الشاهد الثالث والعشرون بعد الأربعمائة
1، 2
آليتَ حَبَّ العراقِ الدَّهرَ أَطعمُهُ... والحبُّ يَأكُلُهُ في القَريَةِ السُّوسُ
أقول: قائله هو المتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح الضُّبَعِي بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة، وقبله 3:
1 - أُمِّي شَامِيَّة إذ لَا عِرَاقَ لَنَا... قَوْمًا نودّهم إذ قَوْمُنَا شُوسُ
وبعده:
3 - لَم تَدْرِ بُصْرَى بِمَا آليتُ من قَسمٍ... ولَا دمَشْقُ إذا دِيسَ الكَدَادِيسُ
وهي من البسيط.
2 - قوله: "آليت" أي حلفت على حب العراق أني لا أطعمه الدهر مع أن الحب متيسر يأكله السوس وهو قمل القمح ونحوه، قال الكسائي: ساس الطعام يساس وأساس يُسيس وساست الشاة تَساس إذا كثر قملها سَوْسًا بالفتح وبالضم [هو] 4 اسم.
واعلم أنه اختلف في قوله: "آليت" فكلام العسكري 5 في جمهرة الأمثال يقتضي أنه بضم التاء؛ لأن المتلمس لما ألقى الصحيفة مضى إلى الشام، وقال يخاطب ناقته: = وَبَلَدٍ تَحْسَبُهُ مَكْسُوحًا.............................. لكان قولًا قويًّا.
الكتاب (3/ 126 - 128)، وقال المبرد: "هذا باب من أبواب أن المفتوحة تقول: قصة زيد: أنه منطلق، وخبر زيد أنه يحب عبد الله، وهذا موضع ابتداء وخبره؛ فالتقدير: خبر زيد محبته عبد الله، وتقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، فكأن التقدير: أشهد على أن محمدًا رسول الله.
أي: أشهد على ذلك، أو أشهد بأن محمدًا رسول الله.
أي: أشهد بذلك، فإذا حذفت حرف الجر وصل الفعل فعمل وكان حذفها حسنًا لطول الصلة، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155] أي: من قومه، فهو من الصلة والموصول حسن جدَّا.... ". المقتضب (2/ 341). بتصرف، والأمالي لابن الحاجب (4/ 105، 106)، وشرح التسهيل لابن مالك (2/ 150).
أمي شآمية............................. إلى آخره 1
أي اقصدي ناحية شآمية.
وقوله: "أمي" أمر من أمّ يؤمّ إذا قصد والخطاب لناقته، وصرح غيره من العلماء بالشعر واللغة أنه بالفتح، وهكذا ضبطوه في كتاب سيبويه 2، وقالوا: إنه يخاطب بذلك عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان المتلمس قد هجاه وبلغه ذلك فخاف على نفسه ففر إلى الشام ومدح ملوكها، فحلف عمرو أنه لا يطعم المتلمس بعدها حب العراق، أي أنه لا يقدر بعدها على المقام بالعراق فلا سبيل له إلى أكل حبها، فقال المتلمس ذلك، أي حلفت يا عمرو لا تتركني أقيم بالعراق والطعام لا يبقى وإن استبقيته بل يسرع إليه الفساد جمله السوس فالبخل به قبيح 3.
1 - قوله: "شوس" بضم الشين المعجمة وسكون الواو وفي آخره سين مهملة وهو جمع أشوس يقال: رجل أشوس، وقوم شوس من الشوس بالتحريك، وهو النظر بمؤخر العين تكبرًا أو تغيظًا.
3 - قوله: "بصرى" بضم الباء الموحدة وآخرها ألف: مدينة بالشام، أضاءت لأهل مكة قصورها ليلة مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والمعنى: لم تعلم بصرى أنك حلفت فأنا آكل من طعامها، وكذلك دمشق فأنا أكون في موضع لا أمر لك فيه، فلا أخافك على نفسي وأنا في خصب وخير، قوله: "الكداديس" [جمع] 4 أكداس الطعام ولا واحد لها من لفظها قاله النحاس، وقال الجوهري: الكدس بالضم واحد أكداس الطعام 5.
الإعراب:
قوله: "آليت" جملة من الفعل والفاعل، قوله: "حب العراق" كلام إضافي منصوب بنزع الخافض، وأصله عل حب العراق.
فإن قلتَ: لم لا يجوز أن ينصب حب العراق بقوله أطعمه كما في قولك: زيدًا ضربته؟ قلتُ: هذا لا يتمشى هاهنا؛ لأن التقدير لا أطعمه ولا هذه لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر في هذا الباب عاملًا، قوله "الدهر" نصب على الظرف، قوله: "أطعمه" أي لا أطعمه فحذف منه حرف لا النافية وهو من طعمت الشيء طعمًا من باب علم يعلم أي: أكلته والطعام هو المأكول، والإطعام يقع في كل ما يطعم حتى الماء، قال
الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: 249] أي من لم يشربه، وقال -عليه الصلاة والسلام- في زمزم (1): "إنها طعامُ طُعم وشفاء سقم"، و "الحب": مبتدأ وخبره الجملة أعني قوله: "يأكله في القرية السوس"، والسوس فاعل جمله، والجملة في محل النصب على الحال.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حب العراق" [حيث حذف منه حرف الجر أعني: "على" إذ أصله على حب العراق] (2)؛ كما قلنا ولما حذفها للضرورة نصب ما بعدها بالفعل فافهم (3).