الشاهد الأربعون
3، 4
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي... بِمَا لاقَتْ قَلُوصُ بَنِي زِيَادِ
أقول: قائله هو قيس بن زهير العبسي شاعر جليل.
وهو من قصيدة دالية من الوافر، وأولها هو البيت المذكور، وبعده 5:12
2 - وَمَحْبَسُهَا على القرشي تُشْرَى... بأَدْرَاع وَأَسْيَافٍ حِدَادٍ
3 - كَمَا لاقِيتُ منْ حَمْلِ ابنِ بَدْرٍ... وَإخْوَتِهِ عَلَى ذَاتِ الإِصَادِ
4 - فَهُمْ فَخِرُو عَلَيَّ بغيرِ فَخْرٍ... وَرَدُّوا دُونَ غَانِيَةٍ جَوَادِي
5 - وَكُنْتُ إذا مُنِيتُ بخصمٍ سَوْءٍ... دلِفْتُ لَهُ بدَاهِيَةٍ نآدِي 1
6 - وَقَدْ دَلِفُوا إلَيَّ بِفِعْلِ سَوْءِ... فَألْفَوْنِي لهم صعبَ القيَادِ
7 - أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوي... إلَى جَارٍ كَجَارِ أَبِي دُؤَادِ
8 - جَزَيْتُكَ يَا رَبِيعُ جَزَاءَ سُوءٍ... وَقَدْ تُجْزَى المقَارِضُ بالإِيادِي
9 - وَمَا كَانَتْ بفَعْلَةٍ مثلُ قَيْسٍ... وَإنْ تَكُ قدْ غدرتَ ولم تُعَادِي
10 - أَخَذْتُ الدِّرَعَ مِنْ رَجُلٍ أَبِيٍّ... وَلَمْ تَخْشَ العُقُوبةَ في المِعَادِ
11 - وَلَوْلا صِهْرُهُ مِنِّي لَكَانَتْ... بهِ العَثَرَاتُ في سُوءِ المقَادِ
وقصته أن قيس بنَ زهير قال هذا الشعرَ فيما كان شجر بينه وبين الربيع بن زياد العبسي، وذلك أن أحيحة بن الجلاح كان وهب لقيس بن زهير دروعًا 2 يقال له: ذات الحواشي، فأخذها منه الربيع بن زياد، وأبي أن يردها عليه، فأغار قيسٌ على إبل الربيع بن زياد، وأخذ له أربعمائة ناقة، وقتل رُعاتها وفرّ إلى مكة، فابتاعها من حرب بن أمية وهشام بن المغيرة بخيل وسلاح وقال في ذلك، ويقال: ابتاعها من عبد الله بن جدعان.
1 - قوله: "والأنباء" بفتح الهمزة؛ جمع نبأ وهو الخبر، قوله: "تنمي" بفتح التاء المثناة الفوقية 3، من نَمَيْتُ الحديث أَنْمِيهِ بالتخفيف إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت: نمَّيْته بالتشديد، قاله أبو عبيد وابن قتيبة 4.
قوله: "قلوص بني زياد" القلوص بفتح القاف وضم اللام؛ هي الناقة الشابة، ويقال: لا تزال قلوصًا حتى تصير بازلًا، ويجمع 5 على: قِلاص وقلائص وقُلُص، ويروى: بما لاقت لبون بني زياد، اللبون 6 بفتح اللام؛ الناقة ذات اللبن، ويسمى ابنها: ابن اللبون، وبنتها: بنت لبون، وهما إذا أتى عليهما سنتان، ودخلا في الثالثة فصارت أمهما لبونًا، أي ذات لبن؛ لأنها تكون قد حملت حملًا آخر ووضعته، و "بنو زياد" هم الربيع وإخوته، وهم الذين أغار قيس بنُ زياد على إبلهم.
2 - قوله: "ومحبسها على القُرَشِيّ" أي محبس قلوص بني زياد، أراد حبسها، وأراد بالقرشي: حرب بن أمية، أو عبد اللَّه بن جدعان، و "الأدراع" جمع درع، و "الأسياف" جمع سيف، و "حداد" جمع حديدة، من حدّ السيف يَحُدّ حِدَّة إذا صار حادًّا أو حديدًا.
3 - قوله "الإصاد" بكسر الهمزة، قال الجوهري: ذات الإصاد هو الموضع الذي كان فيه غاية في الرهان بين داحس فرس قيس بن زهير العبسي، والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وبسببها كانت الوقعة المشهورة في العرب بداحس والغبراء، ودامت بينهم أربعين سنة، و "الإصاد" أجمة 1 كثيرة الحجارة بين أجبل 2.
5 - قوله: "إذا منيت" بضم الميم وكسر النون؛ أي إذا ابتليت، قوله: "دلفت له" أي تقدمت له، يقال: دلفت الكتيبة في الحرب؛ أي تقدمت، قوله: "نأدى" بفتح النون والهمزة، قال الجوهري: النآدى: الداهية، ويكون ذكرها للتأكيد 3.
6 - قوله: "وقد دلفوا" أي تقدموا إليّ.
الإعراب:
قوله: "ألم يأتيك" الهمزة للاستفهام، ويأتيك: جملة من الفعل والمفعول والفاعل، قوله: "بما لاقت" الباء فيه زائدة، قوله: "والأنباء تنمي" جملة معترضة بين الفعل ومرفوعه، ويحتمل أن يكون: "يأتي وتنمي" قد تنازعا في قوله: "ما لاقت" فأعمل الثاني وأضمر الفاعل في الأول فحينئذ لا يكون اعتراض، ولا حكم بزيادة الباء، فافهم 4 قوله: "قلوص بني زياد" كلام إضافي وارتفاع قلوص بقوله: لاقت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ألم يأتيك" حيث أثبت الشاعر الياء مع الجازم 5، وفي سر الصناعة رواه يعني أصحابنا: "ألم يأتك"؟ على ظاهر الجزم، فحينئذ لا استشهاد فيه 6، وعن الأصمعي: أهل أتاك والأنباء تنمي؟ ولا استشهاد فيه أيضًا.