الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة
5, 6
دَعِي مَاذَا عَلِمتُ سَأتَّقِيهِ... ولكن بِالمُغَيَّبِ نَبِّئِينِي
أقول: قائله هو سحيم بن وثيل الرياحي، وهو من قصيدة طويلة، وقد ذكرنا أكثرها في أول الكتاب 7:
أَكُل الدَّهرِ حِلٌّ وارْتِحَالٌ... أما يُبْقي علَيَّ ولا يَقِيني
وهو من الوافر.
قوله: "دعي" أي: اتركي، و "ماذا عَلِمتِ" بكسر التاء، قال النحاس: رواية أبي الحسن1234
بكسر التاء 1، ورواية أبي إسحاق: "علمتُ" بضم التاء 2، قوله: "نَبِّئيني" أي: أخبريني، من النبأ وهو الخبر.
الإعراب:
قوله: "دعي" فعل وفاعل، وقوله "ماذا علمت": مفْعوله، و "ماذا": كلمة اسم جنس بمعنى شيء، أو موصول بمعنى الذي على خلاف فيه ها هنا، فالجمهور على أن "ماذا" كلمة مفعول دعي كما ذكرنا 3.
وقال ابن عصفور: لا يكون "ماذا" مفعول لـ "دعي"؛ لأن الاستفهام له الصدر، ولا لعلمت؛ لأنه لم يرد أن يستفهم عن معلومها ما هو ولا لمحذوف تفسيره: سأتقيه؛ لأن علمت حينئذ لا محل لها، بل "ما": استفهام، و "ذا": موصول خبر، "وعلمتُ": صِلة وعُلِّقَ "دعي" عن الاستفهام 4..
وقال ابن هشام: إذا قدّرتَ "ماذا" بمعنى الذي، أو بمعنى شيء، لم يمتنع كونها مفعول "دعي"، وقوله: "لم يرد أن يستفهم عن معلومها" 5 لازم له إذا جعلَ "ماذا" مبتدأ وخبرًا ودعْوَاهُ تعليق "دعي" مردودة بأنها ليست من أفعال القلوب، فإن قال: إنما أردتُ أنه قُدِّرَ الوقف على دعي، فاستأنف ما بعده، رده قول الشاعر: "ولكن"؛ فإنها لا بد أن يخالف ما بعدها ما قبلها والخالف ها هنا "دعي".
فالمعنى: دعي كذا ولكن أفعل كذا، وعلى هذا فلا يصح استئناف ما بعدَ "دعي"؛ لأنه لا يقال: من في الدار فإنَّني أُكرِمُهُ، ولكن أخبرني عن كذا.
انتهى 6.
وقال النحَّاس: لا يكون "ذا" هنا بمعني الذي؛ لأنه لا يجوز: دعي ما الذي علمتَ، وقال أبو إسحاق: لا يكون ذا ها هنا إلا بمنزلة الاسم مع ما، وذاك أنها لا تخلو من إحدى ثلاث جهات:
- إما أن تكون "ما" صلة "وذا" بمعنى الذي، وذا لا يجوز ها هنا؛ لأن "ذا" لا يكون بمعني الذي إلا مع "ما" و "من" الاستفهاميتين.
- وإما أن تكون "ما" بمعنى الذي فتكون "ما" مفعوله، "وذا" مبتدأ، "وعلمت" صِلة، ويبقى المبتدأ بلا خبر.
فإن قلت: أُضْمِرُ "هوَ" فكأني قلت: دعي الذي هو علمت، فهذا قبيح، والذي قال سيويه والذي لا يجوز في هذا الموضع أن تحذف هو منفصلة 1. الثالث: الذي يجوز وهو أن تكون "ما" مع "ذا" بمنزلة اسم واحد 2. الاستشهاد فيه: في قوله: "ماذا علمت" فإن "ذا" ها هنا إما موصولة، أو نكرة موصوفة؛ أي: دعي الذي علمتيه 3 أو شيئًا علمتَ فافهم؛ فإنَّهُ موضع يحتاج إلي التَّرَوِّي.