المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الرابع والخمسون بعد المائتين

3، 4 أموتُ أسًى يَوْمَ الرِّجَام وإنَّني... يَقينًا لَرهْنٌ بالَّذِي أَنَا كَائِدُ أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن، وقد ترجمناه، وهو من قصيدة داليه من الطويل وقبله هو قوله: 1 - وَكِدْتُ وقد سَالتْ من العين عَبْرةٌ... سَها عانِدٌ منها وأَسْبَلَ عَانِدُ12

2 - قَذَيتُ بها والعينُ سَهْوٌ دُمُوعُها... وَعُوَّارُهَا في باطن الجفْنِ زائِدُ 3 - فإِنَ تُرِكَتْ للكُحْلِ لم يَتْرُكْ البُكَا... وتَشريَ إذَا ما حَثْحَثَتْهَا المرَاودُ 4 - أموت أسى....................................... إلى آخره قوله: "سها عاند" يعني: مخالف، يقال: عند بالفتح يعند بالكسر عنودًا إذا خالف ومادته: عين مهملة ونون ودال مهملة، وأما عاند الثاني فمعناه: سائل من عند العرق إذا سال ولم يرقا وهو عرق عاند، قوله: "قذيت": من القذى وهو الذي سقط من العين، يقال: قذيت عينه تقذي قذًى فهو رجل قذي العين على فَعِل بكسر العين إذا سقطت في عينه قذاة، قوله: "سهو"، قال الجوهري: السهو: السكون واللين، والجمع؛ سهاء؛ مثل: دلو ودلاء، قال الشاعر 1: تَنَاوَحَتِ الرِّياحُ لفقد عَمْروٍ... وكانَتْ قَبلَ مَهْلكَهِ سِهَاءَ 2 قوله: "وعوارها" بضم العين وتشديد الواو؛ وهو قذى العين، قوله: "وتشري" بالشين المعجمة من شرى الرجل استشرى إذا لح في الأمر، وكذلك يقال: شرى الفرس في سيره واستشرى إذا لج فهو فرس شريّ على فعيل، و "الحثحثة" بالحاء المهملة؛ التحريك، "والمراود": جمع مرود بكسر الميم، قوله: "أسى": من أسيت على الشيء أسىً؛ أي: حزنت.
وقال ابن الأثير: الأسى مفتوحًا مقصورًا؛ الحزن، أسى يأسى أسى فهو آس، قوله: "يوم الرجام" بكسر الراء وبالجيم؛ اسم موضع، وقد ثبت في النسخ المعتمدة من شرح الكافية: يوم الزحام بالزاي والحاء المهملة، وهو تحريف وتصحيف 3. الإعراب: قوله: "أموت": جملة من الفعل والفاعل.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هذه الجملة وقعت خبرًا لقوله: "وكدت" في قوله: "وكدت وقد سالت" إلى [آخره، وقوله وقد سالت إلى] 4، قوله: "أموت": جمل معترضة بين اسم كاد وخبره فافهم.
قوله: "أسى": نصب على التعليل، ويجوز أن يكون حالًا على معنى: أموت حال كوني

آسيًا، قوله: " [يوم] 1 الرجام": كلام إضافي نصب على الظرف، قوله: "وإنني" إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "والياء": اسمه، وقوله: "لرهن": خبره والسلام فيه للتأكيد، و"يقينًا": نصب على أنَّه مفعول مطلق، والتقدير: أتيقن يقينًا؛ أي: تيقنًا، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، والتقدير؛ إنني لرهن رهنًا يقينًا؛ أي: حقًّا، قوله: "بالذي": يتعلق بقوله لرهن.
وقوله: "أنا كائد": جملة اسمية وقعت صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: بالذي أنا كائده.
الاستشهاد فيه: في قوله: "كائد" حيث استعمل الشَّاعر اسم الفاعل من كاد الذي هو من أفعال المقاربة، وهو فعل جامد لا يكون منه غير المضارع؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] إلَّا أنَّه سمع من قول كُثّير: هذا كائد 2. ويقال: الصواب هو كابد بالباء الموحدة؛ من المكابدة وهو الاجتهاد في العمل، وبهذا جزم ابن السكيت في شرح ديوان كثير، فحينئذ لا يبقى فيه محل للاستشهاد.
فإن قلتَ: كيف يجيء كائد من المكايدة ولا يجيء من المكابدة إلَّا مكابد؟ قلتُ: هذا ليس بجار على فعله، وقال ابن سيده: كابده مكابدة وكبادًا: قاساه، والاسم كابد كالكاهل والغارب؟ فإن قلتَ: ما الدليل على كون كابد بالباء الموحدة صوابًا على ما جزم به ابن السكيت.
قلتُ: قد قيل: إن الدليل على ذلك هو أنَّه لم يأت بعد كايد بالياء آخر الحروف ما يكون خبرًا له، وفيه نظر؛ لأن الشَّاعر قال؛ وكدت وقد سالت من العين عبرة إلى قوله: أموت أسى، وقد قلنا: إن قوله: "أموت": خبر لقوله: "وكدت" فكأنه قال: أموت ولا بد لي يقينًا من هذا الأمر الذي أنا كائد به الآن.

جارٍ التحميل