المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع بعد التسعمائة

1, 2 وَشوْهَاءَ تَعْدُو بِي إِلَى صَارخِ الوَغَى... بِمُستَلْئِمٍ مِثْلَ الفَنِيقِ المُرَحَّلِ أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
قوله: "وشوهاء" على وزن فعلاء؛ من الشوه وهو قبح الخلقة، ولكنه وصف محمود في الفرس، يقال: فرس شوهاء إذا كان في رأسها طول، ويقال: يراد به سعة أشداقها.
قوله: "تعدو بي" أي: تجري بي، و "الوغى" بفتح الواو والغين المعجمة، الحرب، قوله: "بمستلئم" على وزن مستفعل، وهو لابس اللأمة وهي الدرع، و "الفنيق" بفتح الفاء وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف، وهو الفحل المكرم لا يؤذى لكرامته.
قوله: "المرحل" بضم الميم وفتح الراء وتشديد الحاء المهملة؛ من رحلت البعير إذا ظعنته من مكانه وأرسلته؛ هكذا فسره في أكثر شروح تلخيص المفتاح، وذكر في بعض شروحه أن المرحل هو الذي لا يرسل في المرعى لعزه.
وضبطه البعلي في كتابه بضم الميم وفتح الدال وتشديد الجيم وفي آخره لام؛ من دجلت البعير إذا طليته بالقطران والبعير مدجل، ثم قال: المدجل: المهنوء بالقطران، ويروى: مثل الفنيق المكرم، وقال ابن هشام: المحفوظ المرجل.
الإعراب: قوله: "وشوهاء": صفة موصوفها محذوف تقديره: وفرس شوهاء، وهي في تقدير الجر برب المضمرة، أي: رب فرس شوهاء.
قوله: "تعدو": جملة من الفعل والفاعل، و"بي": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية، والجملة صفة لشوهاء، و"إلى صارخ الوغى": كلام إضافي يتعلق بتعدو، وقوله: "بمستلئم": بدل من قوله: "بي" على ما نذكره عن قريب، قوله: "مثل الفنيق": كلام إضافي منصوب بنزع الخافض؛ أي: كمثل الفنيق قوله: "المرحل" بالجر صفة الفنيق.

الاستشهاد فيه: في قوله: "بمستلئم" فإن الأخفش والكوفيين استدلوا به على جواز إبدال الظاهر من ضمير الحاضر 1، فإن قوله: "بمستلئم" ظاهر أبدل من قوله: "بي" وهو ضمير الحاضر؛ فعلى هذا يجوز أن يقال: قمت زيد، بأن يكون زيد بدلًا من الضمير الذي في قمت، ولا دليل فيه لجواز أن يكون هذا من باب التجريد كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: 28] فإن جهنم دار الخلد ولكن جرد منها دار أخرى، وجعلت النار هي دار الخلد مبالغة، فكذلك الياء في قوله: "بي" هي نفس المستلئم، ولكنه جرد من نفسه ذاتًا وصفها بذلك.
فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك فما يكون محل مستلئم من الإعراب؟ قلت: الحال من الضمير في "بي" فافهم.
والتجريد 2: هو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة في كمالها، وهو على أنواع منها نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم، أي: بلغ من الصداقة حدًّا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر، ومنها نحو قولهم: لئن سألت لتسألن به البحر، ونحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ فإن جهنم هي دار الخلد؛ لكن انتزع منها مثلها وجعلها معدًّا للكفار تهويلًا لأمرها، ومنها مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه كقول الأعشى 3: وَدِّعْ هَرَيْرَةَ إن الرَّكْبَ مُرتَحِلٌ... وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعًا أيُّهَا الرَّجُلُ 4

جارٍ التحميل