الشاهد الثاني والثمانون بعد المائتين
3، 4 بَدَا لِي أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مضى... وَلَا سَابِقٍ شَيْئًا إذَا كَانَ جَائِيًا أقول: قائله هو زهير بن أبي سلمى، واسم أبي سلمى: ربيعة بن رياح بن قرط بن الحرث بن مازن بن حلاوة بن ثعلبة بن هذمة، ويقال: ابن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو، وهو مزينة بن أدين طانجة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو والد كعب بن زهير صاحب القصيدة المشهورة التي أولها 5:12
بَانَتْ سُعَادُ فقَلْبِي اليومَ متْبُول........................
وكلاهما شاعران مطبقان، مات زهير قبل البعثة بسنة، وأسلم كعب وأخوه بجير أَيضًا وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطائف.
والبيت المذكور من قصيدة طويلة من الطَّويل، يذكر زهير فيها النُّعمان بن المنذر؛ حيث طلبه كسرى ليقتله ففر وأتى طيئًا، وأولها هو قوله 1:
1 - أَلَا لَيتَ شِعْري هل يَرى النَّاسُ ما أَرَى... من الأمْرِ أو يَبْدُو لَهُمْ مَا بَدَا لِيَا
2 - بَدا لها أنَّ النَّاسَ تَفْنَى نُفُوسُهم... وأموالُهم ولا أَرَى الدَّهْرَ فَانِيَا
3 - وأَنِّي مَتى أَهبِطْ من الأرْضِ تَلْعةً... أَجِدْ أثَرًا قَبْلِي جَدِيدًا وعَافِيَا
4 - أَراني إذا ما بتُّ بِتُّ على هَوًى... فَثَمَّ إذَا أصْبَحتُ أصبحتُ غَادِيَا
5 - إلى حفرةٍ أهْوي إليها مُقيْمةٍ... يَحثُّ إليها سَائِقٌ من وَرَائِيَا
6 - كَأَنِّي وقد خَلِّفْتُ تِسعينَ حِجّهً... خَلَعْتُ بِهَا عَنْ مَنْكَبِيّ رِدَائيا
7 - بدا لي أني.......................... إلى آخره
8 - وَمَا إِنْ أَرَى نَفْسِي تَقِيهَا كريمتي... وما إنْ بقي نَفْسي كريمة مَالِيَا
9 - أَلَا لَا أَرَى على الحوادثِ بَاقِيًا... وَلَا خَالِدًا إلَّا الجِبال الرَّواسِيَا
10 - وإلا السَّماءَ والبِلَادَ ورَبَّنَا... وأيَّامَنَا مَعْدُودةً واللَّيالِيَا
11 - ألم تَر أَنَّ الله أَهْلكَ تُبّعًا... وأهْلَكَ لُقمَانَ بْنَ عَادٍ وعَادِيَا
12 - وأهْلَكَ ذَا القرنيِن مِنْ قَبْلِ ما نرى... وفِرْعَونَ أَرْدَى جُنْدَهُ والنَّجاشِيَا
13 - أَلَا لَا أَرَى ذَا أمَّةً أصْبَحَتْ به... فَتَتْرُكُه الأيَّام وهي كما هيَا
14 - ألم تر لِلنُّعمانِ كَانَ بنَجْوَةٍ... من الشَّرِّ لَوْ أَنَّ امْرَأً كان نَاجِيَا
15 - فَعَبّر عنه رُشْد عِشْرينَ حِجّةً... من الدهرِ يَوْمٌ وَاحِدٌ كان عَاويَا
16 - فَلَمْ أَرْ مَسْلُوبًا له مثْلَ قَرْضِه... أقَلَّ صَدِيقًا مُعْطِيًا أوْ مُواسيا
17 - فأيْنَ الذي قد كَانَ يُعطي جِيَادَهُ... بِأرْسَانِهنَّ والحسَان الحَوالِيا
18 - وأيْنَ الَّذيِن قد كَانَ يُعطيهمُ القرَى... بِغَلَّاتِهنّ والمئينَ الْغَوَالِيا
19 - وأيْنَ الذَّيِن يَحْضُرُونَ جِفَانَهُ... إذَا قُدِّمَتْ ألْقَوْا عَلَيها المرَاسِيَا
20 - رأيْتُهُمْ لم يُشْرِكُوا بِنُفُوسِهم... مَنيَّتَهُ لمَّا رَأَوْا أنَّها هِيَا
21 - سِوىَ أَنَّ حيًّا مِنْ قضَاعةَ أَقْبَلُوا... وكَانُوا قديمًا يَتَّقُونْ المخَازِيَا
22 - يَسيروُنَ حَتَّى حَبَّسُوا عِنْدَ بَابِهِ... ثِقَال الرَّوَايَا والهِجَانَ المتَالِيَا
23 - فقَال لَهم خَيرًا وأثنى عليهمُ... وودَّعَهُمْ وَدَاعَ ألا تَلاقِيَا
24 - وأجْمَعَ أمْرًا كَانَ مَا بَعْدَهُ لَهُ... وَكَانَ إذَا ما أخلق الأمر ماضيَا
3 - قوله: "تلعة" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون اللام وفتح العين المهملة؛ وهو اسم ما علا من سيل الوادي وما سفل.
8 - قوله: "كريمة ماليا" يعني: لا أرى مالي يحسن أن يدفع عنها ولا تقدر نفسي أن ترد مالي إذا أَذِنَ الله بِذِهَابِه 1.
11 - قوله: "عاديَا" هو أبو السموأل.
وكان له حصن بتيماء يقال له: الأبلق، وهو الذي استودعه امرؤ القيس أدراعه.
12 - قوله: "والنجاشيا" أراد به ملك الحبشة.
14 - قوله: "بنجوة" أي: ارتفاع.
15 - قوله: "رُشد عشرين حجة" الرشد: الصلاح، و"المناوي"؛ الضال الخطئ.
16 - قوله: "مثل قَرْضِهِ" أراد مثل هبته، يقول: لم أر إنسانًا سُلب النعيم وله عند النَّاس من الأيادي والنعم الكثيرة فلم يف له ولم يواسه أقل من هذا.
18 - قوله: "والمئين الغواليا" أراد بالمئين الإبل غوالي الأثمان.
19 - قوله: "أَلْقَوْا عَلَيهَا المراسِيَا" أي: ثبتوا عليها وألقوا مثل المراسي للسفينة.
7 - قوله: "بدا لي" يقال: بدا له في هذا الأمر بداءٌ أي: نشأ له فيه رأي.
والمعنى: قد نشأ لي وظهر أنني لا أدرك ما فات، ولا أقدر أني أسبق على ما سيجيء من الحوادث.
الإعراب:
قوله: "بدا": فعل ماض، وقوله: "أني" بالفتح في محل الرفع فاعل بدا، وقوله: "مدرك"
بالنصب؛ لأنه خبر ليس، والتاء اسمها، وقوله: "ما مضى": جملة في محل الجر بالإضافة (1)، و"لست" مع جملتها خبر أن، قوله: "ولا سابق" بالجر؛ عطف على خبر ليس، على توهم إثبات الباء الزائدة في خبر ليس.
وقوله: "شيئًا": معمول سابق، قوله: "جائيًا": خبر كان، واسمها مضمر فيها يرجع إلى الشيء، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كان جائيا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئًا وقت مجيئه؛ لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه فافهم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ولا سابق"؛ حيث عطف على خبر ليس بغرض دخول الباء الزائدة فيه؛ فكأنه قدَّر المعدوم ثابتًا، ويروى: "ولا سابقًا" بالنصب عطفًا على اللفظ (2).