المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثلاثون بعد المائتين

2، 3 فَإِنْ تَنْأَ عَنْهَا حِقْبَةً لَا تُلافِهَا... فَإِنَّكَ مِمَّا أَحْدَثَتْ بِالْمُجَرِّبِ أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي وهو من قصيدة بائية، وأولها هو قوله: 1 - خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبٍ... لِنَقْضيَ حَاجَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ 2 - فإنكُمَا إنْ تَنْظُرَانِي سَاعَةً... مِنَ الدَّهرِ تَنْفَعْنِي لدَى أمّ جُنْدَبِ 3 - ألمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جِئتُ طَارِقًا... وجَدْتُّ بِهَا طَيِّبًا وَإنْ لَمْ تَطَيَّبِ 4 - عَقِيلَةُ أخْدَانٍ لهَا لا دَمِيمَةٌ... ولا ذاتِ خُلْق إنْ تَأَمَّلْتَ جَانبِ 5 - تَبْصَّرْ خَلِيلي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائنٍ... سلَكْنَ ضُحِيًّا بين حَزْمَيْ شَعَبْعَبِ 6 - عَلَوْنَ بأنْطَاكية فوق عِقْمَةٍ... كجُرْمَةِ نَخْلٍ أو كَجَنَّةِ يثربِ 7 - فعيناكَ غَربَا جَدْوَلٍ بمفَاضَة... كمَرِّ خَلِيجٍ في صَفيحٍ منصب 8 - ألا ليتَ شِعرِي كيفَ حَادثُ وصْلِهَا... وكيفَ تظن بالإخَاءِ المغيبِ 9 - أدَامَتْ عَلَى ما بَينَنَا من نَصِيحةٍ... أميمة أمْ صارتْ لِقَولِ المُحُببِ 10 - فَإنْ تَنْأَ عَنْهَا حِقْبَةً لا تُلافِهَا... فَإنَّكَ مِمَّا أَحْدَثَتْ بِالمُجَرِّبِ 11 - وقالتْ مَتَى يَبْخَلْ عليكَ ويَعْتلِلْ... يسُؤْكَ وإنْ يُكشَفْ غَرَامُكَ تُدْرَبِ1

12 - وللَّه عَينَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقٍ... أشَتُّ وأنْأَى منْ فِرَاقِ المُحَصَّبِ 13 - غَدَاةَ غَدَوا فَسَالِكٌ بَطنَ نَخْلَةٍ... وآخَرُ منهُمْ جَازِعُ نَجْدَ كَبْكَبِ 14 - فإنَّكَ لم يَفْخَرْ عليك كَفاخِرٍ... ضَعيفٍ ولم يَغلِبْكَ مِثلُ مغْلَبِ 15 - وإنَّكَ لمْ تَقْطَعْ لُبانَةَ عاشِقٍ... بمِثلِ غُدُوٍّ أو رَوَاحٍ مُؤَوَّبِ وهي طويلة من الطويل.
وكان امرؤ القيس قد تزوج امرأة من طيئ لما نزل فيهم يقال لها: أم جندب، فلما كان ليلة ابتنى بها أبغضته، وكان علقمة بن عبدة التميمي 1 نزل به، وكان من فحول أهل الجاهلية، وكان صديقًا له، فقال أحدهما لصاحبه: أينا أشعر؛ فقال: هذا أنا، وقال؛ هذا أنا فَتَلَاحَيَا، حتَّى قال امرؤ القيس: انعت فرسك وناقتك وأنعت فرسي وناقتي، قال: فافعل، والحَكَمُ بيني وبينك هذه المرأة، من ورائك؛ يعني: الطائية امرأة امرئ القيس، فقال امرؤ القيس هذه القصيدة حتَّى فرغ منها.
1 - قوله: "خليلي" يعني: صاحبيه، والخليل: الصديق الصاحب، "وأم جندب" هي امرأة امرئ القيس الطائية، وقيل 2: هي من كندة، قوله: "لنقضي حاجات" ويروى: لنقضي لبانات، ويروى: تقضي، و"اللبانات": جمع لبانة وهي الحاجة.
2 - قوله: "تنفعني" أي: الساعة، ويروى: ينفعني -بالياء آخر الحروف، أي: الانتظار.
3 - قوله: "طارقًا": من طرقته، [أي:] 3 أتيته ليلًا، قوله: "وجدت بها طيبًا" أي: يعني: طيبة الجسم والجسد، يعني: وإن لم تمس طيبًا فهي طيبة الريح.
4 - قوله: "عقيلة أخدان" عقيلة كل شيء: خيرته وكريمته، "والدميمة" - بالدال المهملة: قبيحة الخلق.
قوله: "جانب" - بالجيم والهمزة والنون والباء: وهو القصير، يقال: فرس جانب، أي: قصير وامرأة جانبة.
5 - قوله: "من ظعائن" وهي النساء بالإبل، الواحدة: ظعينة.
قوله: "ضحيًّا": تصغير ضحى، وكرهوا أن يدخلوا فيها الهاء فتلتبس بتصغير ضحوة، و"الحزْم والحزْن" ما ارتفع من الأرض فيه غلظ، وكل غلظ حزم وحزن، والحزم: أغلظهما،

