الشاهد الثاني والثلاثون بعد السبعمائة
1، 2
هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِينَارٍ لحَاجَتنَا... أَو عَبْدَ رَبِّ أَخَا عَوْنِ بنِ مِخْرَاقِ
أقول: قائل هذا البيت مجهول [وقيل إنه مصنوع]، وقيل: إنه لجرير الخطفي.
وهو من البسيط.
و"دينار": اسم رجل، وكذلك: "عبد رب".
الإعراب:
قوله: "هل" للاستفهام، و"أنت": مبتدأ، و"باعث": خبره، و"دينار": مجرور بالإضافة، وقوله: "لحاجتا: يتعلق بقوله: "باعث"، قوله: "أو عبد رب": عطف على دينار في المعنى؛ لأنه مفعول في الحقيقة؛ إذ التقدير: باعث دينارًا؛ قوله: "أخا عون" كلام إضافي بدل من "عبد رب" بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أو عبد رب" فإنه منصوب بفعل مضمر تقديره: أو تبعث عبد رب؛ لأنك إذا عطفت على مثل هذا، كان لك في المعطوف وجهان: إن شئت أن تخفضه بالحمل على اللفظ، وإن شئت تنصبه بإضمار فعل، تقول: هذا ضارب زيد وعمرو، فتشرك بين الآخر والأول في الجار، وتقول: هذا ضارب زيد وعمرًا؛ كأنك تقول: وتضرب عمرًا أو ضارب عمرًا.
وقال الزجاجي: أو عبد رب منصوب بإضمار فعل 3، وخطأه بعضهم وقال: لا يحتاج هنا إلى الإضمار؛ لأن اسم الفاعل بمعنى الاستقبال، وموضع دينار نصب فهو معطوف على الموضع؛ فلا يحتاج إلى تكلف إضمار، وإنما يحتاج إلى الإضمار إذا كان اسم الفاعل بمعنى المضي؛ لأن إضافته إضافة محضة لا ينوى بها الانفصال.
قلت: الَّذي قاله الزجاجي هو الَّذي قاله سيبويه (1)؛ بل لا يحتاج هاهنا (2) إلى الإضمار؛ لأن إضافة اسم الفاعل غير محضة؛ لأن النية بها الانفصال لكونه بمعنى الاستقبال والدليل عليه دخول هل؛ لأن الاستفهام أكثر ما يقع عما يكون في الاستقبال، وإن كان قد يستفهم عن ماض كقولك: هل قام زيد أمس؟ وهل أنت قائم أمس؟ وقال تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: 44]؟ فهذا كله ماض، لكنه لا يكون إلا بدليل، والأصل ما قلنا.
و"باعث" هاهنا بمعنى مرسل؛ كما قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: 19]، وقد يكون بمعنى الإيقاظ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: 19]، وقال -أيضًا-: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا] [يس: 52] أي: من أيقظنا؛ ولكن الأحسن هنا أن يكون بمعنى الإرسال؛ إذ لا دليل على النوم في البيت فافهم (3).