الشاهد الثالث والثلاثون بعد الأربعمائة
2، 3 تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأَرَادَهَا... رِجَالٌ فبذَّتْ نَبْلَهُم وكَلِيبُ أقول: قائله هو علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو من قصيدة طويلة من الطويل، يمدح بها الحارث بن جبلة بن أبي شمرة الغساني، وكأن أسر أخاه شاسًا، فدخل 4 إليه يطلبه منه، وأولها هو قوله 5: 1 - طَحَا بِكَ قَلْبٌ في الحِسَانِ طَرُوبُ... بُعَيْدَ الشبابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ 2 - تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُهَا... وَعادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وخُطُوبُ 3 - مُنَعَّمَةٌ لا يُسْتَطَاعُ كلامُهَا... على بَابِهَا مِنْ أَنْ تُزَارَ رَقِيبُ 4 - إِذا غابَ عنهَا البعْلُ لمْ تُفْشِ سِرَّهُ... وتَرْضَى إِيَابَ البَعْلِ حِيَن يَؤُوبُ 5 - فلا تَعْدِلِي بينِي وبَيْنَ مُغَمَّرٍ... سَقَتْكِ رَوَايَا المُزْنِ حيثُ تَصُوبُ 6 - سقاكِ يَمَانٍ ذُو حَبِيٍّ وعارضٍ... تَرُوحُ بهِ جُنْحَ العَشِيِّ جَنُوبُ 7 - وَمَا انْتَ أَمْ مَا ذِكْرُهَا رَبْعِيَّةً... يُخَطُّ لَهَا مِنْ ثَرْمَدَاءَ قَلِيبُ 8 - فإنْ تسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي... بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ 9 - إِذَا شَابَ رَأْسُ المَرْءِ أوْ قَلَّ مالُهُ... فليسَ لهُ مِنْ وُدِّهِنَّ نَصِيبُ1
10 - يُرِدْنَ ثَرَاءَ المالِ حيثُ علِمْنَهُ... وشرخُ الشبابِ عندهنَّ عَجِيبُ
11 - فدعْهَا وسَلِّ الهمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ... كهَمِّكَ فيها بالرِّدَافِ خَبِيبُ
12 - إلى الحارثِ الوَهَّابِ أَعْمَلْتُ ناقَتِي... لِكَلْكَلِهَا والقُصْرَيَيِنْ وجيبُ
13 - ونَاجِيَةٍ أَفْنَى رَكيبَ ضُلُوعِهَا... وحَارِكهَا تَهَجُّرٌ فَدُؤوبُ
14 - وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وكَأنَّهَا... مُوَلَّعَةٌ تَخْشَى القَنِيصَ شَبُوبُ
15 - تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأَرَادَهَا... رِجَالٌ فبذَّتْ نَبلُهُم وكَلِيبُ
16 - تُقَدِّمُهُ حَتَّى تَغِيبَ حُجُولُهُ... وأنت لبيضِ الدَّارِعِينَ ضَرُوبُ
1 - قوله: "طحا بك" أي: لسع بك وذهب بك كل مذهب، و "طروب": مأخوذ من الطرب وهو استخفاف القلب في الفرح، قوله: "عصر حان مشيب" أي: في العصر الذي حان فيه الشيب.
2 - قوله: "شط" أي: بعد، "وليها" أي: عهدها، ويقال: ما وليها منها من قرب وجوار، قوله: "عادت عوادٍ" أي صرفت صوارف، و "الخطوب": الأمور والأحداث، جمع خطب.
3 - قوله: "منعمة" أي: هي منعمة، و "الرقيب": الحافظ، وحاصله: على بابها رقيب يمنع من زيارتها وكلامها.
4 - قوله: "إذا غاب عنها البعل" أي: الزوج، أراد أنها لا تحدث بعده مكروهًا ولا يتحدث عنها بفاحشة، قوله: "يؤوب": من آب إذا رجع.
5 - [قوله: "مُغَمَّر" بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الميم المفتوحة؛ وهو الذي لم يجرب الأمور، وكذلك الغَمر، يقال: رجل غَمْرٌ بَيِّن الغمارة وقوم أغمار] 1، قوله: "المزن" بضم الميم؛ سحاب أبيض يأتي قبل الصيف وهو أحسن السحاب، الواحدة: مزنة، و "روايا المزن": ما حمل منه الماء، والراوية: الحامل للشيء، قوله: "تصوب" قال أبو عبيدة: صاب المزن يصوب صوبًا إذا تدلى، ويقال: صاب إذا قصد، ويقال: تصوب من الصوب وهو المطر، أراد: سقاك الله المطر.
6 - قوله: "يمان" أراد: سحابًا ارتفع من نحو اليمن، واليماني لا يخلف فنسبه إلى اليمن، قوله: "ذو حَبِيّ" بفتح الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء، وهو القريب من الأرض من السحاب، يقال: حبى الشيء إذا قرب ودنا، و "العارض": السحاب، أي: سقاك عارض، قال الأصمعي: إنما خص العشي؛ لأن مطر العشي أحمد من مطر الغداة عند العرب، ومطر
الليل أحمد من مطر النهار، وإنما خص الجنوب؛ لأنها تؤلف السحاب وتمر به ويكون بها المطر والحيَاةَ والخصْب 1، قوله: "جنح العشي" أي: حين تجنح الشمس؛ أي: تدنو من المغيب.
