدعاء التي هي صفة عمة؛ كما حذف لك التي هي صفة خالة، والتقدير: وخالة لك فدعاء، فحذف لك وهي صفة خالة لدلالة عمة عليه.
وقال السيد الفاضل: أما نصب العمة فعلى الاستفهام، ويجوز أن يكون خبرًا، وهو أولى من الاستفهام، ويجوز أن يكون الاستفهام على سبيل الاستهزاء كأنه قال: أخبرني عن عدد عماتك وخالاتك اللاتي كن لإبلي راعيات؛ فقد أُنْسِيتُ عددهن لكثرتهن أو لقلة عنايتي بهن.
وكم في الاستفهام -أَيضًا- مبتدأ، و"قد حلبت": خبره، و"خالة": منصوبة عطفًا على عمة، و"فدعاء": منصوبة صفة خالة، وإذا رفعت عمة فبالابتداء، وهي عمة واحدة، وخالة
معطوفة عليها، "وقد حلبت": الخبر، ولم يقل: قد حلبتا؛ لأن التقدير: كم عمة لك قد حلبت وخالة قد حلبت، فاكتفى بأحد الخبرين عن الآخر، وجاز الابتداء بالنكرة لوصفها بالجار والمجرور وهو: لك، وكم في هذا الوجه إما ظرف وإما مصدر، أي: كم حلبت عمة لك، وخالة قد حلبت، أو كم وقت عمة لك وخالة قد حلبت، فالمميز محذوف، والمراد: الإخبار بكثرة الحلبات أو بكثرة الأوقات، إن جعلت كم خبرًا قدرت المميز المحذوف مجرورًا، وإن جعلتها استفهامًا قدرت المميز المحذوف منصوبًا، قوله: "عشاري" منصوب على أنَّه مفعول حلبت.
فإن قلت: ما معنى قد حلبت علي؟
قلت: معناه: حلبت على كرهٍ مني، وهذا كما يقال: باع القاضي عليه داره، والمعنى: كنت أكره وأستنكف أن يحلب أمثالها عشاري، ويشهد لهذا المعنى [قوله] (1): "فدعاء".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "عمة" حيث جاز رفعها على الابتداء، وهو نكرة لوقوعها بعد كم الخبرية (2).