الشاهد الثاني والأربعون بعد السبعمائة
4، 5 أَمِن دِمْنَتَيِنْ عَرَّجَ الرّكبُ فيهمَا... بِحَقْلِ الرُّخَامَى قَدْ عَفَا طَلَلَاهُمَا أَقَامَتْ عَلَى رَبْعَيهِمَا جَارَتَا صَفا... كُمَيتا الأَعَالِي جَوْنَتَا مُصْطَلَاهُمَا أقول: قائله هو الشماخ، واسمه معقل بن ضرار بن حرملة بن صيفي بن إياس بن عبد غنم123
ابن جحاش بن مجللة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس غيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وهما من أول قصيدة طويلة من الطَّويل.
قوله: "دمنتين": تثنية دمنة، وهي ما بقي من آثار الديار، وأراد بهما الأثفيتين، قوله: "عرج الركب": من التعريج على الشيء، وهو الإقامة عليه، يقال: عرَّج فلان على المنزل إذا حبس مطيته عليه، ويروى: عرس الركب؛ من التعريس وهو نزول القوم في السَّفر من آخر الليل يقفون فيه وقفة للاستراحة ثم يرتحلون، وأعرس لغة فيه، "والركب": جمع راكب، كصحب جمع صاحب، و "حقل" بفتح الحاء المهملة وسكون القاف وفي آخره لام، وهو القراح الطيب، الواحدة: حقلة، والقَراح -بفتح القاف؛ الماء الذي لا يشوبه شيء، و "الرخامى" بضم الراء وبالخاء المعجمة وفتح الميم؛ شجر مثل الضال، وفي شرح الرضي: الحقل: الموضع الذي ينبت فيه الرخامى 1، [والمراد بحقل الرخامى ها هنا: اسم موضع] 2.
قوله: "قد عفا" أي: درس؛ من عفت الدار إذا درست، والصَّواب في عفا أن يكتب بالألف لأنَّه من ذوات الواو؛ يقال: عفا يعفو، قوله: "طللاهما": تثنية طلل، وهو ما شخص من آثار الدار.
قوله: "على ربعيهما": تثنية رَبْع وهو الدار، قوله: "جارتا صفا" الصفا: الجبل، وأراد بجارتا صفًّا: الأثفيتين، قوله: "كميتا الأعالي" أي: أسود، أعلاهما من أثر النار، قوله: "جونتا مصطلاهما" الجون -بفتح الجيم وسكون الواو- من الأضداد يطلق على الأبيض والأسود، والمراد ها هنا الأسود، وقال البعلي: أراد به الأبيض.
وقال سيبويه: يريد مصطلى الأثفيتين جون وأعلاهما كميت 3، وتأول الضمير في مصطلاهما = وإني لأرجو من يزيد بن مربع... عطيته من خيرتين اصطفاهما عطية من نائل وكرامة... سعى في ابتغاء المجد حتَّى احتواهما وانظر الشاهد في الكتاب (1/ 199)، والهمع (2/ 99)، وفي الخزانة (8/ 220، 222)، والمقرب (1/ 141)، والخزانة (4/ 293)، والدرر (5/ 281)، وابن يعيش (6/ 83، 86)، والبيت في ديوانه (307، 308) "دار المعارف"، ورواية البيت الأول في الديوان هكذا: أمن دمنتين عرج الركب فيهما... بحقل الرخا مى قد أنى لبلاهما
بأنه عائد على الأعالي؛ لأنها مثناة في المعنى، و "المصطلى" بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء واللام؛ موضع النَّار.
والمعنى: أقامت ثفيتان اللتان في ربع الدمنتين أعاليهما شديدة الحمرة وأسافلهما مُسوَدّة.
الإعراب:
قوله: "أمن دمنتين" الهمزة للاستفهام، و "من" للتعليل؛ أي؛ من أجل دمنتين، و "عرج الركب": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "فيهما" أي: عليهما، لأنَّ عرج يستعمل بعلى لا بفي يقال: عرج عليه؛ كما قلنا، وفي تجيء بمعنى على؛ كَمَا في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] أي: عليها، والباء في: "بحقل الرخامى" بمعنى في، ومحلها النصب على الحال؛ أي: حال كونهم كائنين في حقل الرخامى.
وقوله: "قد عفا طللاهما": جملة فعلية وقعت حالًا من الدمنتين، قوله: "أقامت": فعل وفاعله: قوله: "جارتا صفا"، "وصفا" في تقدير الجر على الإضافة، قوله: "على ربعيهما": يتعلق بأقامت، وعلى بمعنى في، قوله: "كميتا الأعالي": كلام إضافي، وأصله: كميتان، سقطت النون للإضافة وهي صفة: جارتا صفا.
قوله: "جونتا مصطلاهما": صفة مشبهة من حبان يجون، وهي أضيفت إلى ما أضيف إلى ضمير موصوفها، أعنى: مصطلاهما، وضمير مصطلاهما يعود إلى جارتا، فهي مثل قولك: مررت برجل حسن وجهِه بالإضافة، والمبرد يمنعه مطلقًا 1، وسيبوبه يخصه 2.
وقال بعض شراح كتاب سيبوبه: الشاهد لسيبويه في البيت: جونتا مصطللاهما؛ حيث أضاف جونتا إلى مصطلى، وأضاف مصطلى إلى هما، وهما راجعان إلى "جارتا صفا"؛ لأنَّ الجونتين من صفة الجاريتين.
الاستشهاد فيه:
كما قررناه، فإن سيبويه قال: الجر في هذا النحو من الضرورات 3، ثم أنشد قول الشماخ:
فجونتا مصطلاهما نظير: حسن وجهِه، وأجازه الكوفيون في السعة، وهو الصَّحيح على ما نص عليه ابن الناظم (1).