الشاهد الرابع والتسعون
5, 6
هُنّا وهِنّا ومِنْ هنّا لهُنَّ بهَا... ذَاتَ الشَّمَائِل والأيمانِ هَينُومُ
أقول: قائله هو ذو الرمة 7، واسمه غيلان بن عقبة بن بُهيس بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ربيعة بن ملكان بن عمرو بن عدي بن عبد مناة بن أدّ بن طايحة 8 بن إلياس بن مضر.
وقال الأصمعي: أم ذي الرمة امرأة من بني أسد يقال لها ظبية، وكان له إخوة لأبيه وأمه شعراء، منهم: مسعود وهو الذي يرثي ذا الرمة أخاه، ويذكر ليلى ابنته 9:1234
إلى الله أشْكُو لا إلَى النَّاسِ أَنَّنِي... وَلَيْلَى كِلانَا مُوجَعٌ مات وَاحِدُه توفي ذو الرمة سنة سبع عشرة ومائة، ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أي ابن أربعين سنة، وأنشد 1: يا قَابِضَ الروح عن نَفْسِي إذا احْتُضِرَتْ... وَغَافِرَ الذَّنْب زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ وإنما سمي بذي الرمة لقوله يصف الوتد 2: 1 - لَمْ يُبقِ غيرَ مُثَّلٍ رُكُودٍ... غَيرَ ثَلاثٍ بَاقِيَات سُودِ 2 - وبَعْدَ مَرْضُوخِ القَفَا مَوْتُودِ... أشْعَثَ بَاقِي رُمَّةِ التَّقْلِيدِ والرُّمَّةُ بضم الراء وتشديد الميم؛ بَقِيّةُ حَبلٍ خَلِق، ورمت العظام بليت، وقال الجوهري: الرُّمَّم، قطْعَةْ من الحبلِ بَالِيَةٌ، والجمعُ: رُمَمٌ ورِمَامٌ 3، والبيت المذكور من قصيدة ميمية أولها هو قوله: 1 - أأَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً... ماءُ الصَّبَابَةِ مِنْ عَينَيكَ مَسْجُومُ 4 2 - كَأَنَهَا بَعْدَ أَحْوَالٍ مَضَينَ لَهَا... بالأَشْيَمَينِ يَمَانٍ فِيهم تَسْهِيمُ 3 - أَوْدَى بهَا كُلُّ عَرَّاصٍ أَلثَّ بِهَا... وَجَافِلٌ مِنْ عجاجِ الصَّيفِ مَهْجُومُ 4 - وَدِمْنةً هَيَّجَتْ شوقي معالِمهُا... كَأَنَّهَا بِالْهِدَمْلاتِ الرَّوَاشِيمُ 5 - مَنَازِلَ الحق إِذْ لا الدَّارُ نازِحِةٌ... بالأَصْفِيَاءِ وَإذْ لا الْعَيشُ مُذْمُومُ 6 - قَدْ يَتْرُكُ الأَرْحَبِيُّ الوَهْمُ أرْكُبُهَا... كَأَنَّ غَارِبَهُ يَافوخُ مَأْمُومُ 5 7 - بَينَ الرَّجَا والرَّجَا مِنْ جَنْبِ وَاصِيَةٍ... يَهْمَاءَ خَابِطُهَا بالخَوْفِ مَعْكُومُ 6 8 - لِلْجِنِّ بِاللَّيْلِ في أَرْجَائِهَا زجَلٌ... كَمَا تَنَاوَحَ يوم الريحِ عَيشُومُ
9 - هَنَّا وهِنَّا ومن هُنَّا لَهُن بِهَا... ذَاتَ الشمَائِلِ والأَيمَانِ هَينُومُ
10 - دَويَّة وَدُجَى لَيلٍ كَأَنَّهُمَا... يَمٌّ تَرَاطَنَ في حَافَاتِهِ الرُّومُ
11 - يجلي بها اللَّيلُ عَنَّا فيِ مَلَمَّعَةٍ... مثل الأديم لها من هَبْنوَةٍ نِيمُ 1
12 - كَأَنَّنَا والقِنَانَ القُودَ تَحْمِلُنَا... مَوْجُ الفُرَاتِ إذا الْتَجَّ الدَّيَامِيمُ 2
وهي طويلة من البسيط.
1 - قوله: "ترسمت" أي: تَبَيَّنْتَ ونَظَرْتَ هل ترى منزل خرقاء؟ وهي امرأة شبب بها ذو رمة 3، و"الصبابة": رقة الشوق، و: "مسجوم": سائل، والمعنى: أماء الصبابة من عينيك سائل؟ لأن ترسمت من خرقاء، فقدم ألف الاستفهام التي كانت في ماء، فصيرها في موضع كان، وموضع أن مخفوض.
2 - قوله: "بالأشيمين" الأشيمان: جَبَلان من جِبَالِ الدَّهْنَاء، قوله: "يمان" أي: برد يمانية، و"تسهيم": خطوط.
3 - قوله: "أودى بها" أي: أذهبها، و"العُرّاص" بضم العين 4 المهملة وتشديد الراء وفي آخره صاد مهملة؛ وهو الغيم الذي لا يفتر بَرْقُهُ، قوله: "ألث" أي: أقام، وهو بالثاء المثلثة.
قوله: "وجافل" بالجيم، من جفل يجفل، من باب ضرب يضرب يقال: أجفلت الريح التراب إذا طيرته، و"العجاج": الغبار، و"مهجوم": ملقى عليه، يقال هجم عليه بيته، أي: لقاه وهدمه.
