المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثالث والعشرون بعد المائة

5، 6 تَعَشَّ فإن عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ أقول: قائله هو الفرزدق، وهو من قصيدة يخاطب فيها الفرزدق الذئبَ الذي أتاه وهو نازل1234

في بعض أسفاره في بادية، وكان قد أوقد نارًا، ثم رمى إليه من زاده وقال [له] 1: تعال تعش، ثم بعد ذلك ينبغي أن لا يخون أحد منا صاحبه؛ حتى نكون مثل الرجلين اللذين يصطحبان.
وقال أبو عبيدة في كتاب الضيفان: ضاف الفرزدق ذئبًا ومعه لحم شاة مسلوخ، فألقى إليه ربع الشاة، وأراد أصحابه طرده فَنَهَاهُم، ثم ألقى الربع الآخر فشبع وتبختر، فقال الفرزدق 2: 1 - وأَطْلَسَ عَسَّالٍ وَمَا كَانَ صَاحِبًا... دَعَوْتُ لِنَارِي 3 مَوهِنًا فَأَتَانِي 2 - فَلَمَّا أتاني قلت دونك إِنَّنِي 4... وَإيَاكَ فيِ زَادِي لَمشتَرِكَانِ 3 - فَبِث أقد 5 الزَّادَ بَيني وَبَينَهُ... عَلَى ضَوْءِ نَارٍ مَرَّةً وَدُخَانِ 4 - فَقُلْتُ له لما تَكَشَّرَ ضَاحِكًا... وَقَائِمُ سَيفِي فيِ يَدِي 6 بِمَكَانِ 5 - تَعَشَّ فإن عَاهَدْتَنِي 7 لا تَخُونُنِي... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ 6 - وَأَنْتَ امْرؤٌ يا ذِئبُ وَالْغَدْرُ كُنْتُمَا... أُخَيَّيِن كَانَا أُرْضِعَا بِلِبَانِ 7 - وَلَوْ غَيرَنَا نَبَّهْتَ تَلْتَمِسُ القِرَى... رماك بسَهْم 8 أو شَبَاةِ سِنَانِ 8 - وَكُلُّ رَفِيقِي كُل رَحْلٍ وَإنْ هُمَا... تَعَاطَى القَنَا قَوْمَاهُمَا إِخْوَانِ وهي من الطويل وفيه الحذف، ولا يخفى 9 على الفَطِن.
1 - قوله: "وأطلس" أي: ورب أطلس؛ وهو الأغبر من الذئاب، قوله: "عسَّال": صيغة مبالغة من العسلان؛ وهو مشي الذئب باضطراب وسرعة، قوله: "مَؤهِنًا" بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء؛ وهو ساعة تمضي من الليل، وكذلك الوهن، قوله: "فأتاني" أي: فرأى النار فأتاني، ويروى: "دفعت" موضع "دعوت"، ويروى: "رفعت" فهو من المقلوب، أي رفعت له ناري فرآها فأتاني.
2 - قوله: "فلما أتاني قلت دونك إنني" ويروى: "فلمَّا أتى قلت: ادن إنني" أي: اقرب وخذ أي: كل.
= والمقتضب (2/ 295)، وابن يعيش (2/ 132)، وحاشية الصبان (1/ 153)، ومغني اللبيب (404)، وفي الديوان (628) بشرح علي فاعور، روايته: تعش فإن واثقتني لا تخونني... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

3 - قوله: "أقد الزاد" أي: أقطعه، ويروى: فبت أسوي الزاد.
4 - قوله: "تَكَشَّرَ": من الكشر وهو بدو الأسنان عند الضحك.
5 - قوله: "تعش": أمر من تعشى يتعشى، يخاطب به الذئب المذكور، وفي كتاب سيبويه: تعال فإن عاهدتني... إلخ 1. 6 - قوله: "أُخَيين": تصغير أخوين، قوله: "بلبان" بكسر اللام، يقال: هذا أخوه بلبان أمه.
قال ابن السكيت: ولا يقال: بلبن أمه، إنما اللبن الذي يشرب 2. 7 - قوله: "القِرى" بكسر القاف؛ الضيافة، قوله: "أو شباة سنان" أي: حدته، وشباة كل شيء: حده، وهو بفتح الشين العجمة والباء الموحدة، والسنان بكسر السين المهملة؛ حديدة الرمح.
8 - [قوله] 3: "وكل رفيقي كل رحل" اعلم أن إعراب هذا البيت مشكل وكذا معناه، قوله 4: "كل" في "كل رحل": زائدة و "رحل" بالحاء المهملة، وقوله: "تعاطى" أصله: تعاطيا، فَحَذْفُهُ 5 لامه للضرورة، أو وحد الضمير؛ لأن الرفيقين ليسا باثنين معينين، بل هما كثير، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] ثم حمل على اللفظ؛ إذ قال: هما إخوان، وجملة "هما إخوان": خبر كل، وقوله: "قوما" إما بدل من الفتى؛ لأن قومهما من سببها؛ إذ معناه: تقاومهما، فحذف الزوائد، فهو بدل اشتمال، وإما مفعول لأجله أي: تعاطيا القنا لمقاومة كل منهما الآخر، أو مفعول مطلق من باب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 88]؛ لأن تعاطي القنا يدل على تقاومهما.
ومعنى البيت: أن كل الرفقاء في السفر إذا استقروا رفيقين، فهما كالأخوين لاجتماعهما في السفر والصحبة، وإن تعاطى كل منهم مغالبة الآخر.
الإعراب: قوله: "تعشَّ": جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت مستتر فيه، قوله: "فإن عاهدتني" إن: حرف شرط، و "عاهدتني": جملة من فعل الشرط، وقوله: "لا تخونني" قيل: إنه جواب الشرط ولا محل لها من الإعراب 6، والحق أن يكون الجواب هو قوله: "نكن مثل من يا ذئب"، ويكون

قوله: "لا تخونني": جواب القسم الذي تضمنه عاهدتني، أو تكون جملة حالية، قوله: "مثل من": كلام إضافي منصوب؛ لأنه خبر نكن، قوله: "من" موصولة، و "يصطحبان" صلتها، قوله: "يا ذئب" معترض بين الموصول وصلته.
الاستشهاد فيه: في قوله: "مثل من يا ذئب يصطحبان" فإنه راعى معنى "من" في قوله: "يصطحبان" بالتثنية، و "من" التي بمعنى "الذي" يجوز في ضميرها اعتبار المعنى، واعتبار اللفظ وهو أكثر كقوله تعالى.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ [الأحزاب: 31]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: 40]، واعتبار المعنى نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] (1).

جارٍ التحميل