المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة

الشاهد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة

2, 3 وَمَنْ أَنْتُمُ إِنَّا نِسِينَا مَنَ أَنْتُمُ... وَريحُكُم منْ أَيِّ رِيح الأَعَاصر أقول: قائله هو زياد الأعجم 4، سمي به؛ لأن مولده ومنشأه كان بفارس، وهو من قصيدة1

رائية، وأولها هو قوله 1: 1 - قَضَى اللهُ خَلْقَ النَّاسِ ثُم خُلِقْتُم... بَقِيَّةَ خَلْق الله آخِرَ آخِرِ 2 - فلمْ تَسمَعُوا إلا بِمَنْ كانَ قبلكُم... ولم تُدْرِكُوا إلا مِدَقَّ الحَوَافِرِ 3 - ومن أنتم............................................ إلى آخره 4 - وأنتُمْ أُولَى جِئتُمْ مَعَ البقْلِ والدُّبَى... فَطَارَ وهذَا شَخْصُكُمْ غَيرُ طَائرِ وهي من الطويل.
2 - قوله: "إلا مدق الحوافر" المدق: موضع وقع الحوافر، يقول: سمعتم بمن كان قبلكم ولم تدركوهم لحداثة ولادتكم؛ أي: ليس لكم قدم ولم تكونوا إلا أذلة يطؤكم كل حافر.
3 - قوله: "الأعاصر": جمع إعصار، وأصله: الأعاصير ولكنه خفف، والإعصار: ريح تثير الغبار وترفع إلى السماء كأنه عمود، قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] ويقال: هي ريح تثير سحابًا ذات رعد وبرق، وفي المثل 2: "إن كنت ريحًا فقد لا قيت إعصارًا" وإنما خصها بالذكر؛ لأنها لا تسوق غيثًا ولا تلقح شجرًا، فضرب لهم المثل لقلة الانتفاع بهم، وهم يجعلون الريح كناية عن الدولة فيقال: فلان قد ذهبت له ريح.
فإن قلتَ: ما هذه الإضافة في قوله: "ريح الأعاصر" فهل هي إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الإعصار ريح؛ فيكون التقدير: من أي ريح الريح؟ قلتُ: الإعصار ريح مخصوصة وهي الريح التي فسرناها، فتكون الإضافة فيه من قبيل إضافة العام إلى الخاص.
4 - قوله: "فأنتم أولى جئتم" يعني: أنتم الذين جئتم مع البقل، وأولى: بمعنى الذين، ويروى: "أأنتم أولى جئتم"، و: "الدَبى" بفتح الدال المهملة والباء الموحدة؛ صغار الجراد، يقول: ما عهدناكم قبل الخصب ولا رأينا لكم أثرًا، فلما أخصب الناس نبغتم، فكأنكم إنما جئتم مع البقل والدبى فطار وبقي شخصكم، يرميهم بأنهم لا أصل لهم.
الإعراب: قوله: "ومن": استفهامية في محل الرفع بالابتداء، وخبره قوله: "أنتم"، قوله: "إنا نسينا": جملة مؤكدة بإن، قوله: "من أنتم": جملة من المبتدأ والخبر في محل النصب على المفعولية،

قوله: "وريحكم": كلام إضافي مبتدأ، وخبره: "من أي ريح الأعاصر"، وقد قيل: يجوز أن يجعل من بمعنى الذي، وقد حذف بعض صلته؛ كأنه قال: إنا نسينا الذين هم أنتم، والأول أوجه.
الاستشهاد فيه: على أنه علق: "نسي" بالاستفهام حملًا على نقيض النسيان وهو العلم؛ كذا قاله ابن الناظم (1)، وليس الأمر كذلك بل النسيان من أفعال القلوب، وأفعال القلوب يجوز تعليقها بالاستفهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19]، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: 33]، و ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184]، و ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101]. ثم البيت لا دليل فيه لاحتمال تقدير تمام الكلام عند قوله: "نسينا"، ثم يبتدئ "من أنتم" توكيدًا لمثله في أول البيت (2)، ولا قاطع فيه -أيضًا- لاحتمال كون "ما" موصولة حذف العائد الذي هو صدر صلتها مع عدم طول الصلة كما ذكرناه فافهم (3).

جارٍ التحميل