الشاهد الحادي والأربعون بعد الخمسمائة
1، 2
وواردة كأنها عصبُ القَطَا... تُثِيرُ عجاجًا بالسنابكِ أصْهَبَا
رددتُ بمثلِ السِّيدِ نهْدٍ مُقَلِّصٍ... كَمِيشٍ إذا عِطْفَاهُ ماءً تَحَلَّبَا
أقول: قائله هو ربيعة بن مقروم بن قيس بن جابر بن خالد بن عوف بن عرط بن السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد، وكان ممن أصفق عليه كسرى 3، ثم عاش في الإسلام دهرًا طويلًا، وهو مسلم وشهد القادسية.
والبيتان المذكوران من قصيدة بائية من الطويل، وأولها هو قوله 4:
1 - تَذَكَّرْتُ والذِّكْرَى تَهِيجُكَ زَيْنَبَا... وأصبَحَ بَاقِي وَصْلِهَا قَدْ تَقَضَّبَا
2 - وَحَلَّ بِفَلْجٍ فَالأَبَاتِرِ أَهْلُنَا... وَشَطَّتْ فَحَلَّتْ غَمْرَةً فَمُثَقَّبَا
3 - وطَاوَعْتُ أمْرَ العَاذِلَاتِ وَقَدْ أَرَى... عَلَيهِن أَبَّاءُ القَرِينَةِ مِشْغبَا
4 - فيَا رُبَّ خَصْمٍ قَدْ كَفِيتُ دِفَاعَهُ... وقَوَّمْتُ مِنهُ دَرْأَهُ فَتَنَكَّبَا
5 - وَمَولَى عَلَى ضَنكِ المقَامِ نَصَرتُهُ... إذَا النَّكْسُ أكْبَى زَندَهُ وتَذَبذَبَا
6 - وأضْيَافَ لَيلٍ مِنْ نَهَارِ شَمَلَّةٍ... قَربتُ مِنَ الكُومِ السَّدِيفِ المُرَعَّبَا
7، 8 - وَوَارِدَةٍ............................................ إلى آخره 5
9 - وأَسْمَرَ خَطِّيِّ كَأَنَّ سِنَانَهُ... شِهَابُ غَضَى شَيَّعْتُهُ فَتَلَهَّبَا
10 - وفِتيانِ صِدقٍ قَدْ صَبَحْتُ سُلافَهُ... إذَا الدِّيكُ فيِ حوشٍ مِنَ الليلِ أَطرَبَا
1 - قوله: "تذكرت" بفتح التاء، يخاطب نفسه، و"زينب": اسم امرأة، [قوله: "] 6 قد تقضبا لا أي: تقطع.
2 - قوله: "بفلج" بفتح الفاء وسكون اللام وفي آخره جيم؛ اسم موضع، وكذلك قوله:
"والأباثر": اسم موضع، وهو بفتح الباء الموحدة وبعد الألف [ثاء] 1 مثلثة مكسورة وفي آخره راء.
قوله: "وشطت" أي: بعدت، قوله: "فحلت" أي: نزلت، "غمرة" بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وفتح الراء، وهي 2 اسم موضع، وكذلك: "المثقب": اسم موضع، وهو بضم الميم وفتح الثاء المثلثة وتشديد القاف المفتوحة.
3 - قوله: "أبّاء القرينة" بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة، فعال من الإباء، وأراد بالقرينة نفسه، وهي -أيضًا- القرين والقرونة، قوله: "مشغبًا" بكسر الميم وسكون الشين وفتح الغين المعجمتين، يعني: شديد التشغب عليهن لا أطيعهن فيما يردن.
4 - قوله: "دفاعه" أي: مدافعته، قوله: "درأه" أي: خلافه؛ من تدارأ القوم في الأمر: تدافعوا واختلفوا.
5 - قوله: "ومولى" أراد به الولي، و"الضنك": الضيق، أي: نصرته على ضيق من الأمر وشدة حتَّى دفعت عنه الظلم، و"النكس" بكسر النون؛ الرديء من الرجال، و"أكبى زنده": إذا لم يكن فيه نار، و"تذبذب الرجل": إذا لم يثبت على شيء، ومنه قولهم: رجل مذبذب وتذبذب بين ذلك.
