الشاهد الثالث والأربعون بعد المائتين
3، 4
فَأُبْتُ إِلَى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيبًا............................
أقول: قائله هو تأبط شرًّا، واسمه ثابت بن جابر بن سفيان، سمي بذلك؛ لأنه أخذ سيفًا وخرج فقيل لأمه: [أين ذهب؟] 5، فقالت: لا أدري تأبط شرًّا وخرج.
وقيل: أخذ سكينًا تحت إبطه وخرج إلى نادي قومه فوجأ بعضهم فقيل: تأبط شرًّا، وقيل غير ذلك، وتمام البيت المذكور:
................................... وَكَمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهِي تَصْفِرُ12
وهي من قصيدة رائية، وأولها هو قوله 1:
1 - إذا المرءُ لَمْ يحتلْ وَقَدْ جَدَّ جِدُّه... أضَاعَ وقَاسَى أَمرَهُ وهو مُدْبرُ
2 - ولكنْ أخو الحزمِ الَّذي ليس نازلًا... به الخطْبُ إلا وهو للقصْدِ مُبْصِرُ
3 - فَذَاك قَريعُ الدُّهر ما عاش حوّلا... إذَا سُدَّ منه مَنْخِرُ جَاش مَنْخِرُ
4 - أقولُ لِلحْيَانِ وقد صَفِرتْ لهم... وطَابِي وَيوْمِي ضَيِّقُ الحِجْرِ مُعْورُ
5 - هُما خُطَّتَا إِمَّا إسَارٌ وَمِنَّةٌ... وإما دمٌ والقَتْلُ بالحرِّ أَجْدَرُ
6 - وأخْرى أصادي النَّفْسَ عنْهَا وإِنَّهَا... لمورد حَزْمٍ إن فعلت ومصدر
7 - فرشْتُ لها صَدْرِي فزَلَّ عنْ الصَّفَا... بهِ جُؤْجؤ عَبْلٌ ومَتنٌ مُخَصَّرُ
8 - فخَالطَ سهْلَ الأزضِ لم تَكْدَح الصَّفَا... به كَدْحَةٌ والمَوتُ خَزْيانُ ينظرُ
9 - فأبت إلى فهم....................................... إلى آخره
وهي من الطويل.
كان تأبط شرًّا يشتار عسلًا في جبل ليس له غير طريق فأخذ عليه لحيان ذلك الموضع وخيروه النزول على حكمهم أو إلقاء نفسه من الموضع الَّذي ظنوا أنَّه لا يسلم فصبّ العسل الَّذي معه على الصفا وألقى نفسه فسلم وجعل يكلمهم فكان بينهم وبين الموضع الَّذي استقر به على الطريق [مسيرة] 2 ثلاثة أيام 3.
1 - قوله: "وقد جدّ جده" أي: ازداد جده جدًّا، قوله: "أضاع" أي: ضيّع أو وجده ضائعًا، قوله: "وقاسى أمره" أي: شقي به وهو مؤول.
2 - قوله: "أخو الحزم" وهو الشدة والضبط، ومنه الحزام والحزمة والحيزوم، والمعنى: صاحب الحزم وهو الذي يستعد للأمر قبل نزوله.
3 - قوله: "فذاك" إشارة إلى أخي الحزم، قوله: "قريع الدهر" يحتمل وجهين:
أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعته؛ أي: اختبرته 4 قرعتي.
ويجوز أن يكون من قرعه الدهر بنوائبه حتَّى جرب وبصر، ويكون قريع في الوجهين فعيلًا بمعنى مفعول، قوله:
"حوّلا" هو المتحول من حال إلى حال، [قوله] 1: "إذا سد منه منخر" مثل للمكروب المضيَّق عليه، قوله: "جاش": من الجيش، وهو الحركة والاضطراب أي: لافتنانه في الحيل لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في آخر.
4 - قوله: " [أقول] 2 للحيان" [يعني:] 3 عند مخاطبته إياهم وهو على الجبل، قوله: "وقد صفرت لهم وطابى" يعني: قد خلا قلبي من ودهم، ويجوز أن يكون أشار بالوطاب إلى الجسم؛ أي: كاد تفارقه، ويجوز أن تكون الإشارة إلى ظروف العسل التي صب العسل منها على الصفا وركبه مُتَزَلِّقًا عليه حتَّى لحق بالسهل، قوله: "معور": من أعور لك الشيء إذا بدت عورته، والواو في قوله: "ويومي ضيق الحجر" وكذلك في قوله: "وقد صفرت" للحال.
5 - قوله: "هما خطتا" أصله: هما خطتان، حذفت منها النون وهي تثنية خطة وهي القصة والحالة.
7 - قوله: "فرشت لها صدري" أي: للخطة، قوله: "جؤجؤ عبل" أي: صدر ضخم "ومتن مُخَصّر" أي: دقيق.
8 - والواو في قوله: "والموت خزيان" واو الحال، وخزيان من الْخزْيِ وهو الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهو الاستحياء.
9 - قوله: "فأبت": من آب يؤوب إذا رجع أوبًا وأوبة وإيابًا، قوله: " [إلى فهم] (4) " وهي قبيلة فهم بن عمرو بن قيس عيلان، قوله: "وما كدت آبيًا" أي: راجعًا، وهو فاعل من أن يكوب، قوله: "وكم مثلها" أي: وكم مثل هذه الخطة فارقتها وهي تتلهف كيف أفلت، قوله: "وهي تصفر" من صفير الطائر.
الإعراب:
قوله: "فأبت": عطف على ما قبله من الجمل، وهو فعل وفاعل، وقوله: "إلى فهم": يتعلق به، قوله: "وما كدت آبيًا": جملة منفية، والتاء؛ اسم كاد، وخبره قوله: "آبيًا" قوله: "وكم": خبرية بمعنى كثير، وخبره قوله: "فارقتها" قوله: "مثلها" بالجر تمييز، وقد علم أن تمييز كم الخبرية يأتي مفردًا ومجموعًا، تقول: كم عبد ملكت، وكم عبيد ملكت، قوله: "وهي تصفر": جملة اسمية وقعت حالًا.
الاستشهاد فيه: في قوله: "وما [كدت] (1) آبيًا" وهو أنَّه استعمل خبر كاد اسمًا مفردًا وإنما قياسه الفعل ويروى: وما كنت آبيًا، فإن صح فلا استشهاد فيه (2).