وقوله "شعبعب": اسم ماء لبني قشير.
6 - قوله: "علون" أي: علون الخدور بثياب أنطاكية فوق عِقْمَةٍ وهي قرية من قرى الشام 1، والعقمة -بكسر العين وفتحها وسكون القاف؛ جمع عقم وهو ضرب من الوشي، ويقال لكل ما جاء من قبل الشام: أنطاكي، "والجرمة": جني النخل وحملها، أراد: ألوان البسر الحمرة والصفرة، يقول: ذاك الوشى كجرمة نخل أو كجنة يثرب والجنّة: البستان، ويروى: كجربة نخل، والجربة - بالجيم المفتوحة والراء المكسورة والباء الموحدة المفتوحة، وهي موضع فيه نخل أو زرع.
7 - قوله: "غربا جدول" الغرب: الدلو العطمة، والجدول: النهر، قوله: "بمفاضة" يعني: ببئر مفاضة، ويقال: المفاضة: الدلاء الواسعة، و"الصفيح": الحجارة العراض الرقاق تجعل 2 على جنبي الجدول لئلا يتهدم، قوله: "منصب" أي: منصوب ويروى: مصوب.
8 - قوله: "كيف حادث وصلها" أي: حدوث وصلها، قوله: "تظن بالإخاء" أي: كيف تظن بالود الَّذي غاب عنها مني.
9 - قوله: "لقول المخبب" أي: إلى قول المخبب، والمخبب - بالخاء العجمة؛ وهو الَّذي يعلم الخب.
10 - قوله: "فإن تنأ" أي: تبعد من نأى ينأى إذا بعد، قوله: "عنها" أي؛ عن أم جندب المذكورة في أول القصيدة، قوله: "حقبة" بكسر الحاء المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة، واحدة حقب 3 بكسر الحاء وفتح القاف؛ وهي السنون، والحقبة: السنة ولكن أراد بها هاهنا الحين، قوله: "بالمجرب" بضم الميم وفتح الراء المشددة مثل المجزس، والمضرَس: الَّذي قد جربته الأمور وأحكمته، فإن كسرت الراء جعلته فاعلًا، إلا أن العرب تكلمت به بالفتح.
11 - قوله: "يسؤك" أي: يخونك 4، و"الغرام": شدة العشق، قوله: "تدرب" [بالدال] 5 المهملة، أي: تتعود وتَصِير ذا دربة.
12 - قوله: "من تفرق" أي: تفرقا، ومن زائدة، قوله: "أشت" أي: أشد فراقًا، والشتات: الفرقة، قوله: "وأنأى" أي: أبعد، وعني "بالمخصب" الجمرات.
13 - قوله "بطن نخلة": بستان عبيد اللَّه بن معمر، وهو الَّذي يغلط الناس فيه فيقولون: بستان بني عامر، و"النجد": الطريق، و "كبكب": هو الجبل الأحمر الَّذي تجعله في ظهرك

إذا وقفت بعرفة، ومعنى "جازع": قاطع، يقال: جزعت الوادي إذا قطعته.
14 - قوله: "المغلب" الَّذي يغلب مرارًا.
15 - "واللبانة" بضم اللام؛ الحاجة، و"مؤوب" من الأوب وهو الرجوع، وأراد هاهنا أن استراحته تكون بالليل.
الإعراب: قوله: "فإن" الفاء للعطف، "وإن" حرف الشرط، و"تنأ": مجزوم فعل الشرط، وهو جملة من الفعل والفاعل وهو "أنت" المستتر فيه قوله: "لا تلافها" بدل من تنأ؛ فإن (1) عدم الملاقاة هو النأي، ويجوز أن يكون مرفوعًا حالًا كقوله (2): متى تأته تعشو...................................... فهذا لا يجوز رفعه؛ لأنه ليس بمعنى الأول فلا يبدل منه.
قوله: "حقبة": نصب على الظرف.
قوله: "فإنك": جواب الشرط، والكاف: اسم إن، وخبره قوله: "بالمجرب" والباء فيه زائدة.
قوله: "مما أحدثت" يتعلق بالمجرب، والضمير في أحدثت ورجع إلى الحقبة.
الاستشهاد فيه: في قوله: "بالمجرب" حيث دخلت فيه الباء وهو خبر إن (3).

جارٍ التحميل