7 - قوله: "وما أنت" يعني: وما القلب وذكره من هو هكذا؟ كقولك: ما أنت وهذا؟، قوله: "ربعية" يعني: امرأة ربعية من بني ربيعة بن مالك [قال أبو عبيدة: الربائع من بني تميم أربعة أحياء: ربيعة بن مالك] 2 بن زيد مناة بن تميم وهو ربيعة الجوع وهم رهط علقمة، وربيعة بن مالك بن حنظلة، وربيعة بن كعب بن معد بن زيد مناة بن تميم، ويدعون الحبُاق وهو نبذ يغضبون منه 3.
قوله: "ثرمداء" بفتح الثاء وسكون الراء وفتح الميم وبالمد، وهي قرية بالوشم، قوله: "يخط لها" أي: يحفر لها، و "القليب": البئر، وأراد بها ها هنا: القبر، يعني: لا يبرح من ثرمداء حتى يموت فيدفن فيها.
8 - قوله: "بالنساء" أي: عن النساء، و "الطيب": العالم الحاذق.
10 - قوله: "ثراء المال" أي: كثرته، و "شرخ الشباب" أي: أوله.
11 - قوله: "وسَلَّ الهمَّ" أي: انسه وابعد عنه 4، و "الجسرة" بفتح الجيم وسكون [السين] 5 المهملة، قال الضبي: هي الناقة النشطة 6، قوله: "فيها بالرداف" أي: فيها قوة على الخبب بالردف.
12 - قوله: "إلى الحارث الوهاب" ويروى: الحراب الذي يكثر حراب أعدائه، وأراد به: الحارث الأعرج، و "الكلكل": الصدر، و "القصرين" بضم القاف؛ هما الضلعان الصغيران المستوران في آخر الأضلاع، و "الوجيب" بفتح الواو؛ اضطراب وخفقان من شدة السير.
13 - قوله: "وناجية" بالنون والجيم 7 أي: سريعة، يقول: ركوبنا إياها في الهاجرة وإعمالنا إياها أفنى ركيب ضلوعها؛ وهو ما ركب ضلوعها بالشحم [واللحم] 8، وهو فعيل بمعنى: فاعل، و "الحارك": ملتقى الكتفين في مقدم السنام.
14 - قوله: "وتصبح" أي الناقة، وغب كل شيءآخره، و "السُّرى" بالضم؛ سير الليل،
و"المولعة" بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة وبالعين المهملة، وهي البقرة في قوائمها توليع، أي: نقط سود، و "القنيص": الصيد، والقانص الصائد، و "الشبوب" بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة؛ المسن من البقر، وكذلك: المشب والشبب.
15 - قوله: "تعفق" أي: استتر بالأرطى، ومادته: عين مهملة وفاء وقاف وهو بفتح القاف يعني: استتر بها القناص بالأرطى، ويروى: تعفق بضم القاف؛ يعني: البقرة تلوذ بالأرطى وهو شجر من الأشجار التي يدبغ بها، ويقال: أديم مأروط إذا دبغ بذلك، وواحدتها: أرطاة، قوله: "فبذت": من بذه -بالباء الموحدة والذال المعجمة إذا غلبه في كل شيء، و "النبل": السهام، و "كليب" بفتح الكاف وكسر اللام؛ جمع كلب كعبيد جمع عبد.
الإعراب:
قوله: "تعفق": فعل ماض 1 تنازع هو وقوله "وأرادها" في قوله: "رجال" على ما نقره عن قريب -إن شاء الله تعالى- قوله: "بالأرطى" يتعلق به، وعلى قول من روى: تعفق بضم القاف يكون الفاعل مضمرًا وهو الضمير الذي يرجع إلى البقرة كما ذكرنا، قوله: "لها" أي: لأجل البقرة وهو -أيضًا- يتعلق بقوله: تعفق، قوله: "وأرادها" أي البقرة، قوله: "فبذت": فعل ماض، و "نبلهم": كلام إضافي فاعله، وقوله: "وكليب" بالرفع عطف على نبلهم.
الاستشهاد فيه:
أن الكسائي احتج به على حذف الفاعل وذلك أنه أعمل الثاني وهو أرادها، ولو أعمل الأول لقال: تعفق بالأرطى رجال ثم أرادوها؛ لأنه عائد على جمع فيكون 2 على وفق الظاهر، ولو أعمل الثاني لأبرز الضمير في: تعفق على وفق الظاهر؛ لأنه ضمير جمع، فعدم الإبراز دليل على حذف الفاعل.
والجواب عن ذلك: أنه قد يجوز أن لا يبرز الضمير المرفوع، وإن لم يكن مفردًا على مذهب البصريين؛ بل ينوى مفردًا في الأحوال كلها، فتقول: ضربني وضربت الزيدين؛ كأنك قلت: ضربني من ثم، فعلى هذا كأنه قال: تعفق من ثم، ولهذا قال سيبويه: أفرد وهو يريد الجمع 3.