6 - قوله: "شملة" أي: باردة، و"الكوم" بضم الكاف؛ العظام الأسنمة والذكر أكوم، والأنثى كوماء، و"السديف" شطب السنام، و"المرعب" بضم الميم وفتح الراء وتشديد العين المهملة المفتوحة؛ بمعنى المقطع، ويقال: أخذ من الترعيب وهو قطع السنام.
7 - قوله: "وواردة" أراد بها القطيع من الخيل، قوله: "كأنها عصب القطا" أي: كأنها جماعات القطا، و"العصب": جمع عصبة، شبه الخيل في سرعتها بالقطا في سرعته.
قوله: "تثير": من الإثارة، قوله: "عجاجًا" بفتح العين المهملة وفتح الجيم، وهو الغبار، ويقال للدخان: عجاج -أيضًا-، قوله: "بالسنابك": جمع سنبك -بضم السين، وهو طرف مقدم الحافر، قوله: "أصهبا": من الصهبة، أراد [أنَّه] 3 يشبه الغبار في لونه.
8 - قوله: "رددت" ويروى: وزعت بمعنى: كففت، قوله: "بمثل السيد" بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة، وهو الذئب.
قوله: "نهد" بفتح النون وسكون الهاء وفي آخره دال مهملة، أي: ضخم، قوله: "مقلص" بكسر اللام، وهو طويل القوائم ليست برهلة [من رهل اللحم بالكسر إذا استتر واضطرب] 1.
قوله: "كميش" بفتح الكاف وكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، أي: جادٌّ في عدوه منكمش مسرع، ويروى: جهيز بالجيم والزاي المعجمة، أي: الشديد الجري، شبه فرسه بالذئب في سرعته، قوله: "عطفاه" أي: جانباه، قوله: "تحلبا" أي: سال، والألف فيه للتثنية.
9 - قوله: "وأسمر خطى" أراد به الرمح المنسوب إلى الخط [بالفتح] (2) وهو موضع، و"الغضى": شجر كثير النار حسن التوقد، و"شيعته": ألهبته.
10 - قوله: "قد صبحت" من صبحت الرجل أصبحه إذا سقيته صبوحًا، و"السلافة": ما سال من الخمر قبل العصر، وكذلك السلاف، قوله: "في جوش" بفتح الجيم وسكون الواو وفي آخره شين معجمة، يقال: مضى من الليل جوش، أي: قطع.
الإعراب:
قوله: "وواردة" بالجر لكون الواو واو ربّ، أي: ورب واردة، قوله: "كأنها" كأن للتشبيه والضمير المتصل به اسمه، وخبره قوله: "عصب القطا"، قوله: "تثير" جملة من الفعل والفاعل، و"عجاجًا": مفعوله، [وقوله: "] 2 بالسنابك": يتعلق بتثير، قوله: "أصهبَا" صفة لعجاجًا، والجملة في محل النصب على الحال.
قوله: "رددت": جواب رب المضمرة في قوله: "وواردة"، قوله: "بمثل": يتعلق برددت، وهاهنا محذوف تقديره: رددت بفرس مثل السيد.
قوله: "نهد" بالجر صفة للموصوف المحذوف، و "مقلص" بالجر صفة أخرى، وكذلك قوله: "كميش"، قوله: "إذا عطفاه" أراد [إذا] (4) تحلب عطفاه، و"عطفاه": مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر، قوله؛"ماء" بالنصب تمييز.
الاستشهاد فيه:
هو أن ابن مالك استدل به على جواز تقديم التمييز على عامله لكونه فعلًا متصرفًا 3، ولا دليل فيه، لأن عطفاه مرفوع بفعل محذوف، كما ذكرناه، كما في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ
انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1]، وقوله: {ماء لا مفعول لذلك المحذوف لا للفعل المذكور المتأخر (1) فافهم.