4 - قوله: "ودِمْنَة" بكسر الدال وسكون الميم وفتح النون؛ وهي آثار الناس وما سوّدوا، و"المعالم" ما علم منها، واحدها معلم، و "الهِدَمْلات" بكسر الهاء وفتح الدال المهملة وسكون الميم؛ وهي رمال مستوية والواحد هدملة، و"الرواشيم" جمع روشم، وهو الأثر، وهو الذي يطبع به، والضمير في "كأنها" يرجع إلى دمنة 5، وانتصابها على أنها معطوفة على قوله: "منزلة".
5 - قوله: "منازل الحي" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: [هي] 1 منازل الحي، ويجوز نصبها على أن يكون بدلًا من دمنة، و"نازحة" أي بعيدة، و"الأصفياء" جمع صَفِيّ وهو الحبيب الوادُّ.
6 - قوله: "الأرحبي" نسبة إلى أرحب، وهي بطن من همدان، و"الوهم": الجمل الضخم الذلول، و"الأركُب" بضم الكاف؛ جمع ركب وهم ركاب الإبل.
7 - و"الرجا" بالجيم؛ الطرق 2، و"الواصية" المتصلة بالأخرى، من وصى يصي إذا اتصل.
وقال الجوهري: أَرْضٌ وَاصِيَةٌ: مُتصِلَةُ النَّبَاتِ، وَقَدْ وصَتِ الأرضُ إذا اتَّصَل نَبْتُها 3.
قوله: "يَهْماء" بفتح الياءآخر الحروف وسكون الهاء، يقال: طريق يهماء: لا علم بها يهتدى، به لكنها قطع، قوله: "خابطها" بالخاء المعجمة، قال ابن يسعون: الخابط: الماشي في الظلام 4.
قوله: "معكوم" أي: مشدود الفم بالعكام، والعكام بكسر العين؛ الخيط الذي يعكم به، وهذا بتقديم العين على الكاف، وقيل: مكعوم من كعمت البعير إذا شددت بالكعام فمه في هياجه فهو مكعوم، و"الكِعام" بالكسر؛ الذي يجعل في فم البعير، وكعمت الوعاء إذا شددت رأسه.
8 - قوله: "زجل" بفتح الزاي والجيم، وهو الصوت الرفيع، و"الأرجاء" الأطراف و"العيشوم" بفتح العين المهملة وسكون الياءآخر الحروف وضم الشين المعجمة، وهو ما هاج من الحماض ويبس، الواحدة عيشومة، وقال بعضهم: العيشوم: شجر ينبسط على الأرض فإذا، يبس فللريح فيه زفير 5.
9 - قوله: "هنا" بفتح الهاء وتشديد النون في الثلاثة كلها، ومنهم من قال: "هنا" الأولى 6 بفتح الهاء وتشديد النون، وهنا الثانية 7 بكسر الهاء وتشديد النون، وهنا الثالثة 8 بضم الهاء وتشديد النون، والكل بمعنى واحد، وهو الإشارة إلى المكان، ولكنها تختلف في القرب والبعد وهنا بالضم يشار بها إلى القريب من الأمكنة، وإلى البعيد بالآخرين 9.
قوله: "لهن" أي للجن، وقال بعضهم: رجوعه إلى العَيشوم أظهر في اللفظ، وإلى الجن
في المعنى.
وهو على حد قوله 1:
وَقَدْ نَظَرَتْ طَوَالِعُكُمْ إِلَينَا... بأَعْينهمْ وَحَقَّقنَ الظُّنُونَا
يريد: طوالع العسكر.
فأعاد عليهم ضمير جماعة المؤنث.
قوله: "هينوم" من الهينمة، وهي صوت الخفي، ويقال: هي صوت لا يفهم.
10 - قوله: "دوية" ويروى: داوية، وهي مفازة منسوبة إلى الدوي؛ كأنك تسمع بها ممم، و"اليم" البحر، و"تراطنهم" كلامهم.
11 - قوله: "يجلي" أي: يكشف 2، و"ملمعة": السراب كالأديم في استوائها، و"النيم" بكسر النون: [الفرو] 3 الصغير القصير إلى الصدر، والنيم بالفارسية: النصف.
12 - و: "القِنان" بالقاف؛ صغار الجبال، الواحدة قُنّة، و"القُوَد" بضم القاف؛ جمع داء، وهي الطويلة وجعلها قودًا؛ لأن لها 4 أعناقًا ممتدة، قوله: "التج" من اللجة، وهي الماء الكثير، وأراد أن الشراب التج وصار له لجة، و"الدياميم": جمع ديمومة، وهي الأرض القفراء المستوية، ويروى: إذا ائتج، أي: احترق في الهواجر من أجيج النار، يقال: ائيج يأتج ائتجاجًا.
الإعراب:
قوله: "هنا وهنا ومن هنا" كلها ظروف، وهنا الأول: ظرف لقوله: زجل في البيت السابق، قوله: "هينوم" مبتدأ وخبره قوله: "لهن"، قوله: "بها" أي: فيها، والضمير يرجع إلى الرجاء في البيت السابق، ويتعلق بالمجرور وبـ"استقر" المقدر.
قوله 5: "ذاتَ الشمائل" نصب على الظرفية، والعامل فيه "استقر" المقدر الذي ذكرناه، و"الأيمان" بالجر: عَطْفٌ عليه، والتقدير: وذوات الأيمان، أراد أن عزيف الجن في ممم المفازة شمالها ويمينها.
الاستشهاد فيه.
في فتح هاء "هنَّا" وتشديد النون 6.