الشاهد الثاني والعشرون بعد الأربعمائة
3، 4
لَدُنْ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثعْلَبُ
أقول: قائله هو ساعدة بن جؤية الهذلي أخو بني كعب.
وهو من قصيدة طويلة من الكامل، وأولها هو قوله 5:
1 - هَجَرَتْ غَضُوبُ وحُبّ مَنْ يَتَخَبَّبُ... وَعَدَتْ عَوَادٍ دُونَ وَليك تَشْعبُ12
2 - وَمِنَ العَوَادِي أَنْ تَقَتْكَ ببغْضَةٍ... وَتَقَاذَفُ منهَا وَإنَّكَ تَرْقُبُ
3 - شَابَ القَذَالُ ولَا فؤَادكَ تَارِكٌ... ذِكرَ الغَضُوبِ ولَا عِتَابُكَ يُعْتَبُ
4 - لَدْنُ بِهَزِّ الكَفِّ.................................... إلى آخره
5 - خِرْقٍ مِنَ الخطيِّ أُغْمِضَ حَدُّهُ... مِثلِ الشِّهَابِ رَفَعْتَهُ يَتَلَهَّبُ
6 - مَّما يُتَرَّصُ في الثِّقَافِ يَزِينُهُ... أَخْذَى كخَافِيَةِ العُقَابُ مُحَرَّبِ
1 - قوله: "غضوب" اسم امرأة، قوله: "وعدت عوادي" أي صرفت صوارف، و "الولي" بفتح الواو وسكون اللام القرب، قوله: "تشغب" بالشين والغين المعجمتين، يقال: فلان يشغب أي يأتي في غير وجه مستقيم.
2 - قوله: "ومن العوادي" أي الصوارف، قوله: "تقتك" يقال: [تقاه] 1، وأتقاه بحقه إذا استقبله به، وقوله: "وتقاذف" أي تباعد، قوله: "ترقب" أي ترصد.
3 - قوله: "القذال" بالقاف وهو آخر ما يشيب 2 في الرأس.
5 - قوله: "خرق" بكسر الخاء وسكون الراء وفي آخره قاف يصف به الرمح يريد هو في الرماح مثل الخرق في الفتيان، والخرق هو الذي يتصرف في الأمور وينخرق فيها، قوله: "أغمض حده" أراد السنان، أي ألطف سنانه، و "الشهاب": السراج.
6 - قوله: "مما يترص" يعني: يحكم، و "الثقاف" بكسر الثاء المثلثة وبالقاف وفي آخره فاء وهي الخشبة التي يقوم بها الرمح، قوله: "أخذي" أراد أن السنان ليس بمنتشر.
4 - قوله: "كخافية العقاب" وهي ريشة بيضاء في جناحه شبه الرمح بها، قوله: "محرب" بالحاء المهملة أي مجدد.
وقوله: "لدن" [بفتح اللام وسكون الدال وفي آخره نون، أي ناعم لين فكل لين من القضبان يسمى لدنا] 3، ويروى: لذ بمعنى لذيذ من اللذة يعني: لذيذ عند هزه من لينه ونعومته وقوامه.
قوله: "يعسل" بالعين والسين المهملتين من العسلان وهو اهتزاز الرمح، ويقال لمشي الذئب ولكل عاد عسلان -أيضًا- من عسل يعسل كضرب يضرب عسلًا وعسلانًا.
والمعنى: يضطرب في اندماج وسرعة كما يعسل الذئب إذا مضى مسرعًا وهز رأسه، وقال
أبو عبيدة: الذئب عاسل والرمح عسّال 1.
الإعراب:
قوله: "لدن" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو لدن، قوله: "بهز الكف" مصدر مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف تقديره: هز الكف إياه، يعني الرمح، والباء تتعلق بقوله يعسل، وأراد بالمتن جمهور الرمح، ويقال: التقدير في قوله: "بهز الكف" عند هز الكف".
وقال ابن يسعون: الأحسن عندي أن يكون ظرفًا ليعسل متنه فيه، أي يعسل متنه فيه عند هزه.
فإن قيل: إن فيه ظرف قد عمل فيه يعسل فكيف يعمل في ظرف آخر؟
فالجواب: أنهما ظرفان مختلفان؛ لأن فيه في تقدير ظرف مكان، وبهز في تقدير ظرف زمان؛ ألا ترى أن المعنى وقت هزه، قوله: "فيه" أي في هزه، قوله: "كما عسل" الكاف للتشبيه، و "ما" مصدرية أي كعسلان الثعلب في الطريق، والثعلب فاعل عسل، والطريق منصوب بتقدير في؛ أي: في الطريق.
والاستشهاد فيه:
حيث حذف حرف الجر منه ونصب مجروره توسعًا في الفعل وإجراؤه مجرى المتعدي، ولكن هذا نوعان مقصور على السماع ومطرد في القياس؛ والأول أيضًا نوعان: نوع وارد في السعة نحو: شكرت له وشكرته، ونوع مخصوص بالضرورة؛ كما في البيت المذكور؛ لأنه لما لم يستقم الوزن بحرف الجر حذف ونصب ما بعده بالفعل، ولا يقال: الطريق ظرف مكان لا منصوب على التوسع؛ لأنه اسم خاص للموضع المستطرق، وإنما ينتصب على ظرفية المكان ما كان مبهمًا ونحوه في التوسع، قولهم: ذهبت الشام؛ إلا أن الطريق أقرب إلى الإبهام من الشام؛ لأن الطريق تكون في كل موضع يسار فيه، وليس الشام كذلك 2.