الشاهد الثالث بعد الخمسمائة
3, 4 تَقُولُ ابنَتِي إنَّ انْطِلَاقَكَ وَاحِدًا... إلى الرَّوْعِ يَوْمًا تَارِكِي لا أَبَا لِيَا أقول: قائله هو مالك بن الريب بن حوط بن قوظ بن حِسْل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، قتل بخراسان مع سعيد بن عثمان نائب معاوية على خراسان 5. وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله 6: 1 - ألَا لَيتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلَةً... بِجَنْبِ الغَضَى أُزْجِي القِلاصَ النَّوَاجِيَا12
2 - فلَيتَ الغَضَى لَمْ يَقْطَعِ الرَّكْبُ عَرضَهُ... وليتَ الغَضَى مَاشَى الرِّكَابَ لَيَالِيَا
3 - لقدْ كَانَ فيِ أَهْلِ الغَضَى لَوْ دَنَا الغَضَى... مَزَارٌ وَلَكنَّ الغَضَى ليسَ دَانِيَا
4 - ألمْ تَرَنِي بِعْتُ الضلالةَ بالهُدَى... وأصْبَحْتُ فيِ جِيشِ ابن عفَّانَ غَازِيَا
5 - وأصْبَحْتُ فيِ أَرْضِ الأعَادِي بُعَيْدَمَا... أُرَانِي عَنْ أَرْضِ الأعَادي قَاصيَا
6 - دَعَانِي الهَوَى مِنْ أهْلِ أُودٍ وَصُحْبَتِي... بِذِي الشطَّين فَالتَفَتُّ ورَائِيَا
7 - أَجَبْتُ الهَوَى لَمَّا دَعَانِي بِزَفْرَةٍ... تَقَنَّعْتُ مِنْهَا أنْ أُلامَ رِدَائِيَا
8 - أقُولُ وقَدْ حَالتْ قَرَي الكُردِ بيننا... جَزَى الله عَمَرًا خَيرَ مَا كَانَ جَازِيَا
9 - إنِ الله يُرْجِعُنِي منَ الغَزْو لَا أُرَى... وَإنْ قَلّ مَالِي طَالِبًا مَا وَرَائِيَا
10 - تقول ابنتي......................................................... إلخ
1 - قوله: "بجنب الغضى" بفتح الغين والضاد المعجمتين، قال أبو علي: الغضا: شجر ينبت في الرمل ولا يكون غضًّا إلا في الرمل، قوله: "أزجي" أي: أسوق، يقال: أزجاه يزجيه إزجاء وزجاه [يزجيه] 1 تزجية، قوله: "القلاص" بكسر القاف؛ جمع قلوص وهو الشاب من الإبل، و "النواجي": السراع.
2 - و: "الركاب": الإبل، ويجمع على ركائب، والمعنى: ليت الغضا طال بهم.
4 - قوله: "ألم ترني بعت" يعني: بعت ما كنت فيه من الفتك والضلالة بأن صرت في جيش سعيد بن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
5 - قوله: "قاصيا" من قصى إذا بَعُد.
6 - قوله: "بذي الشطين"، قال أبو علي القالي: شطين بخراسان أو قريبًا منها، يقول: دعاني هواي وتشوقي من ذلك الموضع وأصحابي بالموضع الآخر.
7 - قوله: "تقنعت منها" يقول: لما ذكرت ذلك الموضع استعبرت واستحييت فتقنعت بردائي لكي لا يري ذلك مني.
8 - [قوله: "قوي الكرد" بفتح الكاف وسكون الراء وفي آخره دال مهملة، وهو الطرد] 2.
10 - قوله: "إلى الروع" بفتح الراء، وهو الفزع والخوف، ولكن أريد به الحرب الذي من لوازمه الفزع والخوف.
الإعراب:
قوله: "قول": فعل مضارع، و "ابنتي": كلام إضافي فاعله، والجملة التي بعده مقول القول، قوله: "إن انطلاقك" الانطلاق: مصدر مضاف إلى فاعله وقع اسمًا لإن، وخبره قوله: "تاركي".
قوله: "واحدًا" حال من الكاف التي أضيف إليها الانطلاق، قوله: "إلى الروع": يتعلق بالانطلاق، قوله: "يومًا": نصب على الظرف، قوله: "لا أبا ليا" في محل النصب على المفعولية وأصله: لا أب لي، وأب: اسم لا، وخبره محذوف، أي: لا أب لي موجود حينئذ، وإنما زِيدَتْ الألف فيه كما يقال في: يا غلامي: يا غلامًا، قال أبو النجم 1, 2:
يا ابنة عما لا تلومي واهجعي..............................
وقال أبو علي: تقول العرب: قم لا أب لك، ولا أبا لك على توهم الإضافة؛ كما قال الشاعر 3:
............................... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
يريد: يا بؤس الجهل، قال: ويروى: لا أبًا ليا بالتنوين، ولا أبا ليا بغير تنوين 4.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "واحدًا" فإنه وقع حالًا عن المضاف إليه وهو الكاف في: "انطلاقك"، وإنما جاز ذلك؛ لأنها فاعل بالمصدر، والتحقيق هاهنا أن صاحب الحال لا يجوز أن يكون مجرورًا
بالإضافة نحو: جاءني غلام هند كريمة إلا في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المضاف عاملًا في الحال [مجرورًا] (1) مثل أن يكون فيه معنى الفعل كقولك: اعتكافي صائمًا، وصومي ذاكرًا، وصلاتي خاشعًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 48]، ومنه البيت المذكور.
والثاني: أن يكون المضاف جزء ما أضيف إليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: 47].
الثالث: أن يكون كجزئه نحو: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: 95